رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أفسد الشيء في اللغة، إذا عمد إلى شيء صالح فقام بتغييره وإفساده. كأن يتم إفساد شخص صالح أو قانون صالح، أو نظام صالح، أو سلوك صالح أو غير ذلك من أفعال وسلوكيات وأنظمة وإجراءات.. وهذا يدل على أن الفساد قد يكون جزءاً في كل، إن كان هناك ضبط وربط ورقابة ومتابعة، أو يتحول ليكون هو الكل في الكل، حين تغيب كل تلك الإجراءات والمتابعات، فيتحول إلى منظومة متكاملة بعد حين من الدهر قصير، لا يمكن للصالح أن يعيش معها، وإلا فسد.
وبعيداً عن المقدمات الفلسفية، اسمح لي أيها القارئ الكريم أن أسرد عليك قصة قصيرة، جاءت على شكل نكتة شعبية، لكنها ذات معنى ومغزى، وأحاول أن أكتبها كما وصلتني دون تغيير كبير.
فقير أخوه وزير.. قالت له زوجته: اذهب لأخيك الوزير، يمكن يساعدك بكم فلس.
راح لأخيه الوزير وقال له: أنا حالتي تعبانة ومحتاج مساعدة. رد عليه الوزير وقال: تمام، مر علي بكرة المكتب ويصير خير..
بالغد راح الفقير إلى المكتب ورحب به الوزير وقال له: اقعد ولا تتكلم بشي.. وخليك ساكت وأنا بس أتكلم.. قام الوزير واتصل على أحد المقاولين، وقال له: المناقصة اللي وعدتك فيها، للأسف رست على مقاول غيرك. رد المقاول وقال: كيف يصير هذا يا سيادة الوزير؟! وأنت وعدتني فيها وأنا محتاجها ومرتب وضعي عليها.
رد الوزير وقال: طيب ماشي.. ومن حظك أن المقاول اللي رست عليه المناقصة، موجود عندي بالمكتب. تعال وتفاهم معه، يمكن يتنازل لك عنها. وصل المقاول وقال لأخ الوزير: شو بدك بعطيك بس تتخلى عن المناقصة؟
أخو الوزير قاعد مثل الأطرش بالزفة.. لا كلام ولا سلام ولا تعليق.
رد عليه الوزير وقال: اعطيه ثلاثة مليون ويتركها لك. فطلّع المقاول ثلاثة مليون وحطهم على الطاولة وطلع من المكتب.. فأخذ الوزير مليونين وأعطى أخاه مليون فقط.
فرجع الأخ للبيت وسألته زوجته: خير شو صار معك؟
قال لها: أخوي سرق مني مليونين عيني عينك!!
هكذا الفساد إذا تحول لمنظومة في أي مجتمع، ستجد الكل بصورة وأخرى، إلا ما رحم ربي وقليلٌ ما هم، يصيبه من رذاذ هذا الفساد، قبل أن يتحول ذلكم الرذاذ إلى فيضان يغرق الجميع.
قصة سنغافورية
خبير سنغافوري تحدث عن مكافحة الفساد أثناء حضوره مؤتمراً حول رؤية عمان 2040، وتم نشر مقطع من حديثه على وسائل التواصل، يقول فيه: إن كنت ترغب في القضاء على الفساد في مجتمع ما، فإن الطريقة الأكثر فعالية للقيام بذلك، هي التأكد من عدم معاقبة الأشخاص في القاع، ولكن تبدأ بمعاقبة الذين هم بالأعلى.
ثم سرد حكاية وزير من بلده سنغافورة، حين كانت دولة فقيرة تكافح للنهوض والبناء والتأسيس على أسس سليمة، حيث تمت دعوة الوزير لقضاء إجازته هو وعائلته مع أحد رجال الأعمال البارزين. يقول الخبير: وحين عاد الوزير من إجازته، تم اعتقاله وسجنه. لماذا ؟ لأن قبول تلكم الدعوة، في مفهوم بناة الدولة السنغافورية الجديدة، دليل على قبول رشوة على شكل إجازة مدفوعة الثمن، والتي ستتوالى بعدها رشاوى بأشكال وأحجام مختلفة، بحسب طبيعة الأعمال التي يقوم عليها الوزير.
