رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الملف الأمني وتشكيل وترسيم العقيدة القتالية للأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية وعلاقة كل ذلك بالمقاومة كان منذ البداية هو سبب الانقسام وهو منذ اليوم الأول لحوارات المصالحة المحك الحقيقي والمعبر الوحيد عن قدرة كل من الحركتين - فتح وحماس - على اجتراح الحلول والتوافقات وإمكانية الوصول للمصالحة أو عدم قدرتهما ثم البقاء في حيص الخلافات وبيص الانقسام وتلبكات الافتراق.
ولست أبالغ إن قلت إن هذا الملف – الأمني - هو ملف المصالحة الأساسي والوحيد؛ وأن ما سواه لا يعدو أن يكون جزءا من البيئة الحاضنة لاتفاق المصالحة وليس أهم ما فيها.. الملف الأمني هو أعقد الملفات ولذلك كان الفريقان كلما اقتربا منه سارعا للابتعاد عنه وترحيله حتى لا يقعا في فشل يضفي يأسا على الحوارات ويصدر رسالة سلبية عن إمكانية المصالحة.. ولتوضيح ذلك ثمة أسئلة أظن أن مريدي وجمهور الفريقين - فتح وحماس - وكل الشعب الفلسطيني كانا ولا يزالان يطرحانها على القيادتين في الطرفين؛ هل ستقبل حركة فتح أن تقاسمها حماس أجهزة الأمن في الضفة؟ وهل ستقبل بإعادة البنية التحتية لتنظيم حماس من جمعيات ومؤسسات وأموال وحريات..؟ وهل ستوقف التنسيق الأمني مع الاحتلال؟ وعلى فرض أنها قبلت بكل ذلك أو فكرت جديا فيه فهل هي على استعداد لدفع الثمن الذي قد يكون دما بوزن دم عرفات أو ربما وجود السلطة ذاتها وأن تصير مطاردة للاحتلال كما حماس؟
وإذا تمت المصالحة ورجعت فتح إلى غزة كسلطة قائدة أو كفصيل كبير له برنامج ويلتزم باتفاقيات – مع الاحتلال من جهة ومع حماس من جهة أخرى – فكيف ستوفق بين الاتفاقين أو بين الاتفاقات في الجهتين؟ وهل ستقبل ببقاء أجهزة الأمن وجيوش المقاومة التي أنشأتها وتقودها حماس وحكومة غزة؟ وهل ستخوض مواجهات وتحقق انتصارات مثل كنس الاحتلال في 2005، وخطف شاليط في 2006 والمحافظة عليه في عملية أمنية معقدة لأكثر من خمس سنوات ثم مبادلته بأكثر من ألف وخمسمائة أسيرا معظمهم من المحكومين بالمؤبدات؟ وهل هي مستعدة أو قادرة على رد وصد عدوان كعدوان 2008 – 2009 وكعدوان 2012 الأخير؟ وهل ستقبل بقصف أو بالمشاركة في قصف تل أبيب والكنيست ومستوطنات الضفة وأن تستقدم وتصنع الصواريخ وأن تزرع بها الأرض ليل نهار.. كل ذلك على غرار ما تفعله حماس والمقاومة في غزة الآن؟
الحقيقة أن حركة فتح قد أجابت قبل يومين على هذه الأسئلة في حواراتها الأخيرة مع حماس – في القاهرة – فقد ذكرت مصادر مطلعة في السلطة لجهات صحفية أن مفاوضي فتح يصرون على إبقاء الأجهزة الأمنية العاملة بالضفة الغربية على ما هي عليه من حيث تركيبتها وعقيدتها وقياداتها ومهامها – بعيدا عن حماس وفصائل المقاومة – واعتبار هذه الأجهزة " الوحيدة حصريا " العاملة على كل الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وحصر حق حمل السلاح بها.. المصادر قالت أيضا: إن حركة فتح تصر - في سياق هذه الرؤية وفي سياق الخوف من ردة فعل الاحتلال - على حل " كتائب عز الدين القسّام " الجناح العسكري المسلّح لحماس وعلى حل جميع القوى المسلحة التابعة للفصائل في غزة.. ذات المصادر نقلت عن القيادة المصرية تخوفها أن يؤدي هذا الخلاف الحاد والجوهري بين الفصيلين الفلسطينيين إلى تفجير مساعي المصالحة كلها..
