رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كان من المأمول أن تحتفل تونس بالذكرى الثالثة للثورة يوم 14 يناير الجاري، مع إقرار الدستور الجديد للجمهورية الثانية، الذي يليق بالثورة التونسية مفجرة "الربيع العربي"، لكن شيئاً من هذا لم يحدث، بسبب التأخر في بت ثلث الفصول المئة والستة أربعين في مشروع الدستور، بعد 12 يوماً من النقاشات، ورفض بعض البنود الأساسية خلال الأيام الأخيرة في أجواء صاخبة في المجلس التأسيسي، نتاج الخلافات السياسية، وهيمنة الاستقطاب في الساحة السياسية على النقاشات.
غير أن هذا لا يمنع من الإقرار بالتقدم الذي حصل على صعيد التصويت على بنود مشروع الدستور الذي بات يحظى بالتوافق الوطني، بما يعزز المقومات الأساسية لدولة سيادة القانون واحترام الحقوق والحريات العامة، ويعكس رؤية السلطة والمعارضة لدعم بناء مؤسسات الدولة الديمقراطية الحديثة. فقد أسهمت لجنة التوافقات بالمجلس الوطني التأسيسي في بلورة توافق سياسي واسع في الوقت الذي لاتزال فيه حركة النهضة تسيطر على الحكومة وتمتلك الأغلبية في المجلس الوطني التأسيسي، وفي ظل المناخ السياسي العربي الذي يشهد مدّاً إرهابياً وتكفيرياً منقطع النظير، لاسيَّما في بلدان المشرق العربي، للمرحلة القادمة بعيداً عن المصالح الضيقة للأحزاب السياسية، لتحسم، بطريقة أو بأخرى، معارك أيديولوجية عسيرة حول مفاهيم مثل "مدنية الدولة" و"الهوية العربية الإسلامية" و"حرية الضمير" و"حقوق المرأة".
وبالفعل، بدأ المجلس التأسيسي الأسبوع الماضي التصويت على الأجزاء النهائية من الدستور الجديد، إذ إن المسودة لمشروع الدستور لم تنص صراحة على أن "الشريعة الإسلامية مصدر للتشريع"، بل اكتفت بالفصل الأوّل من الدستور التونسيّ الذي وُضع عام 1959، وهو ما ورد في صياغة مشروع الدستور الجديد، حيث جاء في "الفصل الأول: تونس دولة حرة، مستقلة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها"، كما جاء في الفصل الثاني: "تونس دولة مدنية، تقوم على المواطنة، وإرادة الشعب، وعلوية القانون". وصادق "التأسيسي" مؤخراً على "تجريم التكفير والتحريض على العنف"، وذلك بعد خلافات حادة بين نواب حركة "النهضة" الإسلامية (أكبر حزب بـ89 مقعداً من أصل 217) ونواب المعارضة،إذ أصبح الفصل السادس في صيغته المعدلة يقول "الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، حامية للمقدسات، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي. يُحجَّرُ التكفير والتحريض على العنف". وصوت على الفصل في صيغته المعدلة 131 نائبا من أصل 182 شاركوا في عملية الاقتراع فيما صوت ضده 23 وتحفظ 28.
ويمثل ما ورد في هذا الفصل من الدستور التونسي من تعبير "حرية الضمير" حالة ثورية في مجمل العالم العربي والإسلامي الذي يعني ليس فقط حرية العبادة بل حرية اعتناق العقيدة التي يريدها الإنسان. وكان تعبير "حرية الضمير" تبناها الفاتيكان في وثائقه. وسبق للبابا السابق في وثيقة سينودس كنائس الشرق الأوسط أن انتقد "العوالم العربية والتركية والإيرانيّة" بأنها رغم تبنّيها لحرية ممارسة الشعائر الدينية لكل الأديان غير أنها ترفض "حرية الضمير".
