رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
موقف ما قد يحدث أمامك فيظل عالقا بخاطرك لدلالته أو وجعه، كان الموقف بطوارئ الانتظار بالنساء والولادة، خلف (الكونتر) تجلس موظفة، الصالة تعج بالدعوات من أمهات لبناتهن اللائي دخلن في حالة ولادة، أمام الزجاج الفاصل بين الموظفة والزائرات بالصالة وقفت سيدة تطلب من الموظفة السماح لها بالدخول لرؤية ابنتها التي سبقتها بالمستشفى، فلم تسمح لها، مر الوقت كئيباً على السيدة التي ترجو الدخول لابنتها وقد دخلت حجرة الولادة من 12.30 ظهراً حتى جن الليل ولم تعرف شيئاً عنها، طوال الوقت والأم تبكي، وترجو الدخول خاصة أن الزائرات في صالة الانتظار سُمح لهن بالدخول إلا هي، صارت السيدة تدق الباب، والزجاج، وتصرخ (أشوف بنتي.. أرجوكم) وكان الرد توافد وجوه إلى الحاجز الزجاجي لتقول لها "خمس دقائق بس"، وتمر خمس دقائق، وعشر، وعشرون، وساعة، وساعتان والأم تبكي، وتصرخ، وتنادي... أشوف بنتي.. أرجوكم، لكن لا حياة لمن تنادي، وظلت على هذا الحال المؤلم الذي أدى إلى ارتفاع ضغطها ودخولها في حالة صعبة من الإعياء، اجتهدت السيدات الموجودات لإفاقتها وإسعافها حتى خرجت لها طبيبة من حجرة العمليات لتقول لها (احتسبي وقولي اللهم أجرني في مصيبتي وارزقني خيرا منها) قالت هذه الكلمات كمن يقول بيانا عسكريا، دون أي إحساس بالكلمات ولا أي رأفة بالسيدة التي سقطت على كرسي دون أن تنطق، فقد أصابها ذهول الخبر، وأيقنت أن ما توجست به نفسها قد حدث لتروح في وصلة بكاء وانهيار جديد، في تلك اللحظة وصل ضابط الفزعة الذي استدعي لطوارئ النساء والولادة لأن زائرة تحدث جلبة، وتحطم الزجاج، نظر الرجل فوجد السيدة في حالة صحية صعبة لا تكاد تلتقط أنفاسها مما حل بها، واستوضح الأمر، سأل الشرطية الموجودة خلف الزجاج من الذي استدعى (الفزعة) قالت أنا، سألها لماذا؟ قالت طلب الأطباء ذلك مني، وتقصى الضابط الحقيقة ليتأكد من أنه لا تلفيات ولا يحزنون اللهم إلا أم في حالة هلع على ابنتها، منعها الأطباء والممرضون من الدخول لأن الطفلة ماتت، والأم في حالة نزف شديد مما هدد قلبها بالتوقف بعد هبوط الهيموجلوبين من 12 إلى 7، وكان لزاماً إخفاء ما حدث عن السيدة المنهارة أمام (الكونتر) والتي مضت سبع ساعات ولم تطمئن على ابنتها ولم تدخل إليها، وبالمرة تلفيق تهمة لإلهائها، أسموها كسر الزجاج والتلفيات، ولما تأكد الضابط من كذب الادعاءات أسمع الموجودين من التوبيخ ما استحقوه وقال (استحوا الطفلة ماتت، والأم تنزف، وتستكثرون على الناس أن يتألموا خلكوا بني آدمين وقدروا مشاعر الناس، ثم واسى الجدة، وعزاها وانصرف!
تحية فارعة للضابط النشمي على مشاعره الإنسانية، وتقديره لأوجاع الناس ورأفته بآلامهم، تحية للفزعة كلها ولكل مواقفها التي تدعو إلى الاحترام، والتقدير، ويا ليت أصحاب الوجوه (النشفة) يتعلمون ويرحمون.
