رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إذا كان انتخاب دونالد ترامب عارًا على أمريكا فهو بالنسبة لنا كارثة.
(١)
حقوق الإنسان في خطر خلال العام الجديد. ذلك أن الشعبوية الصاعدة تمهد الطريق للاستبداد حين تتعامل مع الحقوق باعتبارها عقبة أمام إرادة الأغلبية، في حين أنها مسألة وقت فقط قبل أن ينقلب الزعماء الشعبويون على الذين يختلفون معهم. وهو ما ينتهي بسحق إرادة الفرد وإهدار المبادئ الأساسية للكرامة والحرية والمساواة.
هذه خلاصة تختزل شهادة التقرير العالمي المتشائم الذي أصدرته في الأسبوع الماضي (في ١٢/١) منظمة «هيومان رايتس ووتش» بخصوص آفاق حقوق الإنسان في العام الجديد. ولا مجال لاستعراض محتوى التقرير الكبير الذي صدر في واشنطن، إلا أن الخلاصة التي أشرت إليها تمثل محورًا له. أما التفاصيل التي تحذر من تداعيات الشعبوية وتجلياتها ومخاطرها في مختلف أنحاء العالم فقد بسطها التقرير الدولي في ٦٨٧ صفحة، تمت خلالها مراجعة الممارسات الحقوقية في ٩٠ دولة.
من الملاحظات المهمة التي أوردها إشارته إلى أن ظهور القادة الشعوبيين في الولايات المتحدة وأوروبا بات يشكل تهديدًا لحقوق الإنسان في بقية أنحاء العالم. إذ من شأن ذلك تشجيع الحكام المستبدين في كل مكان على الاستمرار في البطش وإشاعة الكراهية والتعصب. وهو ما يمثله الرئيس الأمريكي الجديد والأحزاب اليمينية في أوروبا. علق على ذلك كينيث روث المدير التنفيذي للمنظمة الدولية بقوله في افتتاحية التقرير إن جيلا جديدا من الحكام السلطويين والشعوبيين يتقدم الآن في العالم ساعيًا إلى إسقاط مفهوم حماية حقوق الإنسان، ويتعامل مع الحقوق على أنها عائق أمام إرادة الأغلبية. ذلك أن هؤلاء يدعون أن الجمهور يقبل بانتهاكات حقوق الإنسان، بزعم أنها ضرورية لتأمين فرص العمل وتجنب التغيير الثقافي، في حين أن تجاهل حقوق الإنسان يمهد الطريق للاستبداد.
اعتبر كينيث روث أن ثمة هجومًا عالميًا على قيم حقوق الإنسان يشمل الدول العربية والإفريقية بطبيعة الحال. ونبه إلى أن الجمهور يتحمل مسؤولية خاصة في صد ذلك الهجوم ومقاومته، من خلال الجماعات المدنية والأحزاب السياسية ووسائل الإعلام المختلفة.
