رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في كل مرة تقع أحداث بالعالم الإسلامي، وأبرزها حالياً المشهد الهندي وتطرف الحكومة الهندوسية الحالية تجاه المسلمين، مع استمرار معاناة الأيغور في الصين والروهينجيا في بورما، وبالطبع قضية المسلمين الأولى، قضية الأقصى وفتنة الصهاينة، وغيرها من مشكلات ومعاناة المسلمين حول العالم.
أقول: في كل مرة تقع أحداث على ساحتنا الإسلامية أو خارجها تتعلق بنا، تكثر النقاشات في الفضائيات ووسائل الإعلام المتنوعة، وينقسم الناس بسببها بين طارح لفكرة المؤامرة، وقسم ثان يرفضها تماماً، فيما تجد ثالثاً لا يؤيدها، لكنه في الوقت ذاته لا يتجاهلها أيضاً.
وفي خضم تلك النقاشات وكثرتها، قد ينسى الناس لب الموضوع أو المشكلة الرئيسية، والتي أجدها كامنة في عدم فهم الواقع الحالي للأمة، وما يحيط بها من ظروف محلية وأخرى عالمية. وإن الفهم الصحيح لذلك في نظري، هو مفتاح علاج واقع المسلمين اليوم. وهذه خلاصة موضوع اليوم، ومن أحب مزيد تفاصيل، فسيجدها في الفقرات التالية.
بداية لابد من إدراك حقيقة لا يختلف عليها اثنان، هي أن الحضارة الغربية من تقود العالم اليوم منذ عدة قرون، وما المنظمات والهيئات الدولية التي أنشأها الغرب بعد الحرب العالمية الثانية، وجعل مقارها في منطقته أيضاً، إلا لتكون أدوات تساعده على قيادته للحضارة البشرية بصورة فاعلة لحين من الدهر غير قصير، خاصة إذا استمر الغرب في دعم وتعزيز نقاط قوة حضارته، واستمر التابعون له في تبعيتهم، والقبول بواقعهم وضعفهم دون سعي مخلص صحيح لتغييره.
وقد جرت السنن الكونية على أن من يقود الآخرين، تكون عادة توفرت له أسباب القيادة إلى أن يفقدها جميعاً، سبباً سبباً حتى تؤول القيادة إلى حضارة أخرى. وهكذا هي حركة التاريخ أو سنة الكون والحياة "وتلك الأيام نداولها بين الناس".
• الغرب ومنطق القوة
إذن الغرب يتحرك بمنطق القوي في العالم. منطقٌ خلاصته تقول بأن التحرك يكون وفقاً لمصالحي، وإن لم تتوافق مع مصالح غيري، على رغم أن العالم اليوم، من المفترض أن يعمل معاً ضمن منظومة الأمم المتحدة. لكن الواقع العملي يختلف تماماً عن النظري. فالغرب يتحرك بناء على مصلحته وليس مصلحة الآخرين. قوته اليوم تسمح له باتخاذ القرار، بل وتنفيذه باقتدار أيضاً، وهي حقائق واضحة لا غبار عليها، ولا أدري لم لا نستوعبها في العالم الإسلامي؟
لا يجب أن نستغرب تحرك أساطيل وجيوش الناتو إن تضرر فرد في أمة الغرب، أو لحفظ مصالحهم أيضاً - بحسب رؤيتهم وفهمهم لمعنى المصلحة - بغض النظر إن توافقت رؤاهم مع غيرهم من الأمم، أو خالفتها. لا يجب أن نستغرب نحن المسلمين من ذلك، لأن مثل تلك التحركات كانت معروفة في تاريخنا الإسلامي أيضاً، حين كانت الأمة تمتلك أسباب القوة التي تجعلها تحرك الجيوش إن تضرر فرد واحد من قبل أعداء الأمة، أو تعرضت مصالحها للخطر، وفق رؤية من كانوا يقودون الأمة حينذاك، مع الفارق الكبير بين رؤاهم القائمة على المادية ومصالحهم الضيقة، ورؤانا القائمة على الربانية وهداية البشرية، أو هكذا هو الأصل بالنسبة لرؤانا.
