رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد حوالي العام من الاحتجاجات السلمية أرسل المالكي قوات عسكرية مدججة لفض اعتصامات أهالي الأنبار بالقوة، فقدمت كدأبها رافعة أعلاما طائفية ويصرخ جنودها بأناشيد الثأر للحسين من يزيد وأعوانه، فقتلوا وأحرقوا واعتقلوا، فحمل أبناء الأنبار السلاح دفاعا عن أنفسهم وعن أعراضهم وديارهم في ردة فعل تلقائية معروفة مسبقا، فأعلنت إيران مباشرة وقوفها إلى جانب المالكي في حربه على الإرهاب واستعدادها لإرسال الدعم اللازم له، ثم أعلنت الولايات المتحدة ذات الشيء واستعجلت إرسال الأسلحة التي سبق وأن وقع عليها المالكي، وتبعهم مجلس الأمن الدولي ثم الأمين العام للأمم المتحدة ثم جامعة الدول العربية!
أي جنون هذا الذي نعيشه؟ هل من المعقول ألا يعرف كل هؤلاء أن سنة العراق يعانون الأمرين تحت حكم طائفي متوحش متغول يعمل بكل جهده على إذلالهم وإفقارهم وعزلهم وتهميشهم والتخلص منهم بكل وسيلة خسيسة أبدعها عقل سادي لا يرحم؟ أم أن إيران بدأت تحصد ثمار حوارها الطويل مع الولايات المتحدة الأمريكية؟
أيا كان، فالأمر يبدو وكأن تهمة الإرهاب قد حازها السنة بشكل حصري دون غيرهم، فهم الإرهابيون في سوريا وكأن بشار الأسد لم يحصد أكثر من مائة ألف روح، نسبة كبيرة منهم من النساء والأطفال، وكأن مليشياته الطائفية لا تحاصر الآلاف في مخيم اليرموك ليموتوا جوعا تحت أنظار العالم، وكأن مقاطع الجياع وهم يصرخون أمام عدسات المصورين لا تعني شيئا، وكأن البراميل التي ترمى من طائرات الهليكوبتر لتدمر كل ما تقع عليه ليست إرهابا، وكأن قذائف الغازات السامة التي حصدت المئات من الأرواح ليست إرهابا، وكأن جموع الطائفيين القتلة الذين أرسلهم حسن نصر الله ومعممي العراق هم في سوريا لأعمال الإغاثة، إنها إذن تهمة الإرهاب التي التصقت بنا وتأبى أن تفارقنا، حتى وأن أبادتنا سيوف الطائفية أو دمرتنا القاذفات أو أصبحنا ضحايا لقتلة محترفين فنحن إرهابيون، لقد أحسن أولئك إدارة علاقاتهم من واشنطن التي توزع تلك الألقاب على من تشاء وكيف تشاء ولا عزاء للضعفاء.
وهم الإرهابيون في لبنان عندما يصرخون ألما من تلاعب حزب الله بمقدرات البلاد وأهلها، يقتل من ساستها من يريد من دون أن يحاسب أو يساءل، وهو الذي اكتسح بيروت بعناصره المسلحة مدعيا دفاعه عن حقوقه في التلاعب بأمن المطار وهو الذي يقرر متى يدخل البلاد في حرب ومتى يخرجها منها متلاعبا بمصير الآلاف من البشر من دون رحمة!!
ستبقى على أهل الأنبار إدارة معركتهم بطريقة واقعية بعيدا عن الشعارات والوعود التي قد يحصلون عليها ممن لا يملكون من أمرهم شيئا، فهم الآن في نظر العالم إما إرهابيون تابعون للدولة الإسلامية في العراق والشام أو مساندون لها، مع أنهم هم أكثر من احترق بلهيب هذا التنظيم وهم أكثر من قاتله وضحى من أجل إخراجه من مدنهم وقراهم.
