رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم أشهد أنا وأبناء جيلي من مواليد فترة السبعينيات من القرن الماضي أو غيرنا، لم نشهد ثورة حقيقية على الظلم والديكتاتورية والاستبداد في العالم العربي والإسلامي كما شهدناه الآن ومع بداية القرن الواحد والعشرين حيث تعاقبت ثورتان عظيمتان في بداية هذه السنة الميلادية 2011م حيث لم يفصل بينهما فترة زمنية طويلة، وشهدنا فيهما وقائع كبرى سيسجلها التاريخ للشرفاء الذين قاموا بتلك الثورات، كما سيسجلها كذلك للخونة الذين تواطأوا على إخوانهم وأبناء جلدتهم من الشعب من أولئك الذين انحازوا إلى صف الظالم.. ممن أصبحوا عبيداً للحكام من دون الله.
الثورة التونسية والثورة المصرية.. جاءتا لتعلنا الثورة على الظلم والطغيان و" تلعنان " في الوقت ذاته نظامين ديكتاتوريين فاسدين من الموالين للغرب الحاقد على الإسلام والمسلمين، ففي تونس.. حيث أرادها رئيسها المخلوع زين العابدين أن تصبح دولة علمانية كفرنسا التي اعتبرته بمثابة ابنها "المطيع" فيما قبل الثورة، بينما اعتبرته بمثابة ابنها "اللقيط" الذي تتبرأ منه وتبحث عن ملجأ له ليؤويه فتتخلص بذلك من جندي خدمها بمحاربته للإسلام ومظاهره كالأذان ورموزه كالحجاب الذي تعاديه فرنسا وتزعم أنها دولة علمانية تتيح حرية التدين للجميع وينعتها بعض مثقفونا ببلاد النور وما هي إلا بلاد الظلام الذي يجثم على العقول والقلوب والأرواح، فالإسلام هو النور الذي إن حلّ في مكان فإنّه يحييه بعد ممات وينيره بعد ظلام.. والله متمّ نوره ولو كره الكافرون..
وفي مصر.. حيث أرادها رئيسها المخلوع حسني مبارك أن تصبح دولة خاضعة ومعاهدة لليهود والنصارى، بعد أن كانت رائدة في تصدير الثورات والعلم والنور لمن حولها وللعالم بأسره عندما كانت منارة للهدى والعلم عبر جامعة الأزهر الشريف وجوامع القاهرة وسائر مدن وقرى مصر التي أخرجت للناس كبار العلماء والفقهاء والقرّاء حتى جاء هذا الرئيس فعاث فيها فساداً واستبداداً واستبدل الذي هو " أدنى " بالذي هو خير، فاستبدل علماء وفقهاء الأزهر الشريف وقرّاء القرآن الكريم بما هو أدنى.. ثومها وعدسها وبصلها فشجّع الرقص الشرقي بل وصدّره للعالم حتى سمعنا براقصات روسيات وصينيات في الفن الشرقي وشجّع السياحة الأجنبية التي لوّثت تراب مصر قبل أن تهدم أخلاق شبابها، وجعلها دولة مسلمة على الطراز أو " الستايل " الذي تريده أمريكا.. " إسلام مودرن " يُدخّن فيه عالم الأزهر ويرتشي ويكذب فيه المسلم المتديّن وينافق فيه كل من أطال لحيته وقصّر ثوبه وتُتهم فيه الفنانة المعتزلة بأنها تقاضت مبالغ من الإخوان المسلمين لكي تعتزل بينما في المقابل نرى هذا الإسلام المودرن تصلي فيه الراقصة بعد انتهائها من " وصلتها " ويصلي فيه الحضور على النبي وهم يشاهدون جسد الراقصة يهتز أمامهم وتدعو الله فيه المغنية قبل اعتلائها للمسرح ويستهزئ فيه الممثلون بالإسلام والمتدينين وفي مقدمتهم المدعو عادل إمام الذي تسابق إليه الكثيرون لأخذ "أوتوغرافه" وتوقيعه هنا في الدوحة والذي قال في أحد أفلامه التي غالباً ما "يزني ويعاقر الخمر فيها".. قال في أحد أفلامه: أنا متأكد بأن الله سيسامحني على أعمالي في الدنيا.. وسيعطيني خصماً حتى %50.. بل %70.. بل %100!!، وصدق الشيخ عبدالحميد كشك – رحمة الله عليه – عندما قال كلمة الحق منذ سنين: نحن نحتاج إلى "إمام عادل".. لا إلى "عادل إمام"، حيث كان ذلك الشيخ الضرير يستجوب ويُمنع كثيراً من الخطابة وغيره الآلاف من خطباء ودعاة مصر ممن تعرّضوا للكبت والاضطهاد، في الوقت الذي يحظى فيه المنحلّون والتافهون بكل أنواع الحريّة والدعم المادي والشهرة والنفوذ.