• تصحيح نظرية المؤامرة
لكن ماذا عن نظريات المؤامرة التي يؤمن كثيرون بها، ويرفضا كثيرون بالمثل؟ هل فعلاً الغرب يتآمر أو ما زال يخوض في هذا الأمر لم يتوقف؟ الواقع يفيد أن القضية متشعبة وتبقى خلافية، ولكل فريق وجهة نظر في المسألة. لكن موضوع مؤامرات الغرب أو الشرق على الأمة أو على آخرين، فمن المهم إدراكه أنه أمر مرتبط بالبشر منذ قديم الدهر، ومستمر إلى ما شاء الله أن تستمر الحياة. المؤامرات لا يجب أن نستبعدها تماماً، لأنها جزء من الصراع بين البشر، حيث تختلف أساليب المؤامرة بحسب الزمان والمكان وثقافة البشر. والمؤامرة وقبل أن نتعمق أكثر في تفاصيلها – إن سمحت لي أيها القارئ القيام بتعريفها من وجهة نظري – هي تخطيط خفي من أجل تحقيق مصلحة، على حساب مصالح آخرين، بطريقة وأخرى، وسواء اتفقنا على أهدافها وأساليب تنفيذها أم لم نتفق من الناحية الدينية أو الأخلاقية أو القيمية أو غير ذلك.
نحن كأمة مسلمة وقبل فترة الاحتلال، كنا أمة مستهدفة من قوى مختلفة في هذا العالم، نظراً لمسائل السيادة الحضارية، خاصة بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية والفارسية التي تواجهت مع أمة مسلمة فتية، كانت تتعاظم قوتها وتأثيراتها يوماً بعد آخر.
الأمة الإسلامية ولأنها كانت من صنّاع الحضارة في زمن تاريخي امتد لأكثر من ألف عام، وتمت فيه إزاحة حضارات كانت قائمة، رأيت تكاثر الأعداء والمتربصين بها، على اعتبار أن تلك الإزاحة بطبيعة الحال، لا يمكن أن ينساها صنّاعها بسهولة، إذ بقيت المشاعر بالنفوس تغذيها روح الانتقام، وتتوارثها الأجيال لحين وقت معلوم، أو فرصة سانحة لاستعادة ما تمت إزاحته.
اليوم نرى الغلبة والرفعة للغرب منذ أكثر من قرن من الزمان. بدأه باحتلال مناطق شاسعة، استغل ما يمكن استغلاله وبشراهة منقطعة النظير. وحين بدأت الحركات الثورية الطبيعية المضادة في أكثر من بقعة مستعمرة، وجد الغرب الاستعماري نفسه يخسر تدريجياً في مقاومة تلكم الحراكات، فبدأ يخطط للخروج ولكن قبل ذلك فكر وقدّر، وهذا التفكير والتقدير يمكن أن نسميه بحسب حديثنا اليوم بالمؤامرة، حيث صنع الغرب المستعمر أناساً على عينه، يقومون على مصالحه بعد خروجه، فكانت المشاهد الظاهرية لاستقلال الدول، وكانت التقسيمات السياسية المعروفة.
الغرب مصالحه مع الأمة المسلمة في كثير من مناطقها ما زالت كبيرة وكثيرة، وأن يتجاهلنا هذا الغرب كلية، فإنه ليس بالأمر الممكن. ولأن الواقع يتغير كل حين، فلابد من استراتيجيات أخرى، ولابد من عقول تفكر وتخطط وتدبر لجعل حبل الغرب متصلاً بالمنطقة لا ينقطع، وليرسم صورة ذهنية مفادها أن وجوده بالمنطقة أمر ضروري حيوي عند سكانها. وهذا التدبير أو التخطيط والتفكير هو ما يمكن تسميته أيضاً بالمؤامرة. بمعنى آخر، كيف أخطط لأن أبقى عندك وأستفيد منك بصورة وأخرى. هكذا لسان حال الغرب مع أمة الإسلام. هذه هي المؤامرة باختصار شديد. لكن الأهم من هذا هو التساؤل التالي:
• إلى متى دور الضحية؟
الغرب ليس يتآمر علينا فحسب، بل على آخرين كالصين وروسيا والهند وغيرهم. ويحدث العكس أيضاً. فلا تعتقد أن القوى الأخرى في هذا العالم هادئة ساكنة. الكل يخطط ويدبر ويقدّر، أو إن صح التعبير، يتآمر مع غيره على غيرهم، في سبيل مصالح قصيرة أو طويلة الأمد. يحدث هذا في الغرب والشرق، بل في كل الأمم، بما فيها أمتنا وللأسف.
