رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إذا استمرت الحرب على الإرهاب بصورتها الراهنة فلا نهاية لها ولا أمل في كسبها.
(1)
خطيب الجمعة في مسجدنا لا يكف كل أسبوع عن ذم الإرهاب وهجائه، ولا يمل من استعراض شروره التي أصبحت ممارسات جماعة داعش في سوريا والعراق نموذجا لها. ولئن أراد بذلك أن يتجاوب مع الأجواء السائدة في مصر، إلا أن حملته اشتدت منذ دعا الأزهر في 3 ديسمبر الحالي إلى عقد مؤتمر دولي بالقاهرة لمواجهة التطرف والإرهاب وكان واضحا أن تعليمات وزارة الأوقاف لها دورها في ذلك، وقد بشرنا في آخر خطبة له بأن نهاية الإرهاب قد اقتربت مستدلا بإجماع علماء الأمة الذين حضروا المؤتمر على ذلك، واعتزامهم إصدار وثيقة تصاغ بكل اللغات الحية وتوزع على الكافة، ترفض الإرهاب وتعلن البراءة منه، وتفضح الآراء التكفيرية التي يتبناها الإرهابيون. وفي ثنايا خطبته الأخيرة ذكر أن أمر الإرهاب صار مكشوفا ومفضوحا، وأيد ذلك بإشارته إلى أن دولة الإمارات العربية أصدرت قائمة ضمت أكثر من ثمانين جماعة ومنظمة إسلامية ضالعة في الإرهاب، وأن مصر بصدد إعداد قائمة مماثلة تفضح الكيانات الإرهابية وتعريها أمام الرأي العام في الداخل والخارج.
لا أعرف إلى أي مدى كان الرجل مقتنعا بما قاله، لكنني أزعم أنه يعكس إلى حد كبير التفكير الرسمي في الموضوع، الذي يلجأ إلى التسطيح والتبسيط، فيشدد على إدانة الإرهاب ويلجأ إلى الإجراءات في مواجهته، متصورا أن ذلك يمكن أن يتحقق من خلال إصدار وثيقة تتهمه وتفضحه وتنظم حملة إعلامية تركز على هجائه والحديث عن مخاطره وشروره، إضافة إلى الإجراءات الأمنية الأخرى بطبيعة الحال، التي تتراوح بين التوسع في محاكمتهم أو التخلص منهم بوسائل أخرى بينها تصفيتهم جسديا، كما هو الحاصل في سيناء بوجه أخص. كأننا في مواجهة الإرهاب نلجأ إلى حلين لا ثالث لهما أولهما التعبئة الإعلامية (جريدة الجمهورية دخلت على الخط ونظمت مؤتمرا ضد الإرهاب يوم الأحد الماضي 13/12). أما الحل الثاني فيتمثل في الإجراءات الأمنية والمحاكمات القضائية.
ذهب البعض إلى أبعد في التعبئة، حيث لم يكتفوا بإدانة الإرهاب وتجريمه، وإنما دعوا إلى تكفير الإرهابيين أيضا، لكي يلاحقوا ويعاقبوا على جرمهم في الآخرة أيضا. وكان مفتي نيجيريا الشيخ إبراهيم صالح الحسين قد ألقى بالفكرة قاصدا بها تنظيم «داعش» في كلمته التي ألقاها أمام المؤتمر سابق الذكر، إلا أن مشيخة الأزهر تداركت الأمر في بيان أصدرته ذكرت فيه أنه لا تكفير لمؤمن نطق بالشهادتين مهما بلغت ذنوبه، إلا أن ذلك لم يغلق باب المناقشة التي مازالت مستمرة حول الموضوع في بعض وسائل الإعلام، كأنما تم حسم أمر الإرهابيين في الدنيا وصرنا مشغولين بمصيرهم في الآخرة.
لست واثقا من العلاقة بين حملة مواجهة الإرهاب وبين الإجراءات التي اتخذتها وزارة الداخلية في مصر أخيرا، وعبرت فيها عن غيرتها على الإيمان والأخلاق الحميدة، إلا أن عنصر التزامن وحده هو الذي أثار الانتباه وطرح فكرة الربط بين المسارين. إذ بعد نحو أسبوع من انتهاء مؤتمر الأزهر، أعلن أن عدد الملحدين في مصر صار 866 شخصا (لا أعرف كيف تم إحصاؤهم)، كما تمت مداهمة مقهى في القاهرة بدعوى أنه مكان لتجمع الملحدين. وفي الوقت ذاته قامت الشرطة بمداهمة حمام مغربي قيل إن الشاذين جنسيا يمارسون فيه «أنشطتهم».