(٢)
تحدي المجتمع واستنفاره على أشُدِّه الآن في الولايات المتحدة هذه الأيام التي تسبق تنصيب استلام الرئيس الأمريكي الجديد منصبه رسميا (٢٠ يناير الجاري). وتقود النخب الأمريكية حملة المواجهة الحازمة ضده. وكنت قد أشرت إلى قائمة المعلقين الكبار الذين هبوا لمعارضة سياساته وأفكاره الداعية إلى الكراهية وعدم احترامه للحريات والتعددية وحقوق الإنسان، وأضيف إليهم الاقتصادي بول كروجمان الحائز على جائزة نوبل الذي كتب أخيرًا داعيًا الإعلاميين إلى فضح ما أسماه «أكاذيبه الرخيصة» واعتبر التقصير في ذلك نوعًا من خيانة مهنة الصحافة. وقرأت أن ٢٤ من النواب في الكونجرس سيقاطعون حفل تنصيبه، وذكرت صحيفة «واشنطن بوست» أن منظمي التظاهرات المعارضة له حجزوا ١٢٠٠ باص لنقل المتظاهرين الغاضبين إلى واشنطن بعد غد، في مقابل ٢٠٠ باص لمؤيديه. وانضم إلى معارضيه نجوم هوليوود الذين رفضوا المشاركة في حفل التنصيب رغم أنه اتصل هاتفيا ببعضهم لهذا الغرض، وكان بين الرافضين مغنيتان بريطانيتان شهيرتان، إحداهما، ريبيكا فيرجسون التي وصفت الرئيس المنتخب بأنه مستبد، ومن الرافضين أيضًا المغني الأوبرالي الشهير أندريه بوتشيلي، الذي كان قد تلقى اتصالا شخصيا من ترامب. ولا ينسى أن نجمة الأوسكار الأمريكية ميريل ستريب وبخته بسبب توجهاته العنصرية في كلمة ألقتها قبل أيام أثناء تسلمها الجائزة السنوية عن مجمل أعمالها. وشملت حملة رفضه موقع التغريدات القصيرة «تويتر» الذي عاقب الرجل بإغلاق حسابه على المواقع، نظرا لما أسمته الشركة «خطابه العنصري والانقسامي». وعلق بول هورن المتحدث باسم تويتر على الخبر قائلا إن الموقع «لن يتسامح مع مستخدم يوجه رسائل الكراهية والعنصرية والتعصب» ووصف ما يقوم به ترامب بأنه «يعيد بلادنا إلى الوراء».
(٣)
صحيفة «الأوبزيرفر» البريطانية المحافظة ذكرت في عددها الصادر في ١٣ يناير الحالي أن تنصيب ترامب سيكون «لحظة فزع ونذير شؤم». وهو أمر مقدور عليه في الدول الديمقراطية، التي تتمتع مجتمعاتها بقدر من العافية يمكنها من التعامل مع التداعيات السلبية لظاهرة «ترامب» وتنامي الأحزاب اليمينية في أوروبا. فضلا عن أن الآلة الديمقراطية توفر من خلال تداول السلطة وضع حد لاستمرار الظاهرة وتجنب عواقبها الوخيمة. بالتالي فإن نصيبنا أكبر من «الفزع» الذي تحدثت عنه «الأوبزيرفر» ذلك أن الموقع الإلكتروني الخاص بالحملة الانتخابية لترامب كان قد أعلن أنه يعطى الأولوية للاستقرار حتى لو تم ذلك على حساب القيم الديمقراطية، بدعوى أنها يمكن أن تأتي بنتائج عواقبها غير مضمونة. وهو موقف يعني بصورة مباشرة غض الطرف عن الانتهاكات التي تتم والقمع الذي تتعرض له القوى الداعية إلى الديمقراطية، بدعوى مكافحة التطرف والإرهاب. لاحظت ذلك روبن رايت كاتبة «النيويوركر» حين نبهت إلى أن موقف ترامب لقى ترحيبًا شديدًا من جانب الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط، وعززت رأيها بالإشارة إلى قائمة زعماء المنطقة الذين كانوا بين أوائل الذين سارعوا إلى تهنئته بالفوز في الانتخابات.
إزاء ذلك فلئن اعتبرت النخب الأمريكية أن انتخابه يعد عارًا أهان القيم الأمريكية، فهو بالنسبة لنا في العالم العربي كارثة كبرى. من ناحية بسبب رعايته للأنظمة القمعية، ومن ناحية أخرى بسبب غلوه في الانحياز لإسرائيل. ثمة وجه آخر للكارثة في أن مجتمعاتنا تعانى الضعف الذي يعجزها عن التصدي لتغول الأنظمة وطغيانها. لذلك فإنه إذا كان تقرير منظمة «هيومان رايتس ووتش» قد ذكر أن حقوق الإنسان في خطر في العالم الجديد، فلا أظن أن أحدًا يمكن أن يجادل في أن الدول العربية ستكون في قلب ذلك الخطر إن لم تكن على رأس ضحاياه.