الكل يريد مصلحته، بغض النظر عن آلية وطرائق تحقيق تلك المصلحة، دون أن نخوض في معاني المؤامرة الأخلاقية والقيمية. نتحدث الآن من الجانب النظري البحت فقط. وهذا يدفعنا للتساؤل: ما المشكلة أن يتآمر أحد على أحد، أو إن صح التعبير، يخطط ويدبر للحفاظ على مصالحه؟ وهذا يدفعنا أيضاً لأن نقول: ما المشكلة، وبهذا الفهم، أن يتآمر المسلمون أيضاً على الغرب والشرق وكل من يكن لهم العداوة والبغضاء ؟ وأعني ها هنا التخطيط والتدبير لمصالحنا، ولكن وفق قيمنا وأخلاقنا وديننا بالطبع. فأين الخطأ في هذا؟
القصد من هذا الحديث أننا لا نريد أن نكون دوماً ضحية ألعاب ومؤامرات الآخرين، أو نؤدي ذلكم الدور في لعبة الصراعات. لابد أن نلعب اللعبة ذاتها مع المتآمرين، أو إذا أردنا تخفيف المصطلح بعض الشيء، لابد أن نفكر ونخطط وندبر لتحقيق مصالحنا كما هم يفعلون، عبر مراكز أبحاث ودراسات، ومؤسسات تعني بالتخطيط الاستراتيجي، العسكري والاقتصادي والفكري والثقافي وغيرها، شأننا شأن من يستغلنا ويعادينا.
أليس هذا الدور هو الأفضل أو الأوجب علينا كأمة، بدلاً من الاستمرار في أداء دور الضحية في كل لعبة أو مؤامرة، ومن ثم استجداء عطف الآخرين الذين قد يكونون على شكل دول أو مؤسسات وهيئات دولية، والذين في حقيقة الأمر والواقع، لا أثر لهم ولا وجود فاعلاً في مثل هذه الصراعات. هذا إن لم يكونوا هم من أسباب استمرار أزماتنا وشقائنا؟ فمتى نعي هذه الحقائق ونسيطر على زمام أمورنا، وندخل صراع الأمم والحضارات كصانعين مؤثرين، لا مصنوعين ومتأثرين؟.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات المؤسسات إلى استراتيجياتها الطموحة، أو مواردها المالية، أو قدرتها على مواكبة التطورات التقنية. غير أن التجارب الإدارية المتراكمة تؤكد أن العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح المؤسسات أو تعثرها لا يكمن في الأنظمة والإجراءات وحدها، بل في نوعية القيادة التي توجهها. فالقادة لا يديرون الموارد فقط، بل يصنعون الثقافة التنظيمية، ويحددون طبيعة العلاقات داخل المؤسسة، ويرسمون الحدود بين بيئة عمل تُطلق الطاقات البشرية وأخرى تُقيدها. ومن هنا تبرز أهمية الحديث عن ظاهرة باتت تحظى باهتمام متزايد في الأدبيات الإدارية الحديثة، وهي ظاهرة “المدير السام”. فهذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على الأداء المؤسسي فحسب، بل تمتد إلى ثقافة المنظمة، وصحة العاملين النفسية، وقدرتها على الاحتفاظ بأفضل الكفاءات. عندما تصبح الكفاءة مصدر قلق المدير السام ليس بالضرورة شخصًا محدود الخبرة أو ضعيف الكفاءة. بل قد يكون ناجحًا في إدارة الملفات التشغيلية، ومتمكنًا من عرض الإنجازات أمام الإدارة العليا، وقادرًا على بناء صورة إيجابية لنفسه في المحافل الرسمية والإعلامية. إلا أن مشكلته الحقيقية تكمن في نظرته إلى الآخرين. فبينما يرى القائد الواثق في الموظف المتميز فرصة لتعزيز قوة المؤسسة، قد يرى المدير السام في الشخص الموهوب أو واسع الحضور المهني منافسًا محتملًا لمكانته. وقد كانت Jean Lipman-Blumen من أوائل الباحثين الذين تناولوا مفهوم القيادة