رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في بداية سنوات التحاقي بالعمل الصحفي سبعينيات القرن الماضي وأنا في سنة أولى صحافة التقيت بأساتذة كبار أكن لهم الاحترام والتقدير منهم من ذهب إلى جوار ربه ومنهم من هو على قيد الحياة، وأذكر أول يوم ذهبنا فيه أنا وكل أفراد دفعتي الذين تخرجوا في كلية الآداب، قسم الصحافة والإعلام للمعاينة لاستيعابنا في صحافة مايو كان ينتظرنا الأستاذان العملاقان موسى المبارك وجمال محمد أحمد بعد أن تم تعيينهما على رأس مؤسستي دار الأيام ودار الصحافة عليهما الرحمة، وكان الأستاذ موسى المبارك يضع أمامه ملفاً علمنا بمحتواه لاحقاً، ولكن الأسئلة التي وجهت إلينا جميعاً كانت موحدة تقريباً أهمهما السؤال الأول حول انتماءاتنا السياسية في الجامعة فرددنا على الأسئلة بصدق وأمانة، وعلمت فيما بعد أن ذلك الملف كان يحوي معلومات عنا جميعاً ونشاطنا في الجامعة وانتماءاتنا، وبعد انتهاء المعاينة بكل أسئلتها تم تخييرنا ما بين الأيام والصحافة، فاختار كل منا خياره وكان لنا ما أردنا، فاخترت الأيام وألحقت بها ووجدت بها أساتذة أجلاء تعلمنا منهم الكثير وكان على رأس هؤلاء الأساتذة المرحوم الفاتح التجاني، فقد كان صحفياً مهنياً لا يشق له غبار وكان مدير التحرير عندما صار الفاتح التجاني رئيساً للتحرير الأستاذ عبد الله الجبلي وهو نموذج لمدير التحرير الذي تتوافر فيه كل مواصفات مدير التحرير وكان الأستاذ محمد أحمد عجيب والطيب شبشة من كبار قادة الصحفيين آنذلك وكان يقوم على قسم الأخبار الأستاذ إدريس حسن وهو صحفي مهني بكل ما تحمل هذه العبارة من معنى كان يدقق في العبارات ويستقصي الأخبار ويحكم الصياغة.. وكان يتولى الأخبار العالمية الأستاذ السر حسن فضل الصحفي الشاطر دءوب الحركة يعاونه زميله المهذب شوقي حسن الخير، إلى جانب عدد كبير من الصحفيين الذي تعاقبوا على العمل بالصحيفة بجانب المهني المقتدر المرحوم رحمي محمد سليمان الذي كان يقضي الساعات الطوال لكي يحكم ما يكتبه.. وقد كان يكتب ويشطب ثم يعيد الكتابة بهدف تحقيق أكبر قدر من الدقة في التعبير البليغ وإحكام الأفكار.. فقد كان واحداً من أفضل كتاب الأعمدة في ذلك الزمان.. وكان الأستاذ فضل الله محمد يشكل مدرسة صحفية في دار الأيام بإصدار صحيفة الحياة ومعه زميلنا يوسف عمر ابن الجزيرة ود مني والذي ظل محافظاً على مهنيته وصحافيته بكل أخلاقياتها ومثلها وقيمها حتى اليوم.
منذ ذلك الزمان وأنا مولع بالحصول على الكتاب الذي اعتبره أعظم هدية حتى لو لم يكتب مؤلف الكتاب إهداءه إليّ.. أقول ذلك وفي بداية السبعينيات دخلت مكتب وزير الإعلام آنذاك الأستاذ الأديب المرحوم عمر الحاج موسى فقرأت عبارة مهمة ما زالت تتردد على (ذاكرتي).. وكانت العبارة المعلقة على المكتب تقول (أحمقان.. معير كتاب.. ومعيده) وكانت تلك هي المرة الأولى التي أطالع فيها تلك العبارة وتفهمت أبعادها.. بعد أن أعرت كتباً لأصدقاء لم يردوها إليّ حتى الآن رغم أنها أمور مهمة للغاية.. وأنا بانتظار جزء من موسوعة الدكتور عون الشريف قاسم عن القبائل السودانية أهداها لي وبجزء منها معلومات عن (أصولي) فمن يحتفظ بهذا الجزء عليه أن يرده لي مشكوراً.. لن أصفه بالحماقة إن هو بادر بإعادة الكتاب الذي يشكل مع بقية الأجزاء المعلومة الكاملة لدي.. وكذلك الجزء الثالث من مجموعة وثيقة العهد الدولي وحقوق الإنسان.