وأقول وبعيدا عن التشاؤم وكثير من الواقعية: إن هذه المحددات التي وضعتها السلطة لن تقبلها حماس ولن يقبل بها الشعب الفلسطيني ولا الشعوب العربية من حوله بأي حال، فوق أنها محددات لا تتناسب مع إنجازات حماس في المقاومة ولا مع مكانتها كفصيل كبير، ولا مع انتصاراتها، ولا مع المقارنة الموضوعية التفاضلية بين حالي الحركتين من حيث الإمكانات والواقع والمستقبل والتحديات.. لكن هل هذا يعني أن الانقسام صار على الشعب الفلسطيني وطموحاته قدرا مقدورا وحتما محتوما؛ أم أن ثمة ما يمكن الدوران حوله والوصول من خلاله؟
وأقول: إن الوقائع على الأرض من افتراق واتفاق وأسبابهما ومن تداخلات وظروف واعتبارات لدى كل من الحركتين لا تسمح بتحقيق المصالحة في يوم وليلة أو بمجرد توفر الرغبات والنيات مهما كانت صادقة ومخلصة.. فلابد قبل توهم إمكانية مسح خمس سنوات من الانقسام الفعلي وأكثر من أربعة أضعافها في مقدمات الانقسام؛ لا بد من فترة زمنية حقيقية تتوقف فيها الحملات الإعلامية وتتغير فيها لغة الخطاب بين الحركتين ويتوقف فيها الاعتقال السياسي وتصفى فيها كل أسباب الانقسام الفكرية والسياسية.. وهذه كلها لم يتحقق منها شيء حتى الآن!!
قد يقال: إن مساعي المصالحة مستمرة منذ أربع سنوات وليس ضروريا انتظار أربع أو عشر أخرى، وقد يقال إن الاستيطان والتهويد لا يسمحان بفرص كثيرة للمناورة أو اللف والدوران بعيدا عن المصالحة!! وأقول: لنتفق على أن من الخطأ عد السنوات الأربع الماضية في سجل المصالحة مهما تعددت فيها اللقاءات والرسائل السياسية بين الفريقين ؛ وذلك لأن كلا الطرفين ظلا طيلتها متمترسين في مربع الخلاف والتناقض ولم يستجمعا قليلا ولا كثيرا من مؤهلات المصالحة، اللهم إلا السماح الأخير المتبادل في مناسبة احتفالات الانطلاقتين في الضفة وغزة ؛ لنتفق أيضا على أن مصالحة حقيقية عميقة دائمة هي الطريق المختصر وبالتأكيد لسنا نريد استعجالا يؤول للفشل والرواح والمجيء والدوران حولها .
ولنتفق أيضا ؛ على أن العدو لن يسمح لفتح بمصالحة تأتي بحماس إلى الضفة أو تذهب بها للمقاومة في غزة، وعلى أن العدو يملك أوراق ضغط كثيرة داخل السلطة وحواليها برز بعضها يوم اغتيال عرفات ويوم استطاع أن يمرر الأمر على فتح وعلى الشعب الفلسطيني كما يريد العدو وربما أزيد مما كان يتوقع..
وأيضا لنتفق على أن مصلحة الشعب الفلسطيني في الثورة والمقاومة وحماية مكتسبات الحربين 2008-2009. 2012 أكبر بكثير من مصلحته في المصالحة وبالأخص إذا كانت ستسير في هوى الاحتلال وتحرم الشعب الفلسطيني من أمل التحرير ومن احترام الأمة الذي نالته بالكثير من الدماء والتضحيات وهو ما يعني عمليا إضاعة ربع قرن من الجهد السياسي والإبداع الثوري للمقاومة عموما ولحماس خصوصا، وعليه فلا يجوز وضع الشعب الفلسطيني بين تناقضية المقاومة أو المصالحة لأنه سيختار المقاومة ومنجزاتها دون أدنى شك..
آخر القول: على فتح تفهم ما طرأ على الشعب الفلسطيني في غزة منذ الانقسام وما طرأ على حماس من قوة ومزيد شرعية ثورية – هذا صحيح ؛ وصحيح أيضا أن على حماس تفهم واقع وحال فتح في الضفة وأنها تحت الاحتلال المباشر، وأن كثيرا من المطلوبات منها نظريا أكبر بكثير من قدرتها على تحقيقه عمليا.. لكن ما يجب أن تراعيه فتح وحماس هو أن يكون التفهم في الجهتين في سياق برنامج خارطة طريق للتقارب صعودا نحو المقاومة كحق مشروع وكتجربة ناجحة وكإنجازات وطنية عامة وليس نزولا عند التسوية العاثرة والمفاوضات البائسة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8751
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3777
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3126
| 30 أكتوبر 2026