* * * *
يا ريت نعرف إحصائية حقيقية لمن يحبون بعض (بجد) دون مصلحة، ولا غرض، ولا شيلني واشيلك، ولا خد وهات، ولا من أجل إن وكل أقاربها، ياريت نعرف (مين بيحب مين حب حقيقي خالص)، وياريت نعرف ما مسوغات ذلك الحب وكيف يعيش ويستمر؟ مضطرة مع كل ما أرى من مهازل، وطعن، (وقلة أ....) مضطرة أن أسأل هل يستمر الحب بسبب الوفاء؟ ياما ناس وفت وقوبلت بأخس أشكال الغدر! هل يستمر الحب بسبب الاهتمام؟ ياما ناس اهتمت بناس، وعندما اكتفى المعنيون وشبعوا اهتماما ودلعا قلبوا لمن اهتم بهم ودللهم ظهر المجن كأنهم ما عرفوهم قط!!
طيب هل يستمر الحب بسبب الوجود الدائم إلى جانب صديقك (المزنوق) على طول بمساعدات لا تنقطع؟ ياما ناس أعرفهم كانوا لأصدقائهم بمثابة (بنك مركزي) يمنح قروض محبته دون فوائد، بل ويمنعهم نبلهم من طلبها بعد سنوات من الصديق الحبوب ومع ذلك لم يشفع ذلك النبل، ولا تلك الشهامة في أن يضرب الشهم في قلبه ربما لأنه لم يوافق ظالماً على ظلمه، ولا كاذبا على افترائه، فضاعت حكاية الحب الجميلة عقابا على الصدق المذموم! طيب فين الحب؟ مين بيحب؟ وفين الأمارة؟ الحقيقة مفيش أمارة، فيه تجمل مذموم، فيه تمثيل، فيه أقنعة، نعم مفيش أمارة فيه كذب وتلون بجسارة، وعلى المتضرر أن يلجأ للقضاء.
ولأن في البشر حب (التيك أواي) الذي لا أصل له ولا فصل، ولا جذور ولا فروع، ولأن متضررين كثيرين يعانون من كسوره الفادحة، وحروقه الفظيعة، وقطوعه المؤلمة، لابد من بلسم يداوي بشر الكوكب الذين أصابهم غدر الحب في مقتل هذا رغم الدباديب، والقلوب، والورود الحمراء والإهداءات الحارة التي تسفه من أقدس ما يمكن أن يجمع الإنسان بالإنسان في شعور اسمه (الحب) ولأن البلسم ضروري لكل من أصيبوا بشظايا غدر الحب والمحبوب لابد لنا من سلوى في كلمات من نستمع إليه فننصت، ومن ينصحنا فننتبه، يقول د. عائض القرني في أجمل ما قرأت له: انس الأسماء التي مضت، والتي تكدر ذكرياتك، واكتب على قلبك أسماء ناس (تستاهل غلاك) انس البشر، ومن جديد ابدأ حياتك، وخلك مع ناس يقولون لك العمر ما يسوى بدونك، لا أحد يستحق أن ترهق تفكيرك به فمن يريدك لذاتك لن يخذلك، لا تحزن على من جعلك أضحوكة بتهمة الوفاء، ولا على من أشعرك بأن طيبتك غباء أمام خبثه، لا تحزن على من كان يعني لك الجميع واكتشفت أنه لا شيء، لا تحزن على من استأمنته على كل شيء، وكان أول ما فرط فيه هو أنت، لا تحزن، ابتسم فأنت لم تخسر شيئاً.
* * * طبقات فوق الهمس
* محل للورود كتب على واجهته (مغلق مؤقتا مقاطعة لبدعة احتفال عيد الحب) وتعاونوا على البر والتقوى، تعظيم سلام للمحل وصاحبه.
* إذا كان أمس يوم ميلادك أو اليوم فانفض ظلمك، وحاول اللحاق بقافلة الصالحين، حاول أن تفهم أنك تقترب من حفرة عميقة، وسؤال، ونوم طويل إما في نعيم أو في غيابات الجحيم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4362
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3195
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1233
| 28 سبتمبر 2026