رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
دعوني أذكركم بقصة جميلة بطلها السلطان العثماني سليم ياووز، أو القاطع كما كان يسميه البعض، لعل هذه القصة تدغدغ خيالنا و تجعلنا نعيش أحلاما جميلة لدقائق.
لم يكن السلطان سليم يعتني بهندامه كثيرا، وكان الوزراء وكبار رجال الدولة يقلدونه في ذلك، حتى غدا ديوان السلطان خاليا من البهرجة وجميل اللباس، بل إن لباسهم أصبح رثا مجاريا لباس السلطان الذي يخجل الجميع من مفاتحته، فاستغل الصدر الأعظم حضور سفير دولة أوروبية إلى الديوان فتقدم بتردد إلى السلطان قائلا:
يا مولانا السلطان، إن عدونا ناقص عقل، ولهذا فهو ينظر بسطحية ويعطي أهمية زائدة للمظاهر، ومن اللائق أيها السلطان ..
قاطعه السلطان قائلا : نعم، لنفعل ذلك، وأنتم أيضا تدبروا لأنفسكم ألبسة جديدة مزركشة.
فرح الوزراء بهذا الأمر السلطاني ولبسوا أجمل ما لديهم في تلك المناسبة محاولين مجاراة السلطان الذين سيكون في أبهى حلة.
طلب السلطان بوضع سيف مجرد من غمده مسنودا على العرش قبل حضور السفير، وفي ذلك اليوم تجمع الوزراء وكبار رجالات الدولة في القاعة السلطانية منتظرين السلطان الذي توقعوا أن يحضر المناسبة بشكل مختلف عما اعتادوه.
دخل السلطان بذات الملابس القديمة التي كان يلبسها، فانصدم الوزراء وخجلوا من أنفسهم، فلباسهم أجمل وأغلى من لباس سلطانهم، فدخلت أعناقهم في أجسادهم وانتظروا حتى يعرفوا السبب.
دخل السفير ووقف أمام السلطان منحنيا راكعا راجفا بين يديه، وبعد تبادل بعض الجمل القليلة غادر السفير بسرعة، حينها طلب السلطان من أحد وزرائه أن يسأل السفير عن لباس السلطان، وكان رد السفير صادما..
" لم أر السلطان العظيم، فقد خطف بصري السيف المجرد المسنود على قائمة العرش، ولم أر غيره."
وعندما نقل الخبر للسلطان، أشار نحو السيف الذي مازال مسنودا قائلا:
"طالما بقي حد السيف بتارا، لن ترى عين العدو لباسنا ولن تنتبه إليه، الله لا يرينا اليوم الذي يجعل فيه سيفنا غير بتار وننشغل باللباس والمظاهر .."
أورد هذه القصة الكاتب التركي مصطفى أرمغان في كتابه: التاريخ السري للامبراطورية العثمانية وقد نقلتها بتصرف هنا.
دعوني أعود إلى عنواني، أنا لا أعتقد أن داعش صنيعة إيرانية أو أمريكية كما يود البعض أن يردد، ولكنهم في نظري صنيعة عربية بامتياز، وإن أردت التوضيح أكثر هم صنيعة الأنظمة العربية التي راكمت على مدى عقود من الزمن ظلما لم يستطع هؤلاء الشباب تحمله فآثروا الموت مقاتلين على القتل مسالمين.
تقول المصادر الاستخبارية الغربية بأن أعداد المقاتلين في صفوف الدولة الإسلامية حوالي عشرين ألف شخص، نصفهم لديهم خبرة قتالية يعتد بها والنصف الآخر مازالوا في مرحلة تراكم الخبرات، ولكنهم لن يستطيعوا مجابهة قوة مقاتلة تملك التدريب والتسليح اللازمين لمجابهة عسكرية، فنحن إذن نتحدث عن حوالي عشرة آلاف مقاتل فقط.
وقدرت المصادر الغربية بأن تكلفة الحملة على داعش حوالي 21 مليار دولار سنويا، تكفلت بها الدول الخليجية، وهذه الحملة قد تمتد من خمس إلى عشر سنوات في أحسن الأحوال، أي أن خزائن الدول المساندة والداعمة لهذه الحملة ستفرغ من احتياطها المالي قريبا، وقد يؤدي بها ذلك الى إفقار شعوبها و تعطيل تنميتها إن لم يكن موتها.