هذا جانب من الموضوع، أما الجانب الآخر فقد تلقيت في الآونة الأخير إهداءات مهمة وعزيزة وغالية شعرت وأنا أتلقاها بأن بلادنا بخير، وأن كتابنا يكتبون وما زالوا كما ذكرت العبارة الشهيرة (الخرطوم تكتب، وتطبع وتقرأ) فقد تلقيت رسالة رقيقة من البروفيسور علي أحمد محمد بابكر رئيس مجمع اللغة العربية الأمين العام المساعد لاتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية بالقاهرة، ومع الرسالة سلة مليئة بالكتب التي ألفها تحمل الصناديق التالية (حديث الغريب، من روائع السير، الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم، الصلاة المسنونة، بحوث في العلوم الإسلامية بحوث في اللغة وديوان شعر له يحمل عنوان (السلسبيل واللهب)، وكتاب يضم توثيقاً لحياة تسعة من العلماء الأجلاء الذين تعاقبوا على قيادة الجامعة الإسلامية منذ العام 1900 وحتى العام 1965، وثلاثة مجلدات بعنوان سياحة في صحيح البخاري) هذه الكتب اعتبرها أعظم هدية يمكن أن يقدمها صديق لصديقه وأنا أعتبر ذلك من أعظم درجات المحبة والتقدير، لم لا وقد جرى تكريم تاريخي للبروف علي وفاء من الجامعة واللجنة القومية التي نظمت حفل التكريم الذي لم أرى مثيلاً له، فالتحية لأخي بروف علي الذي لم أر فيه سوى الأصالة وأدب العلماء وتواضعهم. زاده الله علماً ينفع به دينه وأهله وطلابه وأصدقاءه.
وفي سياق الإهداءات تلقيت أيضا الأسبوع الماضي مجموعة من مطبوعات مركز محمد عمر بشير جامعة أم درمان الأهلية من الدكتور معتصم أحمد الحاج مدير المركز بالجامعة الأهلية منها مذكرات الرائد زين العابدين محمد أحمد عبد القادر بعنوان (مايو سنوات الخصب والجفاف، وكتاب دراسات في الأمثال والتعابير الشعبية السودانية للدكتور عمر شاع الدين، وكتاب جنوب السودان في الوثائق البريطانية (1900-1955). د. روفائيل بادال، ترجمة محمد علي جادين وكتاب يتناول (جزءا مفقودا من محاضر مؤتمر الخريجين، 1939-1947 للدكتور معتصم السر الحاج)، وكتاب بعنوان الأزمة المالية الاقتصادية محليا وعالمياً للبروفيسور محمد العوضي جلال الدين، وكتاب قيم للدكتور معتصم بعنوان شخصيات سودانية وهو يؤرخ لمعظم الشخصيات السودانية البارزة التي قدمت الكثير للسودان).
وحقيقة فقد بهرت بشاب أنيق متوثب ينظر إلى المستقبل بثقة وأتوقع له مستقبلاً باهراً في دنيا التأليف والكتابة هو الشاب عبد العزيز خالد فضل الله، فقد حرص على أن يهديني ثلاثة مؤلفات له الأول بعنوان جبال النوبة، إثنيات وتراث، والثاني بعنوان جنوب السودان إلى أين أما الثالث فبعنوان مياه النيل حسابات الأرض والسياسة ونسبة لأنه غاب عني لفترة طويلة فأتوقع أن يكون قد كتب المزيد من الكتب في العديد من الموضوعات.