السامة بصورة منهجية، موضحة أن بعض القادة ينجحون في الوصول إلى مواقع السلطة رغم السلوكيات المدمرة التي يمارسونها، مستفيدين من قدرتهم على التأثير وصناعة صورة إيجابية لأنفسهم، بينما تبقى الآثار الحقيقية لممارساتهم خفية داخل أروقة المؤسسة. وحين يشعر المدير السام بأن أحد العاملين تحت إدارته يمتلك خبرة أعمق، أو قدرة تحليلية أعلى، أو تأثيرًا اجتماعيًا ومهنيًا أوسع، يبدأ التوجس بالتسلل إلى قراراته. وهنا تتحول الكفاءة من قيمة مضافة إلى مصدر تهديد. ثمن الغيرة المهنية في بعض الحالات لا يتوقف الأمر عند حدود التهميش أو التجاهل، بل يمتد إلى التأثير في المسار الوظيفي للكفاءات المتميزة. فتُحجب فرص الترقية، وتُستبعد بعض الكفاءات من المشاريع المهمة، وقد تصل الأمور أحيانًا إلى إنهاء خدمات أفراد لم يكن ذنبهم سوى أنهم كانوا أكثر نجاحًا أو تأثيرًا أو قدرة على الإنجاز. والمفارقة المؤلمة أن المؤسسة تخسر في هذه الحالات أفضل عقولها، لا بسبب ضعف الأداء، بل بسبب قوة الأداء. وقد أشار الباحثان Robert Hogan وRobert B. Kaiser إلى أن بعض السمات الشخصية مثل النرجسية المفرطة، والحاجة المستمرة إلى السيطرة، والحساسية تجاه المنافسة، قد تساعد بعض الأفراد على الوصول إلى المناصب العليا، لكنها تصبح لاحقًا سببًا في تعثرهم القيادي وإضعاف المؤسسات التي يقودونها. ثقافة الخوف من أبرز سمات المدير السام أيضًا اعتماده على الشك بدل الثقة. فهو يفسر الرأي المختلف باعتباره تحديًا لسلطته، والنقد المهني باعتباره استهدافًا شخصيًا، والاستقلالية الفكرية باعتبارها تمردًا على السلطة. ومع مرور الوقت يسود الصمت داخل المؤسسة. لا يعود الموظفون يسألون: ما القرار الصحيح؟ بل يسألون: ما القرار الذي لن يزعج المدير؟ وهنا تبدأ المؤسسة بفقدان أهم مصادر قوتها: الأفكار الجديدة. وقد وصف المفكر الإداري Warren Bennis القيادة بأنها القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع من خلال كسب ثقة الآخرين لا من خلال فرض السيطرة عليهم. فالثقة هي العملة الأساسية للقيادة الفعالة، وعندما يفقد العاملون ثقتهم بقائدهم يبدأ التراجع التنظيمي حتى وإن ظلت المؤشرات التشغيلية تبدو مستقرة لبعض الوقت. ولا يقتصر أثر هذا المناخ على تراجع الروح المعنوية فحسب، بل يمتد إلى جودة القرارات نفسها. فكلما ازداد الخوف داخل المؤسسة، تراجعت احتمالات ظهور الأفكار الجديدة أو الاعتراضات المهنية التي قد تمنع وقوع الأخطاء. ولهذا تؤكد أبحاث Amy Edmondson أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر فيها العاملون بالأمان النفسي الكافي للتعبير عن آرائهم ومناقشة الأخطاء والتعلم منها دون خشية العقاب أو الإقصاء. كما يشير Patrick Lencioni إلى أن غياب الثقة يمثل الخلل الأول الذي يقود إلى سلسلة من المشكلات التنظيمية تبدأ بالخوف من إبداء الرأي، ثم ضعف الالتزام، وانخفاض المساءلة، وانتهاءً بتراجع النتائج. عندما يصبح المظهر أهم من الحقيقة ومن السمات المتكررة لدى بعض المديرين السامين اهتمامهم المبالغ فيه بالمظهر على حساب الجوهر. فالجوائز، والألقاب، والتغطيات الإعلامية، والعروض التقديمية اللامعة قد تصبح أولوية تتقدم على معالجة المشكلات الحقيقية أو تطوير الكفاءات البشرية أو بناء ثقافة مؤسسية صحية. ويصبح السؤال الذي يحكم كثيرًا من قراراته: كيف نبدو أمام الآخرين؟ بدلاً من كيف نصبح أفضل فعليًا؟ ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بين الصورة الخارجية للمؤسسة وواقعها الداخلي، فتبدو ناجحة في التقارير والعروض الرسمية بينما يعاني العاملون فيها من مشكلات لم تجد من يتعامل معها بجدية وشفافية. وتشير العديد من الدراسات والمقالات المنشورة في Harvard Business Review إلى أن أحد أخطر مؤشرات ضعف القيادة هو اتساع الفجوة بين الصورة التي تعرضها المؤسسة للعالم الخارجي والواقع الذي يعيشه موظفوها في الداخل. فالمؤسسات القوية تبني سمعتها من خلال ثقافتها وأدائها، لا من خلال حملات العلاقات العامة وحدها. الضغوط النفسية تبدأ من هنا كثير من الضغوط النفسية التي يعاني منها العاملون لا تنشأ من طبيعة العمل نفسها، بل من طبيعة العلاقة مع المدير المباشر. فالموظف يستطيع تحمل ساعات عمل طويلة عندما يشعر بالاحترام والإنصاف والتقدير. لكنه يجد صعوبة كبيرة في العمل داخل بيئة يسودها الخوف أو التحيز أو التشكيك المستمر. ويؤكد Daniel Goleman أن الذكاء العاطفي يمثل أحد أهم عناصر القيادة الفعالة. فالقائد الذي يتمتع بالوعي الذاتي والقدرة على إدارة مشاعره والتعامل باحترام مع الآخرين يخلق بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية. أما عندما تغيب هذه المهارات، فإن السلطة الإدارية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر والصراعات والاستنزاف النفسي. وقد أظهرت أبحاث Gallup أن المدير المباشر يمثل أحد أهم العوامل المؤثرة في اندماج الموظفين وإنتاجيتهم واستمرارهم في العمل. ومن هنا جاءت العبارة الشهيرة في أدبيات الإدارة: الناس لا يتركون المؤسسات، بل يتركون المديرين. ما الذي تحتاجه المؤسسات؟ المؤسسات الحديثة لا تحتاج إلى مزيد من السيطرة، بل إلى مزيد من القيادة. تحتاج إلى قادة يمتلكون الثقة بالنفس الكافية للاحتفاء بالكفاءات لا محاربتها، ويعتبرون نجاح الآخرين نجاحًا لهم لا تهديدًا لمكانتهم. فالقائد الحقيقي لا يقاس بعدد الأشخاص الذين يخضعون لسلطته، بل بعدد الأشخاص الذين ساعدهم على النجاح. وقد أشار Jim Collins في دراسته الشهيرة Good to Great إلى أن المؤسسات العظيمة يقودها أشخاص يجمعون بين التواضع الشخصي والإرادة المهنية الصلبة. فهم لا يجعلون المؤسسة امتدادًا لذواتهم، ولا يرون في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانتهم، بل يعتبرون بناء القيادات والكفاءات جزءًا من مسؤوليتهم الأساسية. كما يؤكد Peter Drucker أن المهمة الجوهرية للقيادة ليست إدارة الأشخاص بقدر ما هي تمكينهم من تحقيق أفضل ما لديهم. فالمؤسسة القوية لا تُقاس بعدد التعليمات التي تصدرها الإدارة، بل بقدرتها على تحويل المعرفة والخبرة والموهبة إلى نتائج مستدامة. بعد الرحيل من المفارقات التي تتكرر في كثير من المؤسسات أن الأثر الحقيقي للمدير السام يظهر بعد