لم تشكل داعش حتى هذه اللحظة خطرا على أي دولة عربية سنية بالمعنى الحقيقي، فهي أعلنت الحرب على النظام السوري و النظام العراقي، ومع اختلافنا في طريقة تفكيرها وأسلوبها وغبائها وجنونها إلا أنها مازالت تستنزف هذين النظامين الطائفيين البغيضين، بل إنها كسرت الهلال الشيعي الذي عملت إيران على تشكيله طوال عقود طويلة من الزمن.
وإذا كانت الولايات المتحدة والغرب ترى في داعش خطرا على مصالحها، فدونها إياه، فإن كانت داعش قد قتلت بضع غربيين بطريقة مقززة تبعث على الغثيان فهم قد نكلوا بالآلاف من المسلمين بطريقة أسوأ من ذلك يصعب اللسان عن شرحها والعقل عن استيعابها، من هؤلاء من كان يستسقى به المطر، فدعوا الطرفين يتفاهمان باللغة التي يحسنانها.
إن دخول دول الخليج في معركة مثل هذه يجعلها عرضة لانتقام عناصر داعش ودخولها في أزمة هي في غنى عنها من البداية، وفي حال افترضنا أنه تم الانتهاء من تنظيم داعش عسكريا فسيخرج لنا تنظيم آخر باسم آخر وقيادات أخرى، فالأمر لن ينتهي أبدا طالما بقي الاستبداد والظلم، فقد اعتقدت الولايات المتحدة أنها أنهت طالبان في أفغانستان، ولكن الأخيرة مازالت تقاتل هناك وقد بدأت بوادر حوار قادم بعد أن تعب الجميع من القتل، واعتقدت الولايات المتحدة أنها أنهت المقاومة في العراق، ولكن المقاومة مازالت هناك أيضا، فمن الصعوبة إنهاء عارض إن لم يتم تشخيص المرض وعلاجه.
لإيران أجنحة عسكرية متعددة أكثر من أن تحصى، حزب الله اللبناني (حالش) وفيلق بدر وكتائب أبو الفضل العباس، وعصائب الحق، والحوثيين وماعش (مليشيا إيران الشيعية في العراق) وغيرها الكثير، وقوائم القتل والتنكيل والتهجير التي قامت بها هذه المليشيات أكثر من أن تسرد، بل إن هناك خلايا نائمة لايران منتشرة في دول الخليج بانتظار الإشارة للتحرك لم نعرف أسماءها بعد، ومع ذلك لم توسم بالإرهاب، فهل المسألة أصبحت انتقائية؟ لقد بدأ السنة يشعرون بهذا الانحياز الواضح الذي أضاف تعاطفا شعبيا مع الحركات السنية مهما كانت درجة الخلاف العقائدي معها، فانتقائية الغرب تغض النظر عن تفاصيل البذور التي تضعها في أرض عنيفة خصبة.
ثم إننا لم نعط داعش فرصة الحوار والمناظرة كما فعلنا مع إسرائيل التي مازلنا نتفاوض معها منذ عقود طويلة موقنين بأننا لن نحصل منها على شيء، ولم نعطهم ما أعطينا الحوثيين الذين فاوضتهم الحكومة اليمنية لسنوات طويلة ولم يشفع لها ذلك وانقلبوا عليها، ولم نعطهم الفرصة التي حصل عليها حزب الله الذي أصبح يتحدث باسم لبنان يجره من حرب إلى أخرى ومن مأساة إلى مثلها بل إنه أدخل البلاد والعباد في دوامة عنف لأن هناك من فصل ضابط أمن المطار!! كل هذا بدون أن يحصل الحزب حتى على كلمة لوم في ذلك، ولم نعطهم ما أعطينا حكومة المنطقة الخضراء في العراق التي أهانتنا بتصريحاتها الطائفية البغيضة في إعلامها بشكل فج بعيدا عن الأعراف الدبلوماسية المتعارف عليها، ومع ذلك مازلنا متمسكين بأن اللاحق قد يكون أفضل من السابق حتى وإن درسوا على نفس الشيخ ، ألم تفاوض بريطانيا الجيش الأيرلندي الذي فجر ودمر حتى في العاصمة لندن؟ ألم تفاوض أمريكا كل عصابات الأرض في أمريكا الجنوبية خوفا على مصالحها؟ ألم تفاوض أسبانيا منظمة الباسك؟ هل تريدون أمثلة أخرى؟
إن الأموال التي رصدت لضرب داعش خلال سنة واحدة فقط بالإمكان استخدامها لإغراء الكثير منهم بالعودة إلى ديارهم وإكمال تعليمهم ودمجهم في مجتمعاتهم والحوار معهم، أو على الأقل محاولة ذلك قبل العلاج بالكي.