(2)
ليس خافيا أن كل ما سبق وثيق الصلة باتجاهات الريح السياسية، التي كانت من القوة بحيث غيبت أسئلة مهمة يطرحها السياق. أحدها يتعلق بالتعريف المعتمد لمصطلح الإرهاب، ذلك أننا نعرف أن الإرهاب في التعريف العلمي هو كل استخدام للقوة والعنف لترويع الآخرين، وفرض الرأي عليهم، لكن الممارسات نسخت ذلك الرأي حتى باتت المعارضة إرهابا وصار عدم طاعة ولي الأمر ينطبق عليها نفس الوصف. وتحول الإرهاب إلى قرار سياسي يسوقه الإعلام بصرف النظر عن الشواهد والممارسات العملية. بحيث صار الإرهاب هو كل من قالت عنه السلطة ذلك وروجت له الأبواق الإعلامية. وقد شاع عنا ذلك حتى إنني حضرت قبل حين ندوة عن التطرف في لندن، وحين تباينت تعريفاته فإن أكاديميا أيرلنديا متخصصا في الشرق الأوسط قال في نهاية المطاف إن المتطرف أو الإرهابي في العالم العربي هو كل من لا ترضى عنه السلطة!
لم يتح لنا كذلك أن ندقق في طبيعة الحرب الدائرة، وهل هي في جوهرها صراع حول السلطة أم أنه صراع بين الأفكار التي استدعيت للتغطية على صراع السلطة؟ ــ لم نعرف أيضا لماذا تهب رياح التطرف في مرحلة وتسكن أو تخبو في مرحلة أخرى؟ ولماذا يطل الإرهاب في بلد وينحسر في بلد آخر؟ ولماذا تكاثرت التنظيمات الإرهابية في محيطنا وأقطارنا بحيث لم تعد البيئة العربية تفرز سوى ما هو شائك ومُر؟ ولماذا فشلت الحرب ضد الإرهاب التي أعلنتها إدارة الرئيس بوش بعد أحداث سبتمبر عام 2001؟ ولماذا تخلت الإدارة الأمريكية عن المصطلح في عام 2010 في ظل ولاية الرئيس باراك أوباما.. إلخ.
لم يطرح الأمر للمناقشة والمراجعة في أي باب. وظل التسطيح والتبسيط سيد الموقف. من ثَمَّ فقط تم تأجيل طرح الأسئلة المهمة أمام ضغط الخطاب السياسي وقوة التعبئة الإعلامية، حتى استسلم الجميع لفكرة أنها الحرب التي تستهدف إنقاذ الدولة من السقوط، وأنه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. وللدقة فإن ذلك لم يكن منطق السلطة والأبواق الإعلامية فقط، لأن شريحة واسعة من النخبة انضوت تحت المظلة وانضمت إلى الحشد، فلا هي طرحت الأسئلة الواجبة ولا هي رضيت أن تجيب على من سألوها. وكانت لهؤلاء حساباتهم وموازناتهم الخاصة التي جعلتهم يحجمون ويؤثرون الصمت، وترتب على ذلك أن الذين تصدوا للأمر كانوا مجموعات الشباب الذين لم تكن لهم حساباتهم ولا موازناتهم الخاصة، وكان مصير الثورة هو شاغلهم الأوحد، فنزلوا إلى الشارع ورفعوا أصواتهم المعبرة عن الحيرة والغضب، ودفعوا ثمن وقفتهم على النحو الذي يعرفه الجميع.
(3)
يوم الجمعة 12/12 نشرت صحيفة الجارديان البريطانية تقريرا مفصلا عن تنظيم داعش وحكاية الدولة الإسلامية، استقاه محرره مارتن جولوف من أحد أركان الدولة الجديدة. ولأن كاتب التقرير يغطي أحداث العالم العربي منذ 2005 فإن ذلك مكنه من أن يتوغل في القصة ويتتبع جذورها من بداياتها. في رحلة البحث تبين أن أبوبكر البغدادي الذي صار لاحقا خليفة المسلمين في الدولة الجديدة بدأ خطواته الأولى مع المقاومين للاحتلال الأمريكي، وللهيمنة الشيعية ضمن ما سمي آنذاك بجيش أهل السنة والجماعة، وهو ما أدى إلى اعتقاله في عام 2004 وإيداعه في سجن «بوكا» الذي أقامه الأمريكيون جنوبي العراق، حيث التقى هناك زملاءه وتعرف على أعداد كبيرة ممن صاروا لاحقا قادة التنظيم الجديد. في السجن برزت شخصية البغدادي القيادية ونجح خلال السنوات الخمس التي قضاها في «بوكا» في توثيق علاقاته مع أمراء التنظيم، وكانت الفرصة متاحة أمام الجميع للتفكير والتخطيط للمستقبل. في السجن أيضا التقى البغدادي وصحبه مع عدد من قادة جيش صدام حسين البعثيين، ونجحوا في إقامة علاقة وثيقة معهم، خصوصا أن بعضهم تحول إلى التشدد الإسلامي أثناء سجنه. واستطاع الطرفان أن يقيما علاقة كان لها دورها الجوهري في إقامة الدولة الجديدة. إذ أصبحت تمثل تحالف مناضلي أهل السنة الرافضين لهيمنة الشيعة مع قادة جيش صدام حسين البعثي الذين كانت لهم مراراتهم الخاصة، إضافة إلى مشاعرهم الطائفية. إزاء ذلك فإن السجن وفر فرصة ذهبية لعناصر داعش للتخطيط والتجنيد وإقامة التحالف الذي كان له دوره الأساسي في إنجاح الحملات العسكرية التي شنها التنظيم، وأدت إلى سقوط حكومة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي.
