رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

534

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

حادثة مالقا

16 نوفمبر 2025 , 06:21ص

في الثامن والعشرين من أبريل المنصرم، ضرب ظلام دامس مدينة مالقا الإسبانية. حيث لا تكاد تسمع إلا زَجِّير الموج على سواحل المدينة المعتم جراء انقطاع الكهرباء، والذي كان انقطاعا هائلا ضرب دولتين من الاتحاد الأوروبي وهما إسبانيا والبرتغال. فكانت الحادثة كأنها ومضة من نهاية العالم. حصل الحادث جراء عطل فني عابر، ولكن النتائج كانت ستكون كارثية. حيث كانت تلك اللحظات من الظلام الدامس والفوضى الشاملة بمثابة لمحة صادمة عن هشاشة وجودنا الرقمي والحضاري. لقد غابت الكهرباء والإنترنت والاتصالات الهاتفية عن الملايين لساعات طويلة، مما أدى إلى شلل المطارات، وتوقف المترو، وتعطيل العمليات الحيوية في المستشفيات التي اعتمدت على مولدات الطوارئ. وشوهدت طوابير الأعداد الهائلة من الناس الساعية لأخذ النقود الممكنة من أجهزة الحاسب الآلي المعطلة، والمتاجر المغلقة وهذا ما يدعى بالهشاشة المتسلسلة؛ أي لمحة من «الانهيار الكبير» الممكن حدوثه بأي مكان في عالمنا المعاصر. 

إن الذي كشفت عنه الحادثة، يُرجح سببه إلى ظاهرة نادرة الحدوث لـفرط الجهد الكهربائي المتسلسل في الشبكة الأوروبية، وهذا ما يبين مدى اعتمادنا الكلي على شريان حياة واحد، ألا وهو الكهرباء. ففي غياب هذا الشريان، توقفت الحياة المدنية الحديثة. وتحول السفر إلى جحيم على عابري السبيل، وتأجلت عمليات زرع الأعضاء في المستشفيات، والأدهى من ذلك، حدوث وفيات مباشرة وغير مباشرة، بعضها نتيجة الاختناق جراء استنشاق غاز أول أكسيد الكربون من المولدات البديلة، وبعضها الآخر بسبب الحرائق الناجمة عن استخدام الشموع. حيث كان شراء الشموع بشكل جنوني بسبب العتمة من السكان في ذلك المكان. إن هذه الكارثة أثبتت أن «نهاية العالم» لا يجب أن تأتي بصورة نيزك أو حرب نووية؛ بل قد تبدأ بـخلل بسيط في البنية التحتية، يتضخم ليتحول إلى «انهيار متسلسل» يطيح بأسس مجتمعنا التكنولوجي.

إن العبرة المستخلصة بالنسبة لدولتنا الحبيبة قطر، التي تعد مركزاً حيوياً عالمياً وذات بنية تحتية فائقة الحداثة، فإن درس مالقا يتجاوز حدود الجغرافيا. حيث من الضروري توفر فن إداري لإدارة المخاطر يسمى «بالمرونة الموزعة». حيث يجب أن تعتمد شبكة الطاقة على أكثر من مصدر رئيسي مركزي، مع نظام فصل وحماية متقدم يمنع الانهيار المتسلسل كالذي حصل بمالقا. ويجب أن تكون الأنظمة الحيوية، كالرعاية الصحية والمطارات، مجهزة بمولدات طوارئ لا تعمل فحسب على الكهرباء، بل يتم اختبارها بحلول طاقة ذاتية وبانتظام تحت حمل كامل مستقل.

 كما أن الأمن السيبراني يعتبر من الأولويات القصوى، بالرغم من أن السبب المبدئي كان فنياً، إلا أن خطر الهجمات السيبرانية على شبكات الكهرباء يبقى تهديداً وجودياً. ويجب على وكالة الأمن السيبراني والجهات ذات العلاقة أن تحصن البنية التحتية ضد أي اختراق يمكن أن يسبب هكذا كارثة. ونصيحة للجهات الإعلامية والتعليمية بتوعية الجمهور وتجهيز الورش التطبيقية بسبل البقاء والأمن والسلامة، فيجب تفعيل حملات توعية جادة تجهز المواطنين والمقيمين للتعامل مع انقطاعات طويلة الأمد، بدءاً من تخزين المياه والطعام وصولاً إلى الاستخدام الآمن للمصابيح اليدوية بالطاقات البديلة والمولدات لتفادي الحوادث المأساوية التي شهدتها إسبانيا.

في النهاية، فإن حادثة مالقا تذكرنا بأننا نعيش في عصر من الوهم والهشاشة العظمى، وإن قوتنا الحقيقية لا تكمن في كمية الطاقة التي ينتجها الإنسان، بل في قدرتنا على التأقلم مع الحياة التي خلقها الخالق سبحانه وتعالى بما يرضيه. وأن العمل لن يتوقف عندما تنتهي هذه الطاقة فجأة، سيكون هناك من يأتي مرة أخرى ليقوم على إصلاح العطل وتعود الحياة لسابق عهدها. وهذه حال حياتنا الدنيا. قال تعالى {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} الحديد ٢٠

اقرأ المزيد

alsharq مشكلتنا أننا اعتدنا المشهد

تجدونهم إما مع الأب فقط أو مع الأم فقط أو مع الخادمة فقط! قبل أن تتساءلوا عن سر... اقرأ المزيد

150

| 02 فبراير 2026

alsharq لماذا صار «العقل السيبراني» ضرورة في علاقاتنا؟

ماذا لو كانت أثمن فضائلنا الإنسانية هي نفسها أخطر نقاط ضعفنا؟ في المخيال الأخلاقي تبدو الثقة قيمةً خالصة... اقرأ المزيد

93

| 02 فبراير 2026

alsharq عبدالعزيز السريع.. رجل المسرح النبيل

لم يكن خبر رحيل عبدالعزيز السريع خبرًا عابرًا في صباح عادي، بل كان أشبه بانطفاء مصباح قديم اعتدنا... اقرأ المزيد

144

| 02 فبراير 2026

مساحة إعلانية