لكم أن تتخيلوا معي لو ما الذي سيقول السلطان سليم عنا الآن، ولكننا أسقطنا السيف ثم تعرينا، بل قد نكون سلمنا سيف السلطان سليم لعدونا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
شهدت وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي خلال الفترة الأخيرة نقلة نوعية لافتة في أساليب التعامل مع الجمهور، انعكست بشكل مباشر على مستوى رضا أولياء الأمور والطلبة في المدارس القطرية ، وساهمت في تسهيل إنجاز المعاملات بصورة غير مسبوقة. هذه الطفرة لم تكن مجرد تحسينات شكلية، بل جاءت نتيجة رؤية واضحة تهدف إلى تطوير الخدمات التعليمية والإدارية بما يتماشى مع التحول الرقمي الذي تشهده الدولة.في السابق، كان إنجاز العديد من المعاملات المتعلقة بأمور الطلاب يتطلب وقتًا طويلًا وجهدًا كبيرًا، إضافة إلى الحاجة للمتابعة المستمرة من قبل أولياء الأمور، سواء فيما يتعلق بنقل الطلبة أو استخراج الشهادات أو متابعة الطلبات المختلفة، وكانت الإجراءات تتسم أحيانًا بالتعقيد وكثرة الخطوات، مما يسبب ضغطًا وإرهاقًا للأولياء الأمور.أما اليوم، فقد تغيرت الصورة بشكل جذري. فقد عملت الوزارة على تبسيط الإجراءات وتوحيدها، مع إطلاق منصات إلكترونية متطورة تتيح للمستخدمين إنجاز معاملاتهم بسهولة وسرعة من أي مكان. وأصبح بإمكان ولي الأمر متابعة حالة الطلب بشكل فوري، دون الحاجة إلى مراجعة المكاتب أو الانتظار لفترات طويلة،هذا التحول أسهم في تقليل الجهد المبذول، ورفع مستوى الشفافية، وتعزيز الثقة بين الجمهور والمؤسسة التعليمية.ويرى كثيرون أن السر في التحول اللافت الذي شهدته وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي في الفترة الأخيرة لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة جهود قيادية ركزت على كسر الجمود الإداري وتحديث أساليب العمل، قامت بها سعادة السيدة لولوة الخاطر وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي التي ارتبط اسمها بالدفع قدما وسريعا بعجلة التطوير التي تشهدها الوزارة وإعادة النظر في عدد من الإجراءات التي ظلت لفترات طويلة دون تغيير يُذكر.فمنذ تولي سعادتها الوزارة، اتجهت الجهود نحو مراجعة شاملة للأنظمة والإجراءات، ليس فقط بهدف التحديث، بل لإزالة التعقيدات التي كانت تُعد في السابق من المسلّمات التي لا يجب التعامل معها إلا كما هي دون تغيير، إن هذا التوجه الجديد أتاح إعادة تصميم الخدمات بطريقة أكثر مرونة، وجعل تجربة أولياء الأمور والطلبة أكثر سلاسة ووضوحًا، وقد انعكس ذلك في تقليص الوقت والجهد اللازمين لإنجاز المعاملات، وتحسين آليات التواصل مع الجمهور.كما تميزت هذه المرحلة بشكل كبير وواضح بالتركيز على اعتبار أولياء الأمور شركاء أساسيين في العملية التعليمية، وليسوا مجرد متلقين للخدمة. ومن هنا، تم تطوير قنوات تواصل أكثر فاعلية، والاستماع لملاحظاتهم بشكل مباشر، والعمل على تحويلها إلى تحسينات ملموسة على أرض الواقع.ولم يقتصر التغيير على الإجراءات فقط، بل شمل أيضًا ترسيخ ثقافة مؤسسية جديدة تقوم على الابتكار والتطوير المستمر، وتشجع على المبادرة بدلاً من التمسك بالأنماط التقليدية، هذا التحول الكبير كان له أثر كبير في جعل العمل داخل الوزارة أكثر حيوية ومرونة، وأسهم في تحقيق مستوى أعلى من رضا جميع أصحاب العلاقة مع الوزارة.إن هذه الطفرة النوعية تعكس التزام الوزارة بتحقيق التميز في تقديم الخدمات، وحرصها على مواكبة التطورات العالمية في مجال الإدارة والخدمات الحكومية،كما أنها تؤكد أن الاستثمار في التكنولوجيا وتطوير الكفاءات البشرية يمكن أن يحدث فرقًا حقيقيًا في حياة الناس اليومية.وهنا يمكن التأكيد بأن هذه الجهود القيادية أسهمت في إحداث نقلة نوعية حقيقية، حيث أصبحت الخدمات أكثر كفاءة، والتعامل مع الوزارة أكثر سهولة ومرونة، بما يعكس رؤية حديثة تضع احتياجات الطلبة وأولياء الأمور في صميم أولوياتها.
