رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد انقشاع غبار ثورتي تونس ومصر اللتين غيرتا وجه المنطقة ووضعتاها على بداية عهد جديد مفعم بالأمل، وواعد باستعادة دورها الحضاري.. ثمة تساؤلات مشروعة فرضتها مستجدات كثيرة ومتغيرات متعددة هي بحاجة من المعنيين بها إلى إجابات شافية وتغييرات مسلكية واضحة:
1ـ الشباب: كتب الكثير عن الشباب العربي، وكيلت له أرقى عبارات المديح والثناء، في الأيام الماضية، على نحو غير معهود، ـ وهي صادقة فيما نحسب ـ بحكم أنه كان شرارة الثورتين التي انتزعت الخوف من قلوب الناس ـ الكبار قبل الصغار ـ للوقوف في وجه الطغاة بصدور عارية، والمحرّض على انطلاقتهما، وقائد صفوفهما الأولى، ووقودهما الذي لم يبخل عليهما بأغلى ما يملكه البشر: الحياة.. في وقفة ثبات وعزة أمام سلطان جائر.
ما زلت أتذكر مقالا أعجبني لكاتب سياسي وقيادي حزبي عربي، كان قد كتبه في أوج ثورة الأحرار في تونس وعنونه مخاطبا الشباب في بلاده: "أزيحونا وأريحونا" جاء فيه: "أزيحونا وأريحونا.. فأنتم أقدر على الرؤية وأقدر على الفعل، وأقدر على التواصل، وأقدر على الحركة، وما يعجبكم من قولنا فاقبلوه، وما رابكم فارفضوه. والحياة مبادرة، وشباب اللحظة الحرجة لا يستعير جناحا يطير به".
والآن.. وبعد أن هدأ نقع الثورتين وغابت المظاهرات المليونية عن ساحات تونس العاصمة وميادين القاهرة والإسكندرية وغيرها.. ترى هل سيمكّن الشباب من المكانة التي تليق به في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية للأمة، وهل سنشهد تغيرا في النظرة القاصرة إليه المشككة به وبقدراته، هل سيبقى الشباب برأي من يعتبرون أنفسهم كبارا ـ في السن ـ صغارا في إمكاناتهم وهم في سن الثلاثين أو ما يزيد على ذلك، وهل سيظل مقياس الخبرة والقيادة قاصرا على السن فقط دون النظر إلى الملكات والقدرات والطاقات التي تختلف من شخص لآخر.. وهل ستفسح له صدارة الأحزاب السياسية والنقابات المهنية، وزعامة المؤسسات الفكرية والثقافية والوزارات بعد ظلت لعقود حكرا على الشيوخ وأصحاب الحكمة.. هل وهل..
2ـ النضال والتغيير السلمي: كثيرون كانوا لا يأبهون لهذا النضال ولا يلقون له بالا، وربما كان بعضهم لا يعتقدون أن بإمكانه صنع التحولات والتغيير في عالمنا العربي، وربما أحجم آخرون عن الاقتراب إليه خشية من بطش الدكتاتوريات وسحق المدنيين من الشعوب، أو على مذهب " لا يفلّ الحديد إلاّ الحديد ".. ربما وربما.
ما حدث في تونس وأكدته مصر كشف عن قوة هذا السلاح في بلوغ الحق إلى غاياته وبأقل التكاليف، وعن الوسائل الحضارية الراقية التي يستخدمها، وتغييره للصورة النمطية لشعوبنا باعتبارها تجنح للعنف والتشفي في تعاملها مع خصومها، خصوصا لدى من يدعون التمدن والرقي والتحضر في العالم الغربي.
وعلى نحو متصل لم يكن المستبدون من الحكام وبطانة السوء والنفاق من حولهم يؤمنون بمضاء هذا السلاح الفعال لذا سخروا منه بادئ ذي بدء ونعتوا مستخدميه بأقذع النعوت (المخربون، المشاغبون..) معتقدين أن بإمكانهم الإفلات من حبائله، ثم عمدوا للتهوين من شأنه، ثم الالتفاف على قوته الجماهيرية، والاحتيال عليه في محاولة لوقف مدّه الهادر ظنا منهم أن بإمكانهم إعادة عجلة التاريخ إلى الخلف، لكنهم سلموا في نهاية المطاف واضطروا للتنحي أو الهرب صاغرين.