السيد الصادق المهدي بعث إليّ بكتابين من تأليفه، الأول بعنوان (أصم أم يسمع العم سام)، وذلك عقب الانتخابات الأمريكية وفوز أوباما، والثاني قبل أسابيع بعنوان ميزان المصير الوطني في السودان وقد كتبه في نوفمبر 2010.. هذا استعراض سريع لسلسة من الإهداءات أضاءت مكتبتي التي ظللت أجمع لها كتب الحديث والتفسير واللغة والفلسفة والتاريخ (خاصة تاريخ النوبيين) وكتب الإعلام.. إضافة للعديد من الإهداءات أتمنى أن أجد فرصة لاستعراضها فهي جديرة بذلك، وكل هذه الثمرات والمنتجات تأتي بفضل الطباعة الأنيقة التي تم توطينها في السودان.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
4683
| 28 يونيو 2026
سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ السؤال الأعمق والأخطر: هل أعددتهما طوال اثني عشر عاماً من التعب والسهر والإنفاق والبناء والتربية في مراحل الدراسة ليعرفا ماذا يريدان من الحياة أصلاً؟ كثير من الأسر تعيش لحظة إعلان نتائج الثانوية وكأنها نهاية رحلة طويلة وبعدها تُطفى الشموع بينما الحقيقة أنها بداية أخطر مرحلة في حياة الأبناء بل الإنسان. فاختيار التخصص الجامعي ليس مجرد تعبئة رغبات في موقع إلكتروني، وليس قراراً عابراً تحدده درجات القبول أو أسماء الكليات اللامعة، بل هو رسم للخريطة التي ستقود الإنسان إلى مستقبله العلمي والمهني وربما إلى جزء كبير من سعادته أو معاناته وبناء شخصيته. هنا يجب أن يقف كل أب وأم مع أنفسهم وقفة صادقة جادة ماذا أعددنا لأبنائنا طوال سنوات الدراسة؟ هل اكتفينا بمتابعة الدرجات والاختبارات؟ أم أننا ساعدناهم على اكتشاف قدراتهم الحقيقية وميولهم ومواطن قوتهم وضعفهم؟ هل جلسنا معهم لنتحدث عن المهن والتخصصات والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم؟ أم تركناهم يختارون تحت تأثير الأصدقاء أو الموضة الاجتماعية أو صورة ذهنية قديمة لم تعد تناسب زمننا؟ إن طالب الثانوية اليوم لا يقف أمام مفترق طريق عادي، بل أمام خريطة حياة كاملة. ولذلك عليه أن يرى بمن يقتدي؟ وماذا أحب؟ وما المهارات التي أتميز بها؟ وما التخصصات التي سيحتاجها العالم بعد عشر سنوات؟ وما الفرق بين الرغبة المؤقتة والقدرة الحقيقية؟ وهي أسئلة لا يجوز أن يواجهها وحده. كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد دخول الابن أو الابنة إلى الجامعة. فبعض الأسر تتعامل مع القبول الجامعي وكأنه شهادة انتهاء لدورها التربوي، بينما الواقع يقول إن سنوات الجامعة من أكثر المراحل حاجة إلى المتابعة والتوجيه والاحتضان. فالطالب يعيش وسط عالم متلاطم الأمواج وتيارات فكرية متسارعة، وضغوط اجتماعية، ومؤثرات رقمية، ومحتوى يسطّح الوعي ويشوّش الأولويات. فهل نترك أبناءنا ضحايا لموجات المراهقة المتأخرة وتقلبات المرحلة؟ أم نستمر في مرافقتهم بالحوار والنصح والمتابعة؟ هل وضع قدمه في المكان المناسب؟ أم يحتاج إلى إعادة تقييم أو دعم أو تعديل مسار قبل أن يضيع عليه العمر في طريق لا يشبهه؟ ولعل من أكبر التحديات التي نعيشها اليوم أن كثيراً من المؤسسات تعاني من فجوة بين التخصص والعمل. فكم من موظف يحمل شهادة في مجال ويعمل في مجال آخر لا يمت لتخصصه بصلة!! وكم من سنوات أُنفقت في دراسة لم تتحول إلى خبرة أو قيمة مضافة!! لذلك أصبح العالم أكثر حاجة إلى التخصص وكذلك إلى التخصص الدقيق، ثم إلى التحديث المستمر للمعرفة والمهارات. لقد تغير العالم بصورة لم تكن متوقعة. أحداث كبرى وأزمات دولية وصراعات وتحولات اقتصادية وتقنية أعادت رسم خرائط النفوذ والوظائف والفرص. أصوات كانت هامشية أصبحت مؤثرة، وقطاعات كانت مزدهرة تراجعت، ومهن لم تكن موجودة قبل سنوات أصبحت اليوم من أكثر المهن طلباً. وهنا يأتي دور ولي الأمر الحقيقي. ليس دور الموجّه الرسمي ولا المرشد المهني، بل دور الأب والأم والأخ والأخت. كن مثل مذيع الأرصاد الجوية الذي يقف أمام الخريطة يضيء مناطق الفرص، ويحذر من مناطق الخطر، ويشرح اتجاه الرياح القادمة. لا تمشِ الطريق بدلاً من ابنك، لكن ساعده على رؤية الطريق بوضوح. فالأبناء لا يحتاجون دائماً إلى من يختار عنهم، بقدر حاجتهم إلى من يُخيرهم بوعي وبما قد لا يرونه، ويمنحهم البوصلة قبل أن يبحروا في بحر الحياة الذي يزداد عمقاً وبُعد كل يوم