1473
| 20 أبريل 2026
في خضمّ التحولات العالمية والصراعات المتشابكة، يبرز تساؤل مهم حول طبيعة المواجهة التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم: هل هي مواجهة مع عروبة العربي، أم مع لغته وحضارته، أم أن جوهرها الحقيقي يتصل بدينه وهويته الإسلامية؟ عند التأمل في الواقع، يبدو أن كثيرًا من المؤشرات تميل إلى أن الاستهداف يتجاوز الجوانب الثقافية واللغوية، ليركّز بصورة أوضح على البعد الديني خصوصًا بعد إعلان الكثير من القادة والمسؤولين الغربيين أن الحرب صليبية. فالعالم، في سياقاته المختلفة، لا يعادي الرموز مهما كانت غريبة أو حتى غير منطقية، بل يمنحها تقديسًا واحترامًا رسميًا. ففي بريطانيا، لا يُنظر إلى «التيس ويليام وندسور» على أنه مجرد حيوان، بل هو جندي رسمي في الجيش البريطاني، له رتبة عسكرية معترف بها، ويُعامل بانضباط عسكري، ويُخصص له مرافق، ويُشارك في العروض الرسمية، بل إن هذا التقليد جزء من الأعراف التي أُقرت في ظل المؤسسة الملكية، ويُحاط به باحترام كأنه فرد من أفراد الجيش. وفي النرويج، يصل الأمر إلى مستوى أكثر غرابة، حيث مُنح البطريق «نيلز أولاف» في الحرس الملكي النرويجي رتبة لواء، وتُقام له مراسم رسمية، ويُحتفل به عند كل ترقية، ويُعامل كرمز عسكري وطني بكل معنى الكلمة. أما في الولايات المتحدة، فإن حيوان «البايسون» (الجاموس الأمريكي) لا يُعتبر مجرد كائن طبيعي، بل هو رمز وطني رسمي، تُطبع صورته على العملات، وتُنشأ له هيئات ومنظمات للحفاظ عليه، ويُقدَّم بوصفه جزءًا من التراث الأمريكي الذي يجب صونه. وفي أستراليا، يُعدّ الكنغر رمزًا وطنيًا بارزًا، بل إن البعض يذهب إلى اعتباره أقدم من الوجود البشري في القارة، وتُبذل جهود كبيرة لحمايته، حتى أصبح حضوره أقوى في الرمز الوطني من حضور السكان الأصليين أنفسهم في بعض الخطابات. وفي إثيوبيا، تُمنح بعض الطيور مثل «الكرك الإثيوبي» مكانة خاصة، ويُنظر إليها كرمز مرتبط بالهوية الطبيعية والثقافية، وتُحاط بنوع من التقدير الذي يقترب من القداسة في الوعي الشعبي. بل إن الأمر لا يتوقف عند الكائنات الحية، بل يمتد إلى الأساطير؛ ففي الصين، يُقدَّس “التنين”، وهو كائن خيالي لا وجود له، ومع ذلك يُرفع في المهرجانات، ويُجسّد القوة والهيبة، ويُعامل كرمز وطني عريق دون أي اعتراض عالمي. كل هذه الأمثلة تؤكد حقيقة واحدة واضحة: العالم لا يرفض أن يكون للشعوب رموز، بل على العكس، يدعمها ويُعظّمها، مهما كانت طبيعتها، حيوانًا أو طائرًا أو حتى كائنًا أسطوريًا. لكن عند الحديث عن العرب والمسلمين، تتغير المعايير بشكل لافت. فلا يُنظر إلى ارتباطهم بدينهم كرمز وهوية يجب احترامها، بل يُقدَّم في كثير من الأحيان كقضية يجب أن تخضع للنقاش والتعديل والتدخل. فتُراجع مناهجهم، وتُنتقد شعائرهم، وتُعاد صياغة مفاهيمهم الاجتماعية والسياسية، وتُطمس سير قدواتهم وقادتهم، وكأن المطلوب ليس مجرد التعايش، بل إعادة تشكيل الهوية نفسها. وهنا تظهر المفارقة بوضوح: العالم يقبل أن يكون للتنين مكانة، وللبطريق رتبة عسكرية، وللتيس احترام رسمي، وللبايسون حضور على العملة… لكن حين يكون للعربي والمسلم دينٌ يشكّل هويته، ويرتب أولوياته، ويُبرز أعلامه، ويُذكر بملهميه، يصبح ذلك محل جدل واعتراض وسخط وغضب!!. وهذا ما يدفع إلى التساؤل الحقيقي: هل المشكلة في العرب، أم في الإسلام ؟ إن قراءة هذا الواقع تكشف أن التحدي لم يكن يومًا موجّهًا إلى اللغة أو العِرق، بل إلى العقيدة، وأن الصراع الحقيقي يدور حول هويةٍ تريد أن تبقى كما هي، في عالمٍ يقبل كل الرموز… إلا رمزًا واحدًا إذا كان مرتبطًا بالإسلام.
