رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

ريما محمد زنادة - غزة

مساحة إعلانية

مقالات

483

ريما محمد زنادة - غزة

أجنة غزة تولد أيتاماً !

17 يناير 2025 , 02:00ص

ساعات قليلة كانت الفاصلة بين استشهاد الصحفي أيمن الجدي، وميلاد طفله الأول الذي حمل نفس اسم والده أيمن.

لم تكن ساعات عادية؛ بل ساعات حملت الكثير من الوجع ليس وجع المخاض لزوجته دانية فحسب؛ بل هي أوجاع اجتمعت عليها بعد ارتقاء زوجها أيمن الذي كان يحلم بلهفة كبيرة أن يرى ويحتضن طفله الأول الذي انتظره بشوق كبير.

كان قلب أيمن يتلهف ليوم ميلاد طفله، ليحمل لقبه الأول في حياته «بابا»، حيث كان يعد الشهور التي كانت صعبة وثقيلة عليه فكان اليوم بمثابة عام جراء الحرب الممتدة منذ أكثر من عام.الحرب التي جعلته يتنقل بين جثامين الشهداء والركام؛ لينقل حكاية غزة التي لازالت تخوض حربا ظالمة تجرد بها الاحتلال من الأخلاق والإنسانية حيث يجعل من الأجساد البشرية أهدافا يراهن بها جنوده على السباق بين مجموعة وأخرى من يقتل أكثر.فإن قتلت المجموعة الأولى (١٥٠) من أهل غزة فهذا السباق والرهان فيما بينهم يتطلب من المجموعة الثانية أن تقتل أكثر بما لا يقل عن (٢٠٠) من الأطفال والنساء والرجال وحتى الأجنة في أرحام أمهاتهن.

الصحفي أيمن الذي تنقل بين أحداث الحرب الطاحنة في أيامها وشهورها التي لازالت قائمة عاش بها الكثير من الوجع والجوع والفراق والبرد كذلك فكان يبكي كثيرا خلف الكاميرا، وحينما يعود إلى عائلته في خيمة عجزت أن تعطي قلبه الموجوع شيئا من الدفء فكان الصقيع يتسلل إلى جسده المرتجف بردا وجوعا وتعبا الأمر الذي جعل من الصعب عليه أن يخفي دموعه.

ورغم ذلك إلا أن الميكرفون لم يسقط من يده فكان يتنقل به بين شوارع وأحياء غزة التي اختفت ملامحها الجميلة وأصبحت ركاما فوق رؤوس ساكنيها، فكان يعمل لساعات طويلة في الليل والنهار تحت وابل القصف الشديد.

وارتداء جسده السترة الزرقاء التي تحمل كلمة (Press) لم تشفع له أمام صواريخ الاحتلال التي استهدفته واستهدفت زملاءه بشكل متعمد وهو في داخل سيارة تحمل الكلمة ذاتها صحافة. مشهد حرق أيمن وزملائه كان مؤلما حيث رأته والدته والنار تلتهم جسده فلم يكن لها حيلة أن تطفئها فصواريخ الاحتلال كانت أكبر بكثير من أن تفعل والدته شيئا لإنقاذه.استشهاد أيمن كان أمام مستشفى العودة وسط قطاع غزة هو ذاته المستشفى الذي كان ينتظر فيه لحظات ميلاد زوجته.

كثير ما كان يراوده الخوف بأن لا يستطيع أن يرى طفله خاصة أنه يعلم مدى خطورة عمله الصحفي في التنقل واستهداف الاحتلال لكل ما هو إعلامي.

فالسترة الزرقاء التي تعرف بمثابة الحصانة للصحفي إلا أن هذا الأمر مختلف في غزة فالاحتلال لم يتجاوز خطوطه الحمراء فحسب؛ بل تجاوز كل الخطوط بكل الألوان ودرجاته فكل شيء في نظره مستهدف.

ما أصعب أن تصدر شهادة الوفاة وشهادة الميلاد في يوم واحد؛ ليكون ميلاد «أيمن الابن» هو ذاته استشهاد «أيمن الأب». والدة أيمن رغم فاجعة قلبها على فراق نجلها إلا أنها تحلت بالصبر ووعدت نجلها أنها ستربي حفيدها «أيمن الصغير» كما ربته؛ ستحفظه القرآن كما حفظه والده، وتعلمه حب الخير والأخلاق الطيبة؛ ليكون محبوبا بين الناس التي أحبت والده. «أيمن الصغير»لم يكن الجنين الوحيد في قطاع غزة الذي يولد يتيما فهنالك الكثير في غزة من الحكايات التي شابهت حكايته لأطفال حرموا منذ يومهم الأول من حضن والدهم الدافئ، كما حرموا من لهفة آبائهم بلقبهم الأول للأبوة «بابا».

مساحة إعلانية