كان اعتقال الوزير وسجنه، رسالة واضحة من حكومة منهمكة في بناء دولة على أساس سليم، لكل من هم في أعلى الهرم الوظيفي بالحكومة، من وزراء ومديرين عامين وأمثالهم، خلاصتها أنه لا مجال لبذور الفساد أن تُزرع هنا وهناك، وسيتم التعامل بحزم وصرامة مع الفساد والمفسدين، فكانت النتيجة أن صارت سنغافورة اليوم، تتصدر المراكز العليا في قائمة أقل الدول فساداً في العالم، ويكاد مؤشر الفساد يصل إلى الصفر!
الواسطة أُس الفساد
بحسب التقرير الصادر عن منظمة الشفافية العالمية لعام 2019 وتم نشره في 2020، حلت الدنمارك ونيوزيلاندا وفنلندا وسنغافورة، المراكز الأربعة الأولى على التوالي، حيث يقاس مستوى الفساد فيها على أساس مؤشر من 100 درجة، أعلاها الأفضل، وأصغرها الأسوأ، وقد سجلت سنغافورة 86 من 100.
في المقابل، ذكرت التقارير الصحفية أنه وللعام الرابع على التوالي، لم يسجل أي بلد في المنطقة العربية تحسناً ملحوظاً على مؤشر مدركات الفساد لعام 2021، حيث أوضحت منظمة الشفافية الدولية، أن السلوك السياسي الممنهج، والمصالح الخاصة التي يتم تحقيقها على حساب المصلحة العامة في الدول العربية، من الأسباب الرئيسية التي سمحت بتعرّض المنطقة لمزيد من الدمار بسبب الفساد.
وأن الاستخدام الفاسد للعلاقات الشخصية، أو ما يسميها العرب من المحيط إلى الخليج بالواسطة، ما زال يدعم ويعزز عدم المساواة في جميع أنحاء المنطقة العربية. إذ وفقاً لمقياس الفساد العالمي 2019 على سبيل المثال، والصادر عن منظمة الشفافية الدولية، فإن واحداً من كل خمسة مواطنين في الدول العربية دفع رشوة، وأكثر من واحد من كل ثلاثة، استخدم العلاقات الشخصية لتلقي خدمات عامة أساسية، مثل التعليم والرعاية الصحية!
القيادة السياسية هي القدوة
القائد أو الزعيم أو الرئيس والملأ من حولهم، هم القدوة للناس في كل خير أو كل شر. وحين تكون القيادة السياسية على درجة من الأمانة وتبدأ بمحاربة الفساد بجميع أشكاله، فإنه تلقائياً يصل التأثير إلى الناس، فينصلح حالهم، وتتفكك شبكات الفساد وأنظمته تدريجياً، وسبب ذلك قوة وتأثير القيادة السياسية على الناس، كما جاء عن عثمان بن عفان، رضي الله عنه: "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن". أي أن هناك من الناس من لا يردعه قرآن ولا حديث، لمرض في نفسه، لكنه يرتدع حين يرى بأس السلطان أو الزعيم.
حين يتحدث الناس عن نماذج من قادة عظام فككوا شبكات الفساد وأنظمته في دولهم، يأتي الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز على رأس تلك النماذج. فقد كان قوياً أميناً في إدارة الدولة، وتولى الخلافة وهو من الأثرياء، فخرج منها بعد عامين مثمرتين فقيراً، على غير عادة الزعماء في كل عصر سابق ولاحق.. فكان مما اشتغل فيه سريعاً ليقطع دابر الفساد والمفسدين، أن بدأ بنفسه وأهله. حيث رد إلى بيت مال المسلمين، كل ما وفرته لهم الدولة، بحكم منصبه الجديد مما ليس لهم فيه حاجة، من خيول وملابس وحلي وغيرها. ثم بدأ العمل الجاد من فوره، فعزل الولاة الفاسدين وأبدلهم بأقوياء أمناء صالحين؛ إذ بصلاحهم تصلح رعيتهم.
