رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قضية المصريين الذين اختطفتهم «داعش» في ليبيا وأظهرتهم وهم يرتدون ثياب الإعدام البرتقالية يوم الخميس الماضي (١٢/٢) تحيط بها تعقيدات كثيرة، لا تسمح بالتعجل بالتفاؤل بشأن مصيرهم، على الأقل فذلك ما خرجت به من اتصالات أجريتها خلال الثماني والأربعين ساعة الماضية مع بعض ذوي الصلة، أغلبهم من الليبيين المطلعين سواء في طرابلس العاصمة أو في مدينة سرت التي يحتجز فيها المخطوفون، حصيلة الاتصالات ألخصها فيما يلي:
< عملية الاختطاف تمت على مرحلتين خارج مدينة سرت منذ نحو شهر ونصف الشهر، في الأول اختطف ١٣ شخصا وفي الثانية اختطف ثمانية. لكنهم نقلوا أخيرا إلى سرت وتم إيداعهم في مجمع «واجادوجو» الذي بني في عهد القذافي ويحمل اسم عاصمة بوركينا فاسو.
< ظهور داعش في مدينة سرت كان مفاجئا للجميع، بما في ذلك سلطة المؤتمر الوطني المتمركزة في طرابلس، إذ كان معروفا عن سرت أنها معقل قبيلة القذاذفة التي انتمى إليها الرئيس السابق. ولم تكن على ولاء للثورة، إلا أن أنصار الشريعة كان لهم نشاطهم الأبرز فيها، وكانوا يحتفظون بعلاقات طيبة مع الأهالي نظرا لاهتمامهم بالأعمال الخيرية والأنشطة الاجتماعية.
< تبين أن داعش وصلت إلى سرت خلال الأسابيع الماضية واستقطبت أعدادا من شباب القذاذفة المتدينين وعناصر من عدة قبائل أخرى كما اخترقت صفوف تنظيم أنصار الشريعة وجذبت عددا من أنصارهم.
< أقام التنظيم الوافد قاعدة له في المدينة، والذين تولوا أمره من أنصار «الدولة الإسلامية» لم يكونوا ليبيين، لكنهم ينتمون إلى جنسيات عربية أخرى. وحين قام نفر منهم بالعملية الانتحارية التي استهدفت تفجير فندق «كورنثيا» الذي كان يقيم فيه أعضاء حكومة طرابلس، تبين أنهم ثلاثة، أحدهما يمني والاثنان تونسيان. (التنظيم عين «أميرا» لما سموه ولاية طرابلس اسمه أبوطلحة التونسي).
< انتهزت جماعة داعش فرصة ضعف السلطة المركزية وغيابها، فاستجلبوا بعضا من أنصارهم ونسجوا علاقاتهم مع شباب القبائل في سرت وقاموا في الأسبوع الماضي بالاستيلاء على محطتين إذاعيتين وعلى بعض مؤسسات الدولة (مكتب الجوازات والضمان الاجتماعي)، كما استولوا على فندق «المهارى»، أحد أكبر الفنادق بالمدينة، وعبر الإذاعة بثوا أناشيدهم وخطب «خليفة» الدولة الإسلامية أبوبكر البغدادي. وتولى مؤيدوهم خطبة الجمعة التي دعوا الناس فيها إلى بيعة الخليفة، وإلى إعلان ما سموه بالاستتابة التي تعني إعلان الولاء للدولة المذكورة والانخراط في فكر السلفية الجهادية.
< في إذاعاتهم وخطبهم هاجموا بشدة حكومة طرابلس واعتبروها مرتدة بدعوى أنها لا تطبق الشريعة الإسلامية، الأمر الذي مكن التنظيم من تجنيد أنصار جدد وتوسيع نطاق قاعدته في أوساط المتدينين.
< في حين كانت حكومة طرابلس مشغولة بالاشتباك مع حكومة طبرق وجماعة اللواء حفتر، فإن تنظيم داعش كان يتمدد في سرت ويقيم علاقاته مع قبائل منطقة الوسط التي تنتشر فيها النزعة الدينية. وفي المقدمة منها قبائل أورفلى والمقارحة فضلا عن القذاذفة، إلا أن الأمر اختلف حين ظهرت صور المصريين بثياب الإعدام وبدا أن هناك احتمالا لتنفيذ حكم الإعدام بحقهم.
< يوم السبت (١٤/٢) دعا رئيس المؤتمر الوطني نور الدين بوسهمين إلى اجتماع في طرابلس لبحث الموقف في سرت، حضره مسؤولو الداخلية والأمن والمخابرات والجيش، وتم الاتفاق فيه على تشكيل قوة مشتركة لتأمين مدينة سرت، وفرض سلطة الدولة على المرافق التي استولى عليها تنظيم داعش. وفي الوقت ذاته قيل لي إن إحدى الكتائب ستتحرك من مصراتة قاصدة سرت لتحقيق الهدف ذاته.
< من الملاحظات المهمة التي سجلها البيان الصادر عن الاجتماع أن السلطات المصرية لم تجر اتصالا مع حكومة طرابلس بخصوص موضوع المصريين المختطفين، ولذلك فليست هناك أي معلومات عنهم، سواء تعلقت بأسمائهم أو الجهات التي كانوا يعملون فيها.
< لا أعرف مدى جدية قرار تشكل قوة عسكرية لبسط سيطرة الدولة على سرت، لكن هذه الخطوة لا تخلو من خطورة، إذ ليس مستبعدا أن تقدم جماعة داعش على إعدام المصريين المحتجزين إذا أدركوا أنهم بصدد مواجهة عسكرية استهدفت تخليصهم، وعلى حد تعبير أحد المصادر الليبية، فإن الجماعة ليسوا أهل تفاهم، ناهيك عن أن قرار القتل عندهم أمره سهل ولا يحتمل التردد.
هذه الخلفية تستدعي ملاحظتين، الأولى أن اصطفاف السلطة المصرية إلى جانب حكومة طبرق وجماعة حفتر وتبنيها موقف القطيعة مع حكومة طرابلس، قطع خطوط الاتصال مع الجهة التي كان يمكن أن تتعاون مع الحكومة المصرية في حل الإشكال. وكانت النتيجة أن حكومة طرابلس ظلت خارج الموضوع طول الوقت، حتى أن أحد الأصدقاء الليبيين قال لي إنه حين تحدث صباح السبت عن قضية المصريين المختطفين مع أحد كبار المسؤولين عن المؤتمر الوطني، فإنه اكتشف أنه لا علم له بالموضوع أصلا.
الملاحظة الثانية أن التحرك المصري بدا حثيثا ونشطا بعد ظهور المصريين بثياب الإعدام في الصور التي وزعتها داعش أخيرا، وهو ما يثير أكثر من سؤال حول تفسير الصمت الذي ران على القضية طوال شهر ونصف الشهر، وما إذا كان ذلك راجعا إلى أن السلطات المصرية لم تكن تعلم بالقضية، أم أنها علمت وسكتت، أم أنها كانت تتحرك في السر ولكن تحركها لم يحالفه التوفيق. وفي كل الأحوال فإن الرأي العام المصري ظل مغيبا عن الموضوع.
المشهد يثير أسئلة كثيرة أهمها السؤال التالي: هل كان يمكن إنقاذ المختطفين لو أن مصر تحركت مبكرا، ولم تكن طرفا في الاستقطاب الحاصل في ليبيا المليء بالتعقيدات التي لا تعرفها الحالة المصرية؟
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2639
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1042
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
684
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12138
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
9543
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3453
| 22 أكتوبر 2026