رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تسارعت خطوات التطبيع وتعويم نظام الأسد في سوريا تزامناً مع الذكرى الثانية عشرة للثورة السورية في مارس 2011. وتكثف بشكل أكبر مع تداعيات كارثة الزلزال المدمر الذي ضرب جنوب تركيا وشمال غرب سوريا مطلع فبراير الماضي وتداعي الدول العربية ودول حول العالم لإغاثة ومساعدة الشعب السوري الذي معظم ضحايا الزلزال في مناطق خارج سيطرة النظام في محافظة إدلب وريفها وريف حلب، حيث تسيطر المعارضة ومعظم السكان لاجئون أُجبروا على اللجوء والنزوح من مناطقهم وقراهم بعد عسكرة النظام ولاحقاً قوى ومنظمات إقليمية ودولية ثورة السوريين واختطافها من جماعات متطرفة بما فيها تنظيم الدولة الإسلامية داعش وقبلها تدخل إيران ولاحقاً روسيا منذ عام 2015، لتعود إلى الشرق الأوسط من بوابة سوريا.
بدأ تأهيل النظام حتى قبل كارثة الزلزال بتطبيع دول عربية وإعادة فتح السفارات بعد قطيعة منذ 2012. ولكن تكثفت خطوات التقارب والتعويم والمساعي لإعادة سوريا إلى الحضن العربي. لكن خطوات التطبيع على المستوى الإقليمي وخفض التوتر والتقارب بين خصوم الأمس اكتسب زخماً بعد تمكين ونجاح وساطة الصين بتحقيق اختراق لبدء التطبيع والتوصل لاتفاق على إعادة العلاقات السعودية- الإيرانية بعد سبعة أعوام من القطيعة بين ضفتي الخليج. تمثلت باشتباكات في حرب باردة شملت وكلاء إيران التي فاخرت منذ عقد بسيطرتها على أربع عواصم عربية- اليمن، سوريا العراق، ولبنان.
انعكس التقارب السعودي- الإيراني على انفراجات في أزمات المنطقة أبرزها بعد شهر من التقارب: التهدئة في اليمن والعمل على التطبيع وتأهيل النظام السوري لاستعادة سوريا مقعدها في الجامعة العربية.
ليكتسب التطبيع العربي مع النظام السوري زخماً أكبر تمثل بزيارات رسمية لرئيس النظام السوري إلى سلطنة عمان ودولة الإمارات العربية المتحدة وزيارات قام بها وزير خارجية الأسد إلى القاهرة وقبل أيام إلى الرياض، واستضافت دمشق 9 وفود لوزراء خارجية ومسؤولين عرب وإيرانيين في الفترة الأخيرة، بما فيها وزراء خارجية مصر والإمارات والأردن ولبنان، وأعلن الرئيس التونسي إعادة فتح السفارة التونسية في دمشق واستئناف العلاقات الدبلوماسية. كما زار الأسد موسكو وقام وزير الخارجية الإيراني وقائد الحرس الثورة الإيراني بزيارة دمشق!
كما كان ملفتاً زيارة وزير الخارجية السوري فيصل المقداد للرياض ولقاؤه وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان «وبحث إيجاد حل سياسي للصراع في سوريا»، وتضمين البيان المشترك ست قضايا: «تعزيز الأمن ومكافحة الإرهاب بكافة أشكاله وتنظيماته، وتعزيز التعاون بشأن مكافحة تهريب المخدرات والاتجار بها. وتهيئة الظروف المناسبة لعودة اللاجئين والنازحين وتحقيق تسوية سياسية شاملة للأزمة السورية تنهي كافة تداعياتها، وتحقق المصالحة الوطنية، وتساهم في عودة سوريا إلى محيطها العربي، واستئناف دورها الطبيعي في الوطن العربي. لكن هذا لا يحل معضلة أزمة سوريا وشعبها الذي يبقى نصفه لاجئاً في الخارج ونازحاً في الداخل.