تجربة أبوبكر البغدادي وصحبه في السجن التي أدت إلى ظهور تنظيم داعش بعد ذلك لا تختلف كثيرا عن تجربة شكري مصطفى في السجون المصرية التي أدت إلى ظهور جماعة التكفير والهجرة (أو جماعة المسلمين كما كانوا يسمونها) في سبعينيات القرن الماضي. إذ تشكل الاثنان في السجن وقررا رفض كل ما هو قائم وأعلن كل منهما نفسه أميرا للمؤمنين، وإن اختلفت النهايات بعد ذلك، حتى الآن على الأقل ــ والتجربتان ــ وغيرهما كثير ــ يذكِّراننا بأن بيئة القمع والسجن هما المختبر الرئيسي الذي تتشكل فيه خلايا الإرهاب.
(4)
هي حرب بلا نهاية. ولن يجدي فيها وقف إطلاق النيران أو عقد هدنة من أي نوع. ولا مفر من الاعتراف بأن عجز الأنظمة الاستبدادية العربية عن الإصلاح يمثل تربة غنية لنمو الحركات الجهادية والإرهابية، وإذا كان تقويض تنظيم القاعدة لم يتحقق إلا بعد مضي عشر سنوات، فإن الحرب ضد داعش سوف تستغرق عشر سنوات أخرى. وإذا لم يجرِ العالم العربي ــ الذي هو مركز داعش وبؤرته ــ عملية إصلاح ذاتية عميقة فلن يطول بنا الأمد حتى يظهر في الأفق وحش إرهابي آخر مرتديا لبوسا جديدا. وينبغي أن يكون واضحا للكافة أن إقامة المجتمعات المدنية في الشرق الأوسط أصبح بدوره أمرا لا مفر منه، فذلك وحده ما يمكن أن يحصن الدول العربية ضد الإرهاب ويوقف تناسل جماعاته التي استوطنت فيها.
هذا الكلام ليس لي، ولكنها خلاصة لما أورده برونو ترتريه أحد مديري مؤسسة البحوث الفرنسية، في مقالة نشرتها له صحيفة «نوفيل أوبزرفاتير» في 2/10/2014. وكان الرجل قد أصدر في عام 2004 (بعد الغزو الأمريكي للعراق) كتابا طرح فيه فكرته الأساسية كان عنوانه «حرب بلا نهاية».
لا يستطيع المرء أن يخفي شعوره بالرثاء والحزن حين يقارن هذا الكلام الذي صدر عن الباحث الفرنسي، الذي يشاطره فيه آخرون ممن لا يتسع المجال لذكر شهاداتهم، بكتابات بعض المثقفين عندنا الذين غرقوا في مستنقع الاستقطاب، ولم يجدوا حلا لمشكلة الإرهاب إلا بتشديد الضربات والسحق والاقتلاع، وهو ما اعتبره البعض أصولا واجبة لضمان نجاح مصر في مواجهة الإرهاب. وتلك دعوة لا تقتصر على عدد محدود من الأصوات، ولكنني أزعم أنها تمثل الصوت الأعلى والمهيمن في خطاب المثقفين والسياسيين فضلا عن المنابر الإعلامية المختلفة. إذ التقى هؤلاء وهؤلاء حول شعار الإبادة هي الحل، الذي صار نشيدا يرددونه صباح مساء، الأمر الذي أصبح إعلانا يجسد بؤس الحالة التي أوصلنا إليها الاستقطاب الذي أصبح يشكل العقبة الأساسية التي تعترض طريق الإصلاح المنشود. وحين ينسد ذلك الباب فإن الإرهاب يغدو بديلا مرشحا للنمو والاستمرار، وتصبح هزيمته أملا بعيد المنال.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2633
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1027
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
666
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9345
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
1323
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1110
| 06 أكتوبر 2026