رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

جمعان عبدالله السعدي

مساحة إعلانية

مقالات

171

جمعان عبدالله السعدي

مقامات اليقين في مدرسة الابتلاء الإلهي

17 أبريل 2026 , 01:16ص

إن الابتلاء في ميزان الإيمان ليس عقوبة قاصمة، بل هو “اصطفاء وتمحيص”، ومحطة لترقية الأرواح في معارج القرب من الله جل جلاله. فالله سبحانه وتعالى لا يبتلي عبده ليعجزه أو يهلكه، بل ليفتح له أبواباً من المناجاة والافتقار لم يكن ليلجها في أوقات الرخاء. وقد تجلت هذه الحقيقة القرآنية في قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155]. فالابتلاء سنة إلهية ماضية، والغاية منها استخراج عبودية الصبر والرضا من قلب المؤمن.

وهنا، يبرز “الرضا” كأعظم مقامات اليقين، وأقوى سلاح لرفع البلاء أو تهوينه حتى يزول. فالرضا ليس مجرد سكوت على الألم أو استسلام للعجز، بل هو طمأنينة القلب العميقة بأن تدبير الله خير من تدبيرنا لأنفسنا، وهو اليقين الجازم بأن الذي أرسل المحنة هو وحده الذي يملك المنحة. وفي هذا المعنى العميق، يقول النبي ﷺ: «عجبًا لأمرِ المؤمنِ، إن أمرَه كلَّه خيرٌ، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمنِ؛ إن أصابتْه سراءُ شكرَ فكان خيرًا له، وإن أصابتْه ضراءُ صبرَ فكان خيرًا له» (رواه مسلم).

وعندما يبلغ العبد مقام الرضا عن ربه في عز الشدة، ينزل الله على قلبه برداً وسلاماً يجعل البلاء يبدو كأنه لم يكن. فالرضا يحول “المحنة” إلى “منحة”، ويجعل الضيق يتبدد أمام سعة الإيمان. والقاعدة الإلهية واضحة في أن الجزاء من جنس العمل، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط؛ كما ورد في الحديث الشريف: «إنَّ عِظَمَ الجزاءِ مع عِظَمِ البلاءِ، وإنَّ اللهَ إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فمَن رضي فله الرِّضا، ومَن سَخِط فله السَّخَطُ» (رواه الترمذي وحسنه).

لذا، فإن أولى خطوات رفع البلاء هي التصالح مع القدر، والتسليم المطلق لحكمة الخالق. فمتى امتلأ القلب بالرضا، أذن الله للغمام أن ينقشع، وللفرج أن يلوح، لأن الغاية من الابتلاء قد تحققت، وهي عودة القلب إلى بارئه مستسلماً وراضياً. فالبلاء جند من جنود الله، والرضا هو المفتاح الذي يفتح الأقفال المغلقة. فما إن يرضى العبد حتى تأتيه الدنيا وهي راغمة، ويأتيه اللطف الإلهي ليغسل أثر المواجع، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6].

فاجعل من صبرك في البداية نعيماً في النهاية، وثق يقيناً أن الله لا يترك يداً ارتفعت إليه بالرضا والدعاء إلا وملأها بجبر الخاطر وسكينة النفس. فمن عرف الله في الرخاء، عرفه الله في الشدة، ومن رضي بقضاء الله، أرضاه الله بجميل عطائه.

مساحة إعلانية