لكن ما يجب الإشارة إليه أن ذلك التقارب والتطبيع من كثير من الدول والأنظمة العربية، يصطدم التقارب العربي- العربي لإعادة سوريا للحضن العربي بعقبتين. الأولى غياب إجماع عربي على تطبيع وتأهيل النظام السوري وإعادة سوريا إلى محيطها العربي واستعادة مقعدها في جامعة الدول العربية. أوردت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية- نقلاً عن مسؤولين عرب، أنّ ما لا يقل عن خمس دول عربية هي المغرب والكويت وقطر واليمن، «يرفضون إعادة انضمام النظام السوري إلى جامعة الدول العربية». وتطالب الدول المعارضة لعودة سوريا للجامعة العربية ضمان نظام الأسد التعامل أولاً مع المعارضة السياسية السورية بطريقة تمنح جميع السوريين صوتاً لتقرير مستقبلهم.
كان موقف قطر أوضح موقف من الدول التي تتحفظ على تعويم واستعادة سوريا لمقعدها في جامعة الدول العربية، عبَّر رئيس الوزراء وزير خارجية دولة قطر الشيخ محمد بن عبدالرحمن في مقابلة مع تلفزيون قطر عشية لقاء وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي ونظرائهم في مصر والعراق والأردن بدعوة الأمانة العامة للمجلس في الرياض: لا يوجد شيء مطروح، تأكيد الشيخ محمد بن عبدالرحمن «إن عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية مجرد تكهنات»... و»أسباب تعليق عضوية دمشق لا تزال قائمة» بالنسبة للدوحة... «كانت هناك أسباب لتعليق عضوية سوريا ومقاطعة النظام السوري، وهذه الأسباب لا تزال قائمة بالنسبة لدولة قطر».
كما تصطدم مساعي تأهيل العرب لنظام الأسد بالرفض والعقوبات الأمريكية وقانون قيصر الذي يفرض عقوبات ثانوية على من يخرق تلك العقوبات من الأطراف العربية وغيرها قبل التزام نظام الأسد بالحل السياسي وخاصة قرار 2254.
لكن لا يبدو برغم الزخم وقبل شهر من استضافة السعودية القمة الدورية الثانية والثلاثين في 19 مايو القادم، سيدعى الأسد للمشاركة في القمة واستعادة مقعد سوريا في جامعة الدول العربية. لم يرد في البيان الختامي للقاء التشاوري لوزراء خارجية دول مجلس التعاون ومصر والعراق والأردن في جدة الجمعة الماضي لعدم التوافق على دعوة سوريا للمشاركة في القمة العربية القادمة.
والأهم ما لم يشترط التطبيع وعودة سوريا وتسارع خطوات التطبيع العربي لإعادة سوريا للحضن العربي بعيداً عن إيران وهذا ليس بالأمر السهل، لأن سوريا تشكل قلب محور ما يسمى بـ «محور المقاومة»، خارطة طريق تشمل توافقا يدمج جميع القوى الفاعلة في الداخل السوري والمعارضة، لتحقيق حل سياسي شامل. يرتكز على مرجعية القرارات الدولية وخاصة القرار 2254 وجنيف1-ومصالحة وطنية وحكومة انتقالية، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وعودة اللاجئين والمهجرين والنازحين لمدنهم وقراهم التي أجبروا على الفرار منها، وخروج التنظيمات والمليشيات الأجنبية المسلحة. واعتماد دستور جديد وانتخابات رئاسية وبرلمانية شاملة، ورفع العقوبات، فلن يكون هناك حل نهائي للمأساة السورية. لهذا على القادة العرب التوافق على خارطة طريق وبشروط واضحة قبل احتضان وعودة سوريا للحضن العربي!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @docshayji
@docshyji
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4500
| 06 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
4038