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل سنجد من يتخوف من شهر هذا السلاح مرة ثالثة ورابعة وعاشرة في وجه ظالم بدعوى قوة بطشه أو بوليسية نظامه.. أم أن يجب أن تلام ثقافة الخوف واللامبالاة والتقصير والتبرير لدى الجماهير، وهل سيبقى المستبدون على مسافة بعيدة من فهم قوة هذا السلاح أو إقناع أنفسهم زورا بعدم جدواه تحت حجج واهية، وهل من المقبول أن يتذرع زعيم حتى الآن بأن إصلاح الأوضاع في مجتمعه لابد أن يسبقه "تطوير عقول" أفراد شعبه قبل ذلك، في استخفاف واضح بهم.. أو يستمر في سياسة القمع والاعتقال وتكميم الأفواه، وهل يمكن للدكتاتوريين ألاّ يفهموا درس من سبقهم إلا بعد فوات الأوان؟!!
3ـ الإعلام الجديد والفضائيات: لعب الإعلام الجديد وشبكات التواصل الاجتماعي (الفيسبوك وتويتر واليوتيوب وغيرها) والفضائيات وتحديدا "الجزيرة" دورا مهما في الثورتين ونجاحهما سواء: تغطية أخبارهما في ظل تعتيم وتزوير الإعلام الرسمي أو كشف المظالم وإرهاب الدولة، أو في التحشيد الجماهيري والتعبئة المجتمعية لصالحهما، ورغم محاولات الأنظمة البائدة إخفاء الحقيقة أو الالتفات عليها بما في ذلك حجب شبكات التواصل الإلكترونية والتشويش على الفضائيات وغير ذلك إلا أنها فشلت في ذلك.. أبعد ذلك.. هل يكون مقبولا أو ناجعا أن تصرّ أنظمة عربية على تهديد الصحافيين ومراسلي وسائل الإعلام إن هم نقلوا فعاليات المعارضة، أو تمنع شبكات التواصل الاجتماعي وتحجب مواقع إلكترونية لديها، أو تراقب تحركات شعوبها على الإنترنت وكل ذلك حاصل.. هل يعقل ألا تستفيد من تجارب غيرها وتصرّ على تكرار نفس الأخطاء؟!!
الإنسانية العابرة للخوف والمخاطر!
تؤكد موسوعة "بيرز" البريطانية (Pears' Cyclopaedia)، أن "احترام الإنسان لأخيه الإنسان - بغض النظر عن الطبقة، أو العرق،... اقرأ المزيد
42
| 07 مايو 2026
حرية الصحافة بهامش الأمان.. لا بعدد ما يُنشر
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة،... اقرأ المزيد
93
| 07 مايو 2026
مرونة المعادلة الأكاديمية في التخصصات الطبية
تواصل دولة قطر ترسيخ موقعها المتقدم في مجال التعليم العالي، من خلال استراتيجيات طموحة تنسجم مع رؤية قطر... اقرأ المزيد
36
| 07 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
2985
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
2691
| 04 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم يمنحك القبول الذي تنتظره؟ وكم مرة شعرت أنَّ قيمتك ترتفع أو تنخفض تبعا لنظرة الآخرين؟ في زمن أصبحت فيه المعايير خارجية، ينسى كثيرون أن القيمة الحقيقية لا تستأجر من الآخرين، ولا تُمنح بقرارٍ من أحد، بل تُبنى من الداخل وتبقى رغم كل التقلبات. ولو سألنا عن ماهية القيمة المستأجرة، فسنجدها في أن يربط الإنسان قيمته برضا الآخرين، فيعيش أسير تقييماتهم، يعلو حين يُقبل، وينهار حين يُرفض، وهنا تحديداً يبدأ الصراع القاهر مع الذات، حيث تصبح الحياة سلسلة محاولات لإرضاء الخارج، بدل فهم الداخل. ولتوضيح الأمر ليبدو المشهد أكثر وضوحاً، هو أنَّ كثيرين يتأرجحون على سلّم تقييم