حمداً لله كثيراً على أن أزاح عن جسد الأمة العربية والإسلامية هذا السرطان الجاثم في جسد الأمة عقوداً من الزمن يستنزف من طاقتها وجهدها وأموالها والأهم من ذلك كله.. كرامتها، لقد عشنا وعاش الأحرار والمظلومون والمضطهدون في تونس ومصر لحظات فرح غامر بانتصار الثورة وخضوع الحاكم الجائر لمطالب الثورة فتنحى كل منهما بعد تمسك شديد بالحكم وتهالك على المال وصدق الله تعالى حين قال ( يحسب أن ماله أخلده ).. فما بالكم إذا كان هذا المال ليس بماله وإنما هو حقوق الناس وأموال الشعب من الفقراء الذين لا يجدون خبزاً يشترونه فضلاً عن سائر الأصناف والأطعمة، لقد فرح المؤمنون بنصر الله وانتقامه من الظلمة وأعوانهم، وسبحان الله الذي جعل للنصر أسباباً وللهزيمة أسباباً قد لا يتوقعها الظالمون، فمن كان يتوقع من طفل تربى في بيت فرعون " موسى عليه السلام " أن يكون سبباً في نهاية عهد وحكم فرعون لمصر واستبداده بالناس، فبعد أن توالت الأحزاب والحركات والمعارضات والنقابات وبذلت جهداً عظيماً في المطالبة بالحقوق والعدالة - مع احترامنا لجهودها -، لم يكن أحد ليتوقع أن يحقق مجموعة من الشباب على موقع إليكتروني "الفيس بوك" نتائج لم تكن تحلم بها تلك الأحزاب والنقابات والتي تمثلت بإسقاط النظام والدستور ومجالس الشعب في حين أن تلك الأحزاب كانت تطالب بتعديل بسيط في الدستور ولم تستطع ذلك، وفي حين أن حركات المعارضة كحركة الإخوان المسلمين عاشت دهراً من الزمن تطالب فقط بإدراجها كحزب سياسي ولم يسمح لها بذلك، بينما استطاعت هذه الثورة أن تقلب الأوضاع رأساً على عقب، وتنتزع حقوقها بالقوة حينما لم تجد كل الوسائل والطرق مع هذا النظام الديكتاتوري.
ينبغي على بقية الأنظمة القمعية والديكتاتورية في العالم العربي أن ترجع إلى أنفسها وأن تراجع حساباتها وأن تعيد ترتيب أوراقها متعظة بما جرى حولها إن لم تكن قد قرأت تاريخ الثورات في الماضي، وأن تستوعب الدرس من هذه الثورات الحديثة وأن تعلم تماماً أن الشعوب تقف وراء من يساندها ويأخذ بحقوقها ويحفظ كرامتها وسيادتها، وأن تعلم كذلك أن دولة الظلم "ساعة" وأن دولة الحق إلى "قيام الساعة"، ويجب أن يعلم الحكام بأن الظلم في الدنيا.. ظلمات في الآخرة، وأن شكوى الناس وتذمرهم قد تصبح ككرة الثلج التي تكبر كلما تدحرجت أكثر، فيزداد سخط الناس وغضبهم عندما لا يأبه بشكواهم حاكم ولا مسؤول ولا ينصفهم أحد، وأن نهاية الظالمين قد تكون بواسطة شيء لم يخطر لهم على البال ( ولا يعلم جنود ربك إلا هو )، فأصحاب الفيل أرسل الله عليهم طيراً أبابيل.. فهل آن للظالمين أن يحكموا بما أنزل الله وأن يتقوا الله في شعوبهم.. قبل أن ينجّيهم الله ببدنهم ليكونوا لمن خلفهم آية.. أو قبل أن يأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر.. والحمد لله رب العالمين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما أضيف إلى "مان" من أفلام الخيال العلمي التي أنتجتها هوليود، كلها من مخرجات الحداثة، التي تغالي في قيمة الفرد، وتسرّب إلى الجماهير مفهوم الفرد المخلّص الذي ينقذ المجموع بعيدا عن الحل الجماعي. الركون إلى فكرة انتظار الفرد المخلص وأن شخصًا ما أو عدة أشخاص بيدهم الحل لكل أزماتهم ومشكلاتهم، هي آفة يكاد لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وكلما تفاقمت أزمات مجتمع منها كلما ازداد تعلقا بفكرة الفرد المخلص، سواء كان هذا الانتظار والترقب ناتجا عن انتظار تقلبات المناخ السياسي التي يمكن أن تسفر عن ظهور شخصية تقود المجتمع إلى بر الأمان، أو كان هذا الانتظار والترقب متعلقًا بالنبوءات الدينية. لكن أين عمل المجموع؟ أين الحلول الجماعية؟ هنا يكون الخرق والتصدع الفكري. نعم لا نستطيع أن ننكر المسؤولية الفردية، ولا قيمة الجهد الفردي، فرب فكرة فردية عاشت الأمم والبشرية في ظل ثمارها، والمخترعات والاكتشافات تمت معظمها عن طريق أفراد، لكن هذه الجهود الفردية لم تكن لتؤتي ثمارها لو لم تجد حاضنة اجتماعية أو علميةوجهودا جماعية تقوم بها وتعمل عليها. حتى أنبياء الله ورسله، لم يأت أحدهم ليمسح على رؤوس الناس فيتغير وجه الحياة، بل بذلوا جهودهم من أجل إيجاد الثلة المؤمنة التي تقوم بأعباء تبليغ الرسالة بعمل جماعي يرتكز على منهج رصين. وفي سورة الكهف، نقرأ في خواتيمها قصة ذي القرنين، ذلك الملك الصالح الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها، هذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تحمل توجيهات إدارية قوية في معالجة الأزمات، أبرزها التوازن بين الحل الفردي والحل الجماعي، وعدم الركون إلى فكرة الشخص المخلص. يأتي ذو القرنين قومًا تمثلت أزمتهم في الهجمات والغارات الهمجية لقوم يأجوج ومأجوج، الذين يتدفقون من بين الجبلين فيعيثون في الأرض فسادًا. عندما عاينوا قوة وبأس ذلك الملك رأوا فيه الشخص المخلّص الذي يمكن أن يرفع عنهم ما هم فيه من معاناة، ومن أجل ذلك طلبوا منه حمايتهم على أن يجعلوا له جُعلًا من المال. الشاهد من القصة، أن ذا القرنين ترفّع عن أخذ المقابل، لكنه أشركهم معه في العمل، وجعلهم جزءًا من الحل لا الاكتفاء بوضعية المتفرج، فحدّد لهم خطة عملية يعملون عليها بأيديهم تحت مراقبته وإدارته ورعايته. أمرهم بجمع قطع الحديد ووضعها بعضها فوق بعض بين السدين، إلى أن يحاذي الحديد رؤوس الجبلين طولا وعرضا، ثم أمرهم بأن يضرموا فيه النار، حتى إذا اشتعل كله أمرهم بصب النحاس المذاب عليه حتى يزداد صلابة، فلا يستطيع المعتدون المرور من بين السدين أو تسلق هذا المرتفع الشاهق. كانت الفكرة فردية من قِبل ذي القرنين، لكن التنفيذ كان بأيديهم، ليخرج العمل في النهاية جماعيًا بامتياز، لا يقوم به فرد وحده مهما بلغت قوته، وتلك هي كلمة السر في عمليات النهوض أو مواجهة الأزمات. لقد استوقفنتني حكاية جاءت بها كتب الطبقات والتراجم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لأصحابه يومًا: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- فقال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- وأتصدق به، ثم قال: تمنوا، قالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: لكني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح. لقد أدرك عمر قيمة الرجال والعمل الجماعي، فلم يتمن شخصًا مثل أبي عبيدة، ولكنه تمنى أشخاصًا وجمعًا مثل أبي عبيدة، فهكذا الأوطان تنبى بجهود جماعية، حتى وإن قادها الفرد وأرشدها وأنار لها الطريق. ومع كل حدث ساخن في المنطقة يعمد فئام من أمتنا إلى إسقاط نبوءات الساعة الواردة في النصوص النبوية وتنزيلها على الواقع بلا روية، وخاصة المتعلقة بظهور المهدي المنتظر، يستبشرون وهم قعود لا يبذلون ولا يعملون، كل بضاعتهم انتظار المخلص، لكنهم لا يعلمون أن المهدي لن يقود أمة من الكسالى الضائعين، بل يأتي ليحكم أمة عرفت الطريق، تحتاج فقط إلى من يكون رأسًا فيها.