1365
| 15 أبريل 2026
لم يعد الزواج، عند شريحة من الشباب، مجرد خطوة نحو الاستقرار وبناء أسرة، بل تحوّل في بعض الحالات إلى ساحة تنافس مفتوحة، تُقاس فيها القيمة بمدى الفخامة، وعدد الحضور، وحجم التفاعل الاجتماعي. مشهد يتكرر: سباق نحو «أفضل عرس»، و»أفخم قاعة»، و»أكبر عدد من المعازيم»، و»أقوى تغطية إعلامية»، وكأن الحدث لم يعد بداية وبناء حياة جديدة، بل عرضًا قصيرًا يخضع لمقاييس الإبهار، وهي في الأساس أتت من مفهوم دنيوي خاطئ وهو البحث عن الوجاهة! ومن اللافت ظهور ممارسات دخيلة على ثقافة المجتمع، مثل تعدد الأزياء الرسمية خلال ساعات الحفل، أو الالتزام ببروتوكولات أقرب للمناسبات الرسمية منها للاحتفالات الاجتماعية، هذه التفاصيل؛ رغم بساطتها الظاهرية، تعكس تحوّلًا أعمق في مفهوم الزواج نفسه، حيث تتقدّم الشكليات على الجوهر. وخلف هذا المشهد للأسف يقف عامل مؤثر وهو «ضغط المجتمع»؛ فالكثير من الشباب باتوا يخشون «كلام الناس» أكثر من خشيتهم من التبعات المالية أو النفسية، مما تؤدي هذه الخشية إلى إنفاق مبالغ كبيرة، قد تصل إلى حد الاستدانة، فقط لضمان صورة مثالية في نظر الآخرين! لكن ما يغيب عن كثيرين، أن هذا «الاستثمار في المظهر» غالبًا ما يكون قصير الأمد، إذ ينتهي تأثيره بانتهاء حفل الزواج، بينما تبقى التبعات المالية والنفسية لفترة أطول، قد تمتد إلى بداية الحياة الزوجية نفسها. ولعل علم النفس يُفسّر هذا السلوك ضمن ما يُعرف بـ Status Anxiety، وهو القلق المرتبط بالمكانة الاجتماعية ونظرة الآخرين. في هذه الحالة، لا يُبنى القرار على القناعة الشخصية، بل على المقارنة المستمرة مع الآخرين، والسعي لتجنب الانتقاد أو التقليل. هذا النوع من التفكير قد يدفع الأفراد إلى تضخيم التفاصيل الشكلية على حساب الأساسيات، ويجعل من لحظة الفرح مصدر توتر بدل أن تكون مناسبة للراحة والاطمئنان. في مقابل هذا الاتجاه، يبرز مفهوم بسيط لكنه عميق الدلالة مفاده أن البركة تكمن في التيسير، وأن البدايات الهادئة قد تكون أكثر استقرارًا، فالزواج؛ في جوهره ليس مناسبة عابرة، بل مشروع طويل الأمد يقوم على التفاهم والمسؤولية والمودة. ولعل إعادة ترتيب الأولويات باتت ضرورة ملحة في مثل هذه الظروف، بحيث يعود التركيز إلى جودة العلاقة لا شكل الحفل، والاستقرار النفسي لا الانطباع الاجتماعي، والقدرة على الاستمرار لا لحظة الظهور. فاصلة أخيرة حين تتحول بداية الزواج إلى استعراض، يفقد الحدث معناه الحقيقي. أما حين يُبنى على القناعة والبساطة، فإنه يفتح الباب لحياة أكثر توازنًا وهدوءًا. فالزواج لا يُقاس بما يُقال عنه في ليلة واحدة، بل بما يُبنى على أسس نفسية وقناعة شخصية دون التأثر من ردود وآراء آنية.
891
| 16 أبريل 2026