رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحروب النفسية باتت أخطر من الحروب الدمويّة كونها تقتل الأحلام وتهدم الإنسان الباحث عن السعادة والأمل هو تماماً كالباحث عن إبرة في كومة قش بئس المجتمعات التي يرفض طلابها العلم ويتكلم صغارها بالسياسة "مجتمعات فتيّة" هكذا تعرّف الكتب المدرسية والمجلات العلمية عن مجتمعاتنا العربية. برسوم بيانية وصور توضيحية، أذكرها منذ أن كنت تلميذة في كتاب الجغرافيا، حيث يصعد مؤشر الأعمار من 18 سنة حتى 25 سنة ليشكل غالبية السكان في بلداننا. وينخفض المؤشر عند العجّز والمسنين، وكنا نسعد عندما نرى المؤشر يتناقض عند المجتمعات الأوروبية ونضحك على كونهم مجتمعات عجوزة كهلة. كبرنا وأدركنا حقيقة مجتمعاتنا الفتيّة الشابة شكلاً والعجوزة فعلاً ونفساً، فنحن تماماً من يُطلق عليهم "الأحياء الميتون". شبان وشابات يجابهون الحياة حاملين وحالمين بالمراكز والأفكار والابتكارات والكثير من الطاقة والعمل، ما يلبث أن يصطدم بواقع أشبه بكارثة بشرية أو كما أحب أن اطلق عليه اسم "آفة" تفوق خطورة البطالة والفقر. هو الاكتئاب، مرض فتاك ينخر بعصب مجتمعنا العربي قاضياً على شبابه وشاباته. ففي بلد مثل لبنان اليوم يشهد حربا نفسية لا مثيل لها تاريخياً، يقف الشاب حائراً فاقداً للأمل من كل شيء، فبعد أن ألغى القطاع العام الوظيفة الثابتة وصرفت أغلب المؤسسات الخاصة موظفيها. أغلقت في وجهه جميع الأبواب إلا باب السفارة التي هرول اليها مسرعاً طالباً تأشيرة "للحياة" نعم ليست هجرة ولا لجوءا إنها فرصة للحياة بالنسبة له. حروب نفسية باتت أخطر اليوم من الحروب الدمويّة كونها تقتل الأحلام وتهدم الإنسان، تحارب أمله وإيمانه، لتلغي عزيمته وتدفعه للانتحار، إنها حروب العصر الحديث، حروب تغسل الأدمغة، وتسمم النفسيّة. يعمل الكثير من خريجيّ الجامعات اليوم في لبنان بمجال التعليم التعاقدي البعيد عن الانسانيّة، فلا ضمان صحي، ولا مرتب ثابت، ولا تعويض، وصيف طويل دون مدخول، ناهيك عن الإجازات غير المدفوعة. فالمهندس، والإعلاميّ، خريجو علم النفس، والاجتماع، والمختبر، الجميع يجتمع ويعمل في مدرسة لأنه القطاع الوحيد الناشط. مواهب مقتولة، وأدمغة مهاجرة، وطاقات ضائعة، هذا حالنا جميعاً. ثم يرضخ الشاب بعض صراع خانق مع نفسه بأقل الشروط من أجل العمل. وسعيد الحظ من تشفق عليه سفارة وتعطيه فرصة للنجاة في بلاد الله الواسعة. وجوهٌ كالحة، ابتسامة ضائعة، وفرحة مغصوصة، ومنهم من يعتكف أو يرفض الزواج هذا هو وضع شبابنا. ففي عصر بات العالم فيه قرية واحدة، وفي عصر تطورت فيه وسائل الاتصال والتواصل، لا نرى فيه نحن الشباب سوى أسوار أسمنتية عالية وحياة اكثر تعقيداً، نلتقي آخر النهار أمام الشاشات الصغيرة؛ لنرى خلفها بزخا، واسفارا، وحياة أُناس من عالم آخر؛ عالم بعيد غريب لا يشبهنا، ليكبر الالم في صدورنا ويموت العدل في عقولنا، ونعود لنتهم أنفسنا بالفشل أحياناً، وحيناً آخر نندب سوء حظنا الذي جمعنا بهذه البلدان أو حتى بهذه الحياة البائسة. قال لي طالب في المرحلة المتوسطة، لما عليه أن يكمل علمه؟ فلا فائدة من شهادته حتى لو تخصص بالذرة! حسب قوله. أخبرني أنه من الأجدر أن يجد سفارة ويجرب حظوظ السفر من الآن. كلام مبكر وحديث سابق لأوانه يثير حفيظة الأستاذ ويربكه. كثير من تلامذة المدارس اليوم يسألون: هل المحسوبيات والواسطة كل شيء عندنا؟ هل يجب علينا أن نلتحق بحزب لنعيش؟ اذاً لما علينا أن نتعلم ونتعب؟ أسئلة صعبة، حيرة المدرس، تصل إلى حد الانكار والالتفاف حول الواقع الذي هو نفسه راح ضحيته. حُلمنا "تأشيرة"، وطائرة تنشلنا من عالم موحش، في مجتمع بات بلا ألوان، وشوارع بلا روح، وعصبية، وخوف، واضطراب. أصبحنا كالدمى تمارس عليها تجارب نفسيّة أوصلت البعض حد الانتحار، وتشعبت مشاكلنا فأصبحنا آلات لا نشعر ولا نرى، نعيش كل يوم بيومه، وننتظر الأسوأ، حروب إقليمية على أرضنا لا ذنب لنا بها ولا يد. أنها منظومتنا الفاسدة، وكل حلم بالتغيير ينقلب كابوساً على رؤوس شبابنا، فلا قارب نجاة، ولا شاطئ يرضى باستقبالنا. بلد ينازع ويتخبط بأزمات اقتصاديّة واجتماعيّة، فمن أزمة الكهرباء حتى المياه وصولاً إلى النفايات. أزمات وتحديات دفعت الشاب اللبناني إلى المواجهة وخرق الواقع الأليم، فقدم بعض الشباب الطموح اختراعات وحلولا للأزمات بشكل علمي ومبتكر، ببساطة رفضت جميع هذه المحاولات. لندرك في النهاية أن هذه الأزمات هي بمثابة مشاريع استثمارية يديرها الكبار لتعود عليهم بالكثير من الأرباح. الباحث عن السعادة والأمل، هو تماماً كالباحث عن إبرة في كومة قش. يثابر الشاب من أجل الخبرات والشهادات، فيحصل على إجازة واثنتين وثلاث مع ورشات عمل ومؤتمرات، دون فائدة فلا سوق للعمل ولا للحياة، وأحياناً انت مرفوض لأنك تملك الكثير و"أكثر حتى من المطلوب". في مستنقع الفساد والخراب، يغرق الشباب في بحر الاكتئاب الموحل؛ هو بحر كبير عميق ثقيل، لا يتقنون فنون السباحة فيه، أو مواجهة أمواجه العاتية، فالتحديات باتت معقدة، ومجتمعاتنا الكهلة اليوم تدق ناقوس الخطر على روح الشباب التي دفنت باكراً. الطموح والأحلام تماماً كالبذور تحتاج الى أرض خصبة كي تنمو، وتكبر، وتثمر، فإذا انعدمت البيئة، والأرض الخصبة، ظلت البذرة دون فائدة، جماداً لا يغني ولا يثمن، كذلك الشاب اليوم إن لم يأخذ فرصته، وينمي بذرته سوف يضحى جماداً بلا ثمار ولا فائدة. بئس البلاد التي تذبح من خاصرة شبابها لتموت تدريجياً خلف زنازين الفساد والمؤامرات، وبئس المجتمعات التي يرفض طلابها العلم، ويتكلم صغارها بالسياسة. فتلك مجتمعات لا يعول عليها، نحتاج اليوم الى صحوة وتماسك وإيمان يعيد شحن شبابنا، ليديروا أرضا ووطننا. حبذا لو فرزت للناس بلاد