(٤)
الحالة المصرية نموذج لما أدعيه. ذلك أن الصراع العلماني الإسلامي جرت صياغته سياسيا على نحو مزق الصف الوطني وحوله إلى صراع بين القوى المدنية والدينية. وعمقت الصراع عوامل عدة حولته إلى صراع وجود أغلق الباب أمام احتمال تعايش الطرفين. وترتب على ذلك أن صارت القوى المدنية على استعداد للذهاب إلى أبعد مدى للقضاء على خصمها الآخر والخلاص منه. لذلك فإنها تحالفت مع العسكر لتحقيق ذلك الهدف. وكان أملها أن تقيم من خلال ذلك التحالف ما أسماه مدرس النظم السياسية الدكتور أحمد عبد ربه «ديكتاتورية تشاركية». (جريدة «الشروق» ١٥/١). وفي تحليله للنتائج التي ترتبت على ذلك ذكر الدكتور عبد ربه ما نصه: في خلال عامين فقط (بين ٢٠١٣ و٢٠١٥) فشل هذا التحول الديكتاتوري التشاركي لأن الفاعلين الأمنيين قرروا لأسباب كثيرة الانفراد التام بالمعادلة السياسية دون إعطاء أي اعتبار لأي وعود سابقة أعطتها للتيارات المدنية التي شاركتها طريق التحول الديكتاتوري منذ البداية ويتذكر الجميع كيف عمدت أجهزة الدولة في هذه الفترة إلى خرق أغلب الأوجه المدنية التي كانت محسوبة عليها بما فيها حتى من أيد بلا شروط أو قيود كل الإجراءات القمعية التي اتخذت منذ يوليو ٢٠١٣ إلى حينه. ثم جاء الفشل الأكبر بأن عجزت هذه المعادلة السلطوية المنفردة عن الإيفاء بالتعهدات الأمنية والاقتصادية للشعب، وسريعا دخلت في مواجهات مع حلفائها الإقليميين بل مع بعض مؤيديها في المحافل ــ انتهى الاقتباس.
الانقسام النكد قضى على روح ثورة يناير ٢٠١١ التي ذابت فيها كل تمايزات الصف الوطني، الأمر الذي ألغى دور القوى السياسية وأفرغ الساحة تماما لصالح الأجهزة الأمنية التي تولت هندسة وصياغة الحالة السياسية. وبمضي الوقت اختفى دور النخب السياسية، وما عاد ممكنا الحديث عن تيارات مدنية تدافع عن حقوق المجتمع، وإن بقى في الساحة أفراد يحاولون القيام بذلك الدور، ومن ثم بقيت في الساحة المنظمات الحقوقية التي ما زالت تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه لحماية المجتمع ضد انتهاكات السلطة وتجاوزاتها.
الخلاصة أن النخب المصرية، علمانية وإسلامية، تتحمل المسؤولية التاريخية عن موت السياسة والإسهام في إضعاف المجتمع المدني وهزيمته. صحيح أن السلطة القائمة لها دورها الذي لا ينكر في ذلك، إلا أن تلك النخب أعانتها على ذلك. وحين يتاح لنا أن ندقق في سجل المراحل التي تعاقبت بعد ثورة يوليو ١٩٥٢ سنجد أن تغييب الديمقراطية كان له دوره الأكبر في إضعاف المجتمع ونزع عافيته السياسية، حتى غدت النخب المصرية إفرازا طبيعيا للأجواء التي سادت منذ ذلك الحين. الأمر الذي ينطبق عليه تعبير الشوام: هيك نخب جاءت مناسبة تماما لهيك أوضاع. وذلك تاريخ تحتاج وقائعه إلى تحرير ومناقشة لم يتوافر لهما لا الوقت المناسب ولا الشجاعة الكافية.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2642
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1045
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
687
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8745
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3618
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3123
| 30 أكتوبر 2026