هناك عدة نقاط يجب أن ينظر إليها ثوار الأنبار:
أولا: يجب أن يوضحوا موقفهم من داعش للعالم بشكل واضح، فالعالم يعيش حالة رعب من هذا التنظيم الذي أصبح عبئا على الجميع، ولا بأس من الحوار معه للخروج من المدن إلى الصحراء مرة أخرى، فوجود التنظيم في مدن الأنبار يعطي الجميع عذرا في القتل من دون رحمة، وهو العذر الذي استخدمه المالكي لكسب تعاطف العالم معه حين قال إنه يحارب الإرهاب، وهو الذي جعل شباب الشيعة في الجنوب يصطفون أمام مراكز التجنيد للحصول على السلاح والتدرب عليه لأنهم يخافون من هذا التنظيم الذي أصبح كالغول في عقولهم، وهو العذر الذي تجتمع عليه واشنطن وموسكو وطهران وترتعب منه الدول العربية.
ثانيا: يجب أن يكون هناك ممثلون لثوار الأنبار في الغرب وفي واشنطن خصوصا، يتحدثون باسمهم ويوضحون موقفهم من داعش ومن المالكي وأن يبرزوا مطالبهم التي اعتصموا من أجلها سنة كاملة قبل أن يرفعوا السلاح ليدافعوا عن أنفسهم.
ثالثا: يجب أن تتشكل فرق إعلامية على مستوى عال تتحدث باللغة الإنجليزية لكسر الحصار الإعلامي عن الأحداث هناك، وتقع على المغتربين العراقيين مسؤولية أخلاقية في المشاركة وتوعية الناس بما يحدث في الأنبار، فالإعلام السني في العراق ضعيف وغير مؤثر، ولا توجد سوى قناتين فاعلتين، هما الرافدين وبغداد، ولكنهما مازالتا في المحيط العراقي لم تخرجا منه، ولكل منهما خط مختلف يكاد يكون معارضا لتوجه الآخر، بل ومعاد له.
رابعا: يجب أن يترك أهالي الأنبار خلافاتهم، ويتناسوها حتى تنجلي الأزمة، فخلافاتهم أصابت مؤيديهم باليأس ومناصريهم بالخذلان.
إن الحرب لم تعد مجموعة من الشباب يحملون السلاح ويختفون خلف السواتر ليقاوموا المحتل، بل هي أكثر وأكبر من ذلك بكثير، فالطائرات من دون طيار التي حصل عليها المالكي من واشنطن ستعمل عملها لقنص المقاومين ليلا ونهارا، والمال المتدفق من المالكي لزعماء العشائر سيطيح برؤوس الكثيرين غدرا وغيلة، والإعلام المضاد سيجد آذانا صاغية، والطعام سيشح والكهرباء ستقطع وسيجد أهل الأنبار أنفسهم في عزلة وحصار محكمين إن لم يكن لهم صوت في الخارج يتحدث باسمهم.
على أهل الأنبار أن يتذكروا أنهم لوحدهم يقاومون العالم، فهل هم مستعدون لأمر كهذا؟ أكاد أجزم بأنهم ليسوا بعد، فهم بحاجة لفعل الكثير قبل أن تخرج رصاصة من سبطانة، وأتمنى من كل قلبي أن أكون مخطئا.
ذهب ملك حمير ولا يرجع أبداً
أراد سيف بن ذي يزن أن يطرد الحبشة من اليمن، فذهب إلى قيصر الروم جوستينانوس الثاني، وطلب منه... اقرأ المزيد
4331
| 16 أكتوبر 2014
السياسة لا قلب لها ولا..!!
باستخدام تقنية جوجل وجدت أن المسافة بين قرية عين العرب أو كوباني كما يحب الأكراد تسميتها وأقرب قرية... اقرأ المزيد
1495
| 09 أكتوبر 2014
من المستفيد من ضرب داعش؟
دعوني أذكركم بقصة جميلة بطلها السلطان العثماني سليم ياووز، أو القاطع كما كان يسميه البعض، لعل هذه القصة... اقرأ المزيد
3427
| 02 أكتوبر 2014
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12183
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10773
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3690
| 22 أكتوبر 2026