في المرجعية الدستورية والقانونية الغربية برز مصطلح: "حرية الضمير" وتطور كمفهوم ديني مع توماس الإكويني في الكنيسة الكاثوليكية، ثم تحوّل إلى أساس في الفكر الديني البروتستانتي منذ تمرد لوثر إلى دعوة كالفن حتى تكرّس كمفهوم سياسي مع الفيلسوف جان لوك من حيث عدم جواز سلطة الدولة على معتقدات الأفراد حتى تبنّيه في الفكر السياسي الأميركي الذي أسّس الدستور الأميركي. وهو في الحصيلة المعاصرة حق الفرد وحده في تقرير معتقده الديني راجع الفصل المتعلّق بتاريخ المصطلح في الصفحات 27-33 من كتاب المفكر السياسي الحقوقي الأمريكي نواه فلدمان Divided By God الطبعة الأولى عام 2005 في نيويورك منشورات Farrar. Straus and Giroux.
ويعتبر إقرار تعبير "حرية الضمير" في الدستور التونسي الجديد، منعطفاً كبيراً في التاريخ الدستوري العربي الذي نشهد بدايته في تونس، حيث يؤكد على ثقة المجتمع التونسي بنفسه، يعكسها مجتمع مسلم حين يقر "مدنية الدولة" و"حرية الضمير" بشكلٍ لا التباس فيه! مجتمع لا ترى نخبته المتنورة أي خطر على الإسلام الراسخ كقوة ثقافية عميقة في كل العالم. هذا فعلُ ثقة جديد بـ"النفس" بما هي الشخصية الاجتماعية للبلد تفتتحه النخبة الليبرالية العلمانية والإسلامية في تونس في مواجهة تيار أصولي مذعور حضاريا ويريد أن ينشر الذعر بين المسلمين عبر قتلهم قبل قتل غيرهم، حسب قول الصحافي اللبناني جهاد الزين.
كما صادق المجلس الوطني التأسيسي، يوم الاثنين الماضي، على الفصل 20 من الدستور الجديد الذي يقر المساواة بين التونسيات والتونسيين في الحقوق والواجبات. وصوت 159 نائباً من أصل 169 شاركوا في عملية الاقتراع على الفصل 20 من الدستور الذي يقول "المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز. تضمن الدولة للمواطنين والمواطنات الحقوق والحريات الفردية والعامة، وتهيئ لهم أسباب العيش الكريم".
ويعتبر أيضاً تضمين حقوق المرأة ومكتسباتها في نص الدستور الجديدة نقطة إيجابية. ففي النص الأول الذي اعتمدته «لجنة الحقوق والحريات»، التي أعدت الفصول المتعلقة بالحريات، تم اعتماد صيغة «التكامل بين المرأة والرجل»، لكن رفض المرأة التونسية الذي عبرت عنه بالاحتجاجات والتظاهرات لدور التكامل حال دون الإبقاء على هذه الصيغة. فقد طالبت الكتلة النسائية البرلمانية، وهي كتلة ضمت نساء من مختلف الأحزاب، أيضاً بدورها بإدراج مبدأ التناصف، أي أن يكون في كل القوائم الانتخابية ذات العدد من المرشحين الذكور ومن المرشحات الإناث، فأصبح الفصل ينص على النحو التالي:45: " تلتزم الدولة بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة وتعمل على دعمها وتطويرها تضمن الدولة تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في تحمل مختلف المسؤوليات وفي جميع المجالات تسعى الدولة إلى تحقيق التناصف بين المرأة والرجل في المجالس المنتخبة، وتتخذ الدولة التدابير الكفيلة بالقضاء على العنف ضد المرأة". وتعتبر تونس البلد العربي الوحيد منذ العام 1956 الرائد في منح أفضل الحقوق للمرأة، باستثناء ما يتعلق بالميراث نظراً إلى أن الإسلام هو دين الدولة. لكن الإقرار بالمساواة الكاملة على صعيد المواطنة ستكون تداعيات في المستقبل، لجهة رفــع العقـــبة الأخيرة، أي انعدام المساواة في ما يتعلق بالإرث.