مغادرته المنصب أكثر مما يظهر أثناء وجوده فيه. فبمجرد رحيله تبدأ الاجتماعات باستعادة روح الحوار، وتتحسن العلاقات بين الإدارات، وتظهر مبادرات كانت مؤجلة، ويزداد استعداد الموظفين للمشاركة والتعبير عن آرائهم. وقد لا تُذكر هذه الحقيقة في التقارير الرسمية، إلا أن حالة الارتياح التي تسود المؤسسة بعد رحيل بعض القيادات تمثل أحيانًا أصدق مؤشر على حجم العبء الذي كانت تشكله تلك القيادة. الخلاصة المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالخوف، ولا تنمو بالشك، ولا تزدهر بإقصاء الكفاءات أو محاربة أصحاب المواهب. إنها تُبنى بالثقة، والعدالة، واحترام الإنسان، وإطلاق الطاقات الكامنة في الأفراد. فالقائد الحقيقي لا يخشى أن يكون من حوله أكثر معرفة أو خبرة في بعض المجالات، لأنه يدرك أن نجاحهم هو نجاح المؤسسة بأكملها. أما المدير السام فيرى في كل موهبة تهديدًا، وفي كل رأي مستقل تحديًا، وفي كل نجاح لغيره انتقاصًا من مكانته. الخوف قد يفرض الطاعة مؤقتًا، لكنه لا يصنع ولاءً، ولا يطلق إبداعًا، ولا يبني مؤسسة عظيمة.
1458
| 23 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1314
| 19 مايو 2026
لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ ثقافي موسمي يتكرر في أجندة الفعاليات القطرية كل عام، بل هو مساحة حيوية تلتقي فيها الأفكار ويتحرر فيها الخيال، ليصبح تظاهرة حضارية تتقاطع عندها كافة أطياف المعرفة وثقافات الشعوب. لقد تجدد المشهد في هذه النسخة بثوبٍ أنيق يتسم بالاحترافية، في معرض الدوحة للكتاب تزاحمت دور النشر بالإصدارات المتنوعة، وهو ما يحمل في طياته رسائل عميقة؛ فالتنظيم المتقن والأنشطة المتعددة ليست سوى انعكاس لأهداف سامية تستهدف بناء الإنسان، كباراً وصغاراً، وتغرس في نفوسهم شغف القراءة كنهج حياة. إننا حينما نطالع الكتب، لا نكتفي برؤية العالم من خلالها فحسب، بل إننا نرى أنفسنا أيضاً؛ نرى ذاتنا وأحلامنا وتاريخنا في تلك الحروف التي يخطها كتابنا ومثقفونا وشعراؤنا. فالكتاب بصفة عامة هو حيزٌ إنساني رحب، يخاطب الإنسان حيثما كان وبأي لغةٍ نطق، وعندما يخطو الكتاب نحو العالمية، فإنه يُقرأ بعيون مختلفة وثقافات متباينة، مما يعزز قيم التواصل الإنساني. ولا ننسى في هذا المقام أن نشير الى إن العرب كانوا من أوائل صنّاع خريطة العلوم والأدب العالمي، ولنا في تراثنا أمثلةٌ شاخصة؛ منها مؤلفات ابن حيان التي وضعت لبنات العلوم، وصولاً إلى الحكايات العربية التي عبرت الحدود، كقصة "الفارس الملثم" مثلاً التي انتقلت من الأدب العربي لتترجم وتُصاغ عالمياً في شخصيات مثل "روبن هود" و"زورو"، في دلالة واضحة على تأثير الإبداع العربي الممتد عبر العصور. ختاماً، تبقى الثقافة خط الدفاع الأول في وجه مسببات الفرقة والفتنة والشرور؛ فهي الملاذ الآمن لفهم الإنسان، وكما قيل: "إذا أردت أن تفهم إنساناً، فاقرأ أدبه". ومعرض الدوحة للكتاب يظلُّ، في كل عام، منارةً تؤكد أنَّ درب الثقافة هو الطريق الأمثل لمد جسور المحبة بين البشر، وبناء إنسانٍ واعٍ قادر على التغيير والارتقاء بوطنه وأمته.
1116
| 21 مايو 2026