الآخرين، دون وعي كافٍ بذواتهم، ما يجعلهم في حالة استنزاف دائم، رغم أنَّ كثيراً من تجارب الحياة لا يمكن السيطرة عليها، لذلك، فإن استعادة القيمة من الداخل ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة نفسية، تعيد للإنسان توازنه، وتحرره من عبء تقييم الآخرين. ولا تقف هذه الفكرة عند حدود التأمل النظري، بل تمتد إلى ما تؤكده الدراسات النفسية الحديثة، إذ تشير أبحاث إلى أن ربط تقدير الذات بعوامل خارجية—كالمظهر أو القبول الاجتماعي أو الإنجاز—يجعل الإنسان أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، مقارنةً بمن يستندون إلى ما يُعرف بـ تقدير الذات الداخلي القائم على القيم الشخصية والمعنى، والتي لا تتأثر وفق نظرة الآخرين التي يصدرونها إلينا وفق الموقف أو وفق أمزجتهم. هذا التفريق ليس جديداً، فقد ميّز كارل روجرز أحد مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس بين "الذات الحقيقية" و"الذات المشروطة"، موضحاً أن الإنسان كلما عاش وفق شروط الآخرين طلبا للقبول، ابتعد عن ذاته الأصلية، ودخل في حالة اغتراب نفسي قد لا تبدو واضحة للعيان، لكنها تُستنزف شيئاً فشيئاً. وفي السياق ذاته يذهب نثانيل براندين الذي تحدث عن الأركان الستة لتقدير الذات، أن الذات لا تبنى من خلال ما نحصل عليه من اعتراف خارجي، بل من خلال شعور داخلي بالكفاءة والاستحقاق، يتشكل عبر ممارسات عملية يومية تهدف إلى تعزيز الثقة والقيمة الذاتية، كالعيش بوعي، تقبل الذات، تحمل المسؤولية الذاتية، توكيد الذات، العيش بهدف، والنزاهة الشخصية، وأنَّ إيمان الإنسان بقدرته على التأثير في مجريات حياته هو أحد أهم مصادر التوازن النفسي، هذا الإيمان لا يُمنح من الخارج، بل يتشكل عبر التجربة، والتكرار، وتحمل المسؤولية، بمعنى آخر، القيمة لا تُستورد من الخارج بل الشخص هو مصدرها. وهنا يتضح جوهر المسألة ويكشف أنَّ المشكلة ليست في المحيطين بنا، بل في المكان الذي نضع فيه أنفسنا بالنسبة لهم، حين تصبح نظرة الآخر مرآتنا الوحيدة، نفقد القدرة على رؤية أنفسنا بوضوح، وحين نُعلّق قيمتنا على قبول متقلب، نُدخل أنفسنا في معادلة خاسرة؛ لأن هذا القبول الخارجي أو المعتمد على الآخرين بطبيعته غير ثابت، ولا يمكن التحكم فيه. فالسؤال من نحن بدون القيمة الممنوحة لنا من الخارج!؟، وماذا يبقى منَّا عندما يغيب تصفيق الآخرين؟، فالإجابة الصادقة على هذا السؤال هي بداية التحرر من القيمة المستأجرة، لأن الإنسان الذي يعرف نفسه، لا ينتظر تعريفا من أحد، ولن يعتمد على نظرة الآخرين له. هُنا عليك أن تُذكّر نفسك، باستمرار، أنَّ قيمتك لا تُقاس بحجم الإعجاب الذي تحصده، ولا بعدد الألقاب التي تحملها، بل بمدى صدقك مع ذاتك، وبالدور الذي تؤديه في محيطك مهما بدا هذا الدور صغيراً، فالأثر الحقيقي لا يُقاس بضجيج الفعل، بل بما يتركه من معنى. ختاماً.. قد لا تستطيع التحكم في كيف يراك الآخرون، لكنك تملك بيدك أن تختار كيف ترى نفسك، وهذه في حقيقة الأمر الأكثر صعوبة، لكنها الحقيقة التي تستقر في عمق الوعي متوسدة عقولنا وتمتد إلى جنبات حياتنا.
1038
| 05 مايو 2026