ثم قام على حاجيات الناس الأساسية ولم يترك أحداً. فقد كتب ذات مرة إلى أحد ولاته بالعراق، أن أخرج للناس أعطياتهم. فكتب واليه: إني قد أخرجتُ للناس أعطياتهم وبقي في بيت المال مال. فكتب إليه: انظر مَن استدان في غير سفه ولا سرف، فاقضِ عنه. فكتب إليه: إني قد قضيتُ عنهم وبقي في بيت المال مال. فكتب: انظر كل بكر ليس له مال، وشاء أن يتزوج فزوجهُ وأصدِق عنه. فرد عليه: إني قد زوجتُ كل من وجدتُ وقد بقي في بيت المال مال. فكتب إليه للمرة الرابعة: انظُر مَن كانت عليه جزية، فضعّف عن أرضه، فأسلِفْه بما يقوَى به على عمل أرضه.. وهكذا كان عمر.
أغنى الناس وأعطاهم من المال العام، من غنائم الفتوحات وثروات وخيرات البلاد، كما كان يفعل جده لأمه، الفاروق عمر بن الخطاب –رضي الله عنهما- حين أمر الفاروق بأن يُصرف لكل مسلم شهرياً، منذ ولادته مبلغاً من المال من ديوان الأعطيات، يزيد بحسب تقدمه في العمر، سواء كان من أسرة غنية أم فقيرة، مسلماً أم غير مسلم، وبغض النظر إن كان يعمل أو لا يعمل، مع مئتي كيلو غرام من الطعام.. وبتلك الإستراتيجية في الإنفاق ورعاية حاجيات الناس، انخفضت نسبة الفقراء واستغنى الناس، وبالتالي لم تظهر بواعث أو دوافع لأن يفسد الناس اضطراراً عن جوع أو فقر أو حاجة.
ومتابعة لقصص محاربة الفساد، سنختم بأمثلة من حياة الفاروق عمر، الذي قضى على الفساد الإداري مثلاً، عبر اختيار القوي الأمين الكفء لأي منصب أو وظيفة. وكان يقول: إني لأتحرَّج أن أستعمل الرجل وأنا أجدُ أقوى منه. وفي مقولة أخرى له رضي الله عنه: من استعمل رجلاً لمودة، أو لقرابة، لا يستعمله إلا لذلك؛ فقد خان الله ورسوله والمؤمنين.
من الإجراءات الأخرى التي قام بها الفاروق للقضاء على الفساد الإداري أو للحيلولة دون ظهوره، أنه منع المسؤولين في الدولة من العمل بالتجارة بشكل مباشر أو غير مباشر. وأنشأ ديوان التفتيش وفكرته أن يجعل على كل مسؤول من يراقبه. وقام كذلك بتعيين مسؤول يتسلم شكاوى الناس ويقوم هو بنفسه -رضي الله عنه - التحقيق فيها، بالإضافة إلى إجراءات أخرى كثيرة لا يتسع المقام لسردها.
إنّ مجتمعاً مثل مجتمع عمر، لا يمكن أن يسرق الناس عن جوع، ولا يرتشي الناس عن حاجة، ولا تضيع حقوق الناس عن ظلم أو تماطل وتكاسل موظفين غير أكفياء ولا أمناء، ما يؤكد مرة أخرى وجاهة مقولة عثمان رضي الله عنه، بأن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، وواقعية كلمات الدكتور مصطفى السباعي - رحمه الله - بأنه لا تسعد الأمة إلا بثلاثة: حاكم عادل، وعالم ناصح، وعامل مخلص.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4242
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3159
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1107
| 28 سبتمبر 2026