للباحثين عن الحياة، بلاد آمنة جميلة وهادئة، بلاد لا تحتاج إلى فيزا وأوراق معقدة للهجرة، هي بلاد للشباب للطاقات المميزة بلاد تطبق بها الأحلام، وتناقش بها العلوم والآداب، وتنجح بها الاختراعات، لا تلوث ولا سجون، ولا حتى فساد. حبذا لو كانت هذه بلاد الحالمين، والباحثين عن أمل، بعيداً عن الاكتئاب. المصدر: الجزيرة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
2265
| 06 مايو 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1932
| 30 أبريل 2026
ليس أخطر ما في الزجاج أنه ينكسر، بل قد يظل متماسكًا من الخارج، بينما في داخله آلاف الشقوق التي لا تُرى، هكذا نحن بعد الخذلان، نبدو كما كنا، نتحدث، نبتسم، نُكمل أيامنا، لكن في الداخل شيء ما لم يعد كما كان. الخذلان لا يوجع لأنه جرحٌ عابر، بل لأنه إعادة تعريف قاسية للأشياء التي كنا نؤمن بها، هو اللحظة التي نكتشف فيها أن القرب لم يكن أمانًا، وأن المعرفة العميقة بنا لم تمنع الأذى، بل سهّلته. من علّمنا أن من يسمعنا جيدًا لن يكسرنا؟ أن من يعرف تفاصيلنا سيحفظها لا يستخدمها؟ أن من اقترب قد اختار البقاء؟ الحقيقة التي لا تُقال كثيرًا: أقسى الخيبات ليست في سوء الناس، بل في تصوّراتنا عنهم، نحن لا نُخذل فقط لأنهم أخطؤوا، بل لأننا بنينا داخلنا نسخةً منهم لا تشبه حقيقتهم، أحببنا ما ظننّاه فيهم، ووضعنا ثقتنا في صورة رسمناها نحن، ثم صدمنا حين تصرّفوا بما هم عليه فعلًا، لا كما تمنينا. لكن… هل هذا ذنبنا؟ هل يُلام القلب لأنه صدق؟ هل يُعاقب الصدق لأنه لم يشكّ؟ هل نُدان لأننا منحنا الأمان كما نتمناه لأنفسنا؟ ربما لا لكن النضج يهمس لنا بشيء آخر: أن النوايا الطيبة لا تكفي لحماية أرواحنا، وأن العطاء بلا حدود قد يتحول إلى استنزاف، وأن الثقة، وإن كانت نقية، تحتاج إلى وعي يحرسها. نحن لم نُخطئ حين وثقنا، لكننا تأخرنا في قراءة الإشارات، تجاهلنا ما كان واضحًا، وبرّرنا ما لم يكن يُبرَّر، لأن فكرة الأمان كانت أجمل من حقيقة القلق ولهذا كان الانكسار عميقًا، لأنه لم يكسرنا فقط من الآخر، بل كسر شيئًا في فهمنا لأنفسنا، حين ينكسر الزجاج من الداخل. لا يعود السؤال: من كسره؟ بل: كيف نعيد تشكيله دون أن نفقد شفافيته؟ كيف نبقى كما نحن دون أن نكون ساذجين؟ كيف نثق دون أن نسلّم أنفسنا بالكامل؟ كيف نُحب دون أن نذوب؟ ربما الجواب ليس في أن نغلق قلوبنا، بل في أن نُبطئ فتحها، أن نفهم أن القرب لا يُقاس بالكلمات ولا بالوقت، بل بالمواقف حين لا يكون هناك ما يُجبر الآخر على أن يكون جيدًا، أن نُدرك أن بعض الناس يُتقنون الاقتراب، لكن القليل فقط يُجيدون البقاء دون أن يُؤذوا، وحينها لن نتوقف عن العطاء، لكننا سنتوقف عن إعطائه لمن لا يعرف قيمته لأننا، ببساطة، لا نستحق أن نُكسر كل مرة. فقط لأننا كنا نبحث عن الأمان في المكان الخطأ.
807
| 03 مايو 2026