3666
| 08 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. [email protected]
2712
| 09 مارس 2026
في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار خط الدفاع الأول للاستقرار، فجوهر هذا المبدأ واضح ومباشر، الخلاف السياسي لا يبرر تهديد أمن الدولة المجاورة، ولا تحويل التوترات إلى مواجهات عسكرية، وعندما تُستبدل لغة الحوار بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فإن المشهد يتغير من خلاف دبلوماسي إلى خطر إقليمي مفتوح. حسن الجوار ليس بالضرورة التطابق في المواقف، بل يعني احترام الحدود والسيادة والامتناع عن أي تصرف يعرّض المدن أو المنشآت الحيوية للخطر. فلكل دولة الحق في أن تشعر بالأمان داخل أراضيها، وأن تحمي بنيتها التحتية وسكانها من أي استهداف مباشر أو غير مباشر. هذه قاعدة بديهية في العلاقات الدولية، لأنها تمس حياة المدنيين قبل أن تمس الحسابات السياسية. ما فعلته إيران من قصف منشآت داخل قطر، واستخدام صواريخ وطائرات، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد رسالة سياسية. استهداف البنية التحتية أو المرافق الحيوية يمثل تصعيدًا عسكريًا يضع المنطقة أمام احتمالات حرب خطيرة، فحين تُطلق الصواريخ وتنطلق الطائرات، لا تُصيب هدفًا ماديًا فحسب، بل تُصيب معها الثقة والاستقرار والأمن الإقليمي. الأخطر من ذلك أن مثل هذه الانتهاكات تجر دول الجوار إلى دائرة حرب المواجهة المباشرة وقد تتوسع سريعًا لنطاقات لا حد لها. فالهجمات بالصواريخ أو الطائرات لا تبقى ضمن إطار ثنائي، بل تفرض على الدول المجاورة اتخاذ إجراءات مقابلة، وهكذا تتحول حادثة واحدة إلى سلسلة ردود أفعال متلاحقة، قد تدفع المنطقة بأسرها إلى حافة مواجهة دامية. المنطقة الخليجية شديدة الترابط سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، أي تصعيد عسكري فيها يكون شرارة تحرق الأخضر واليابس. المنشآت المستهدفة ليست مجرد مبانٍ، بل مراكز طاقة واتصالات ومطارات وخدمات تمس حياة الملايين. وعندما تُستهدف، تتأثر سلاسل الإمداد، وتضطرب الأسواق، وتتراجع الثقة في استقرار الإقليم. وهذا ما يجعل أي عمل عسكري يتجاوز الخلاف السياسي ليصبح تهديدًا عالمياً مباشراً. من حق أي دولة أن تختلف مع جارتها في الرؤية أو التحالفات أو المواقف الإقليمية، لكن ليس من حقها البتة أن تنقل هذا الخلاف إلى مستوى استخدام القوة وحرب مفتوحة. فالصواريخ لا تحل النزاعات، والطائرات لا تبني جسور تفاهم. بل على العكس، هي أدوات ترفع منسوب القلق، وتزيد احتمالات سوء التقدير، وتفتح الباب أمام سيناريوهات يصعب احتواؤها. إن استمرار مثل هذه التصرفات يضع قطر ودول الجوار أمام معادلة صعبة إما القبول بواقع أمني مضطرب، أو الدخول في سباق تصعيد لا يخدم استقرار المنطقة. وفي الحالتين يكون الثمن باهظًا على الجميع. لذلك فإن التمسك بمبدأ حسن الجوار لم يعد خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة إستراتيجية لتجنب الانزلاق إلى حرب لا يريدها أحد. وختامًا استهداف المدن والمنشآت بالصواريخ والطائرات لا يمكن تبريره تحت أي خلاف سياسي وتحت أي ذريعة مهما كانت. بل إنه يمثل خطوة تدفع المنطقة نحو حافة مواجهة أوسع. الحفاظ على الأمن الإقليمي يبدأ باحترام سيادة الدول وحدودها، وبتغليب لغة التهدئة على منطق القوة. دون ذلك، يصبح الجوار ساحة صراع بدل أن يكون إطارًا للتعايش والاستقرار.
2484
| 04 مارس 2026