4506
| 29 يونيو 2026
يتحدث الناس كثيراً عن القيادة، وعن صناعة القرار، وعن إدارة التغيير، وعن كيفية الوصول إلى المناصب القيادية، لكنهم نادراً ما يتحدثون عن جانب لا يقل أهمية عن كل ذلك، وهو: متى وكيف يرحل القائد؟، ففي عالم الإدارة، كما في الحياة، ليست كل الفضائل مرتبطة بالبدايات فكما أن هناك حكمة في قبول المسؤولية، هناك حكمة لا تقل أهمية في مغادرتها. والحقيقة أن كثيراً من القادة يتعلمون كيف يصعدون السلم الوظيفي، لكن قلة منهم يتعلمون كيف ينزلون عنه في الوقت المناسب، ولهذا نشهد أحياناً مسؤولين أبدعوا في بناء الإنجازات، ثم أضاعوا جزءاً من إرثهم لأنهم تأخروا في اتخاذ قرار الرحيل. إن فلسفة الرحيل لا تقوم على الهروب من التحديات، ولا على الاستسلام للضغوط، ولا على البحث عن الراحة، بل تقوم على فهم عميق لطبيعة المنصب نفسه، فالمنصب في جوهره ليس ملكية شخصية، وإنما أمانة مؤقتة، وهو وسيلة لتحقيق غاية، وليس غاية في ذاته، وعندما تتحول المحافظة على المنصب إلى هدف مستقل، يبدأ الخلل في التفكير مهما كانت المبررات. ومن أكثر الأخطاء شيوعاً أن يربط القائد بين استمراره الشخصي واستمرار نجاح المؤسسة، وكأن المؤسسة لا تستطيع أن تستمر إلا بوجوده، وهذه القناعة، مهما حسنت النوايا، تتعارض مع جوهر العمل المؤسسي الذي يقوم على استدامة الأنظمة لا استدامة الأشخاص، لذا فإن القائد الحقيقي لا يقاس فقط بما أنجزه أثناء وجوده، بل أيضاً بقدرته على إعداد المؤسسة للحياة بعد مغادرته، فكلما كانت المؤسسة قادرة على الاستمرار والنمو بعد رحيل قائدها، كان ذلك دليلاً على نجاحه لا على تراجع أهميته. وفي تجربتي الإدارية الممتدة على مدى عقود من العمل، بدا لي أن هناك أربع لحظات تستحق التأمل قبل اتخاذ قرار البقاء أو الرحيل. الأولى: عندما تتسع الفجوة بين المسؤولية والصلاحية، فليس من العدل أن يتحمل الإنسان نتائج قرارات لا يشارك في صنعها، كما أنه ليس من الحكمة أن يبقى في موقع لا يملك فيه أدوات التأثير الكافية لتحقيق ما يراه صواباً. الثانية: عندما يصبح الحفاظ على الموقع أهم من تحقيق الرسالة، ففي هذه اللحظة يتحول المنصب من وسيلة للعطاء إلى غاية بحد ذاته. الثالثة: عندما يشعر القائد أن ما يقدمه للمؤسسة أصبح أقل مما يمكن أن يقدمه شخص آخر يأتي برؤية جديدة وطاقة مختلفة، فالتجديد ليس انتقاصاً من السابقين، بل سنة من سنن التطور المؤسسي. أما الرابعة: وهي الأخطر، فهي عندما يصبح البقاء عبئاً على القيم التي يؤمن بها الإنسان، وعبئًا على المسيرة والكرامة المهنية، تلك اللحظات يكون فيها الرحيل أكثر انسجاماً مع المبادئ من الاستمرار. وليس المقصود من ذلك أن يرحل القائد عند أول خلاف، أو أول عقبة، أو أول شعور بالإحباط، فالقيادة في جوهرها مواجهة للتحديات وتحمل للمسؤوليات، لكن المقصود أن يدرك أن قيمة بقائه لا تقاس بطول مدته، وإنما بقدرته على إحداث الأثر. لقد رأيت في مسيرتي المهنية أن بعض الناس يغادرون مناصبهم فيتركون فراغاً مؤقتاً، ثم تمضي المؤسسة في طريقها، بينما يترك آخرون وراءهم ثقافة عمل، ومنهجاً في الإدارة، ومؤسسات أكثر قوة مما كانت عليه قبل مجيئهم، وهؤلاء لم يغادروا حقيقة، لأن أثرهم بقي حاضراً بعد رحيلهم، ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه بين الحين والآخر هو: هل ما زال بقائي هو الخيار الأفضل للمؤسسة؟، فإذا كان الجواب نعم، فليستمر بكل عزيمة، وإذا كان الجواب لا، فليغادر بكل كرامة. وكما أن على القائد معرفة متى يتقدم إلى الأمام، فعليه معرفة متى يفسح الطريق لغيره دون ضجيج، ودون أن يحمل في قلبه إلا الامتنان للتجربة، والدعاء بالتوفيق لمن يكمل المسيرة، تلك هي فلسفة الرحيل، تغادر فيبقى الاحترام، تترك الموقع ويبقى الأثر، تنتهي المسؤولية ويبقى الرضا.
2784
| 01 يوليو 2026