| 07 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم يمنحك القبول الذي تنتظره؟ وكم مرة شعرت أنَّ قيمتك ترتفع أو تنخفض تبعا لنظرة الآخرين؟ في زمن أصبحت فيه المعايير خارجية، ينسى كثيرون أن القيمة الحقيقية لا تستأجر من الآخرين، ولا تُمنح بقرارٍ من أحد، بل تُبنى من الداخل وتبقى رغم كل التقلبات. ولو سألنا عن ماهية القيمة المستأجرة، فسنجدها في أن يربط الإنسان قيمته برضا الآخرين، فيعيش أسير تقييماتهم، يعلو حين يُقبل، وينهار حين يُرفض، وهنا تحديداً يبدأ الصراع القاهر مع الذات، حيث تصبح الحياة سلسلة محاولات لإرضاء الخارج، بدل فهم الداخل. ولتوضيح الأمر ليبدو المشهد أكثر وضوحاً، هو أنَّ كثيرين يتأرجحون على سلّم تقييم الآخرين، دون وعي كافٍ بذواتهم، ما يجعلهم في حالة استنزاف دائم، رغم أنَّ كثيراً من تجارب الحياة لا يمكن السيطرة عليها، لذلك، فإن استعادة القيمة من الداخل ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة نفسية، تعيد للإنسان توازنه، وتحرره من عبء تقييم الآخرين. ولا تقف هذه الفكرة عند حدود التأمل النظري، بل تمتد إلى ما تؤكده الدراسات النفسية الحديثة، إذ تشير أبحاث إلى أن ربط تقدير الذات بعوامل خارجية—كالمظهر أو القبول الاجتماعي أو الإنجاز—يجعل الإنسان أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، مقارنةً بمن يستندون إلى ما يُعرف بـ تقدير الذات الداخلي القائم على القيم الشخصية والمعنى، والتي لا تتأثر وفق نظرة الآخرين التي يصدرونها إلينا وفق الموقف أو وفق أمزجتهم. هذا التفريق ليس جديداً، فقد ميّز كارل روجرز أحد مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس بين "الذات الحقيقية" و"الذات المشروطة"، موضحاً أن الإنسان كلما عاش وفق شروط الآخرين طلبا للقبول، ابتعد عن ذاته الأصلية، ودخل في حالة اغتراب نفسي قد لا تبدو واضحة للعيان، لكنها تُستنزف شيئاً فشيئاً. وفي السياق ذاته يذهب نثانيل براندين الذي تحدث عن الأركان الستة لتقدير الذات، أن الذات لا تبنى من خلال ما نحصل عليه من اعتراف خارجي، بل من خلال شعور داخلي بالكفاءة والاستحقاق، يتشكل عبر ممارسات عملية يومية تهدف إلى تعزيز الثقة والقيمة الذاتية، كالعيش بوعي، تقبل الذات، تحمل المسؤولية الذاتية، توكيد الذات، العيش بهدف، والنزاهة الشخصية، وأنَّ إيمان الإنسان بقدرته على التأثير في مجريات حياته هو أحد أهم مصادر التوازن النفسي، هذا الإيمان لا يُمنح من الخارج، بل يتشكل عبر التجربة، والتكرار، وتحمل المسؤولية، بمعنى آخر، القيمة لا تُستورد من الخارج بل الشخص هو مصدرها. وهنا يتضح جوهر المسألة ويكشف أنَّ المشكلة ليست في المحيطين بنا، بل في المكان الذي نضع فيه أنفسنا بالنسبة لهم، حين تصبح نظرة الآخر مرآتنا الوحيدة، نفقد القدرة على رؤية أنفسنا بوضوح، وحين نُعلّق قيمتنا على قبول متقلب، نُدخل أنفسنا في معادلة خاسرة؛ لأن هذا القبول الخارجي أو المعتمد على الآخرين بطبيعته غير ثابت، ولا يمكن التحكم فيه. فالسؤال من نحن بدون القيمة الممنوحة لنا من الخارج!؟، وماذا يبقى منَّا عندما يغيب تصفيق الآخرين؟، فالإجابة الصادقة على هذا السؤال هي بداية التحرر من القيمة المستأجرة، لأن الإنسان الذي يعرف نفسه، لا ينتظر تعريفا من أحد، ولن يعتمد على نظرة الآخرين له. هُنا عليك أن تُذكّر نفسك، باستمرار، أنَّ قيمتك لا تُقاس بحجم الإعجاب الذي تحصده، ولا بعدد الألقاب التي تحملها، بل بمدى صدقك مع ذاتك، وبالدور الذي تؤديه في محيطك مهما بدا هذا الدور صغيراً، فالأثر الحقيقي لا يُقاس بضجيج الفعل، بل بما يتركه من معنى. ختاماً.. قد لا تستطيع التحكم في كيف يراك الآخرون، لكنك تملك بيدك أن تختار كيف ترى نفسك، وهذه في حقيقة الأمر الأكثر صعوبة، لكنها الحقيقة التي تستقر في عمق الوعي متوسدة عقولنا وتمتد إلى جنبات حياتنا.
1956
| 05 مايو 2026