ورغم بروز الانقسامات السياسية بين نواب حركة النهضة، ونواب المعارضة، واصل المجلس الوطني التأسيسي في تونس التصديق على مشروع الدستور الجديد، وتحديداً التصويت على مواد الباب الرابع الخاص بالسلطة التنفيذية، وبحسب مواد هذا الباب فإنّ السلطة التنفيذية ستكون موزعة بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء. وستكون الحكومة مسؤولة أمام البرلمان ويمكن أن تكون موضع مذكرة حجب ثقة. وفي تفاصيل جلسات التصويت التي جرت، فقد تمّ إسقاط الفصل 73 من الدستور الذي يحدد شروط الترشح لرئاسة الجمهورية بعد نقاشات حامية. وتنص هذه المادة على أنّ الترشح لرئاسة الجمهورية في تونس هو حق لكل ناخبة أو ناخب من أب وأم تونسيين، وأن يكون مسلماً. وتنص أيضاً على ضرورة ألا يحمل المرشح لهذا المنصب في تاريخ تقديم ترشحه جنسية أخرى وألا يقل عمره عن 40 سنة على الأقل ولا يزيد على 75 سنة على الأكثر وأن يحصل على تواقيع عدد من النواب أو رؤساء الجماعات المحلية أو ناخبين مسجلين بناء على القانون الانتخابي. ولم يعرف متى ستتم إعادة النظر في هذا الفصل.
واتفقت الكتل النيابية مبدئياً، على انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من الشعب، بعدما كان ينتخب من البرلمان. كما أسندت إلى رئيس الجمهورية صلاحيات رسم السياسة الخارجية والدفاعية للدولة والتعيينات في الوظائف الدبلوماسية العسكرية والمرتبطة بالأمن الوطني، إضافة إلى استشارته في تعيين وزيري الخارجية والدفاع. ويعتبر مراقبون أن النظام السياسي المحدد في الدستور الجديد، "مختلط" بين الرئاسي والبرلماني، إذ أعطى صلاحيات كبيرة للحكومة مقابل صلاحيات الدفاع والدبلوماسية وحل البرلمان لرئيس الجمهورية.
وشهدت المناقشات حول الباب المتعلق بالسلطة القضائية، انقساماً حاداً بين نواب حركة النهضة وحلفائها ونواب المعارضة، إذ أكد رئيس الكتلة الديمقراطية المعارضة محمد الحامدي أن "كتلة حركة النهضة صوتت لمصلحة فصل ينص على عدم استقلالية القضاء وجعله تحت سطوة السلطة التنفيذية"، بينما ساندت كتلة "النهضة" إضافة تعديل إلى الفصل 103 ينص على أنه "تتم التعيينات في الوظائف القضائية بأمر من رئيس الحكومة باقتراح من وزير العدل".
أثبتت الثورة التونسية أنها الحالة الأنجح في التحول من المرحلة الانتقالية إلى مرحلة بناء الدولة المدنية الديمقراطية التعددية، نظراً إلى يقظة الشعب التونسي، لاسيَّما منظمات المجتمع المدني، والأحزاب السياسية المعارضة، والمنظمات النسائية، التي أبدت حرصاً كبيراً على أن يكون الدستور التونسي الجديد يعكس آمال الشعب التونسي في التطلع نحو بناء ديمقراطية جديدة، تسود فيها المساواة أمام القانون. إضافة إلى أن طبيعة الثورة السلمية التونسية ويقظة المجتمع المدني، فرضتا على حركة النهضة أن تكون متمايزة عن الإخوان المسلمين في مصر. وهذا ما قاد إلى تكريس سياسة التوافق الوطني بين سلطة النهضة والمعارضة، تجاه عملية الانتقال الديمقراطي بدلاً من سياسة الغلبة والتفرد بالسلطة. إن التوافق بين الخصوم في العمل السياسي هو جوهر العملية الديمقراطية. وأثبتت التجربة التونسية أيضاً أن التوافق والحوار الوطني المفضي إلى التنازلات السياسية بين السلطة والمعارضة تغليبا لمصلحة الوطن والشعب هو الطريق الأسلم والأنجع للتغلب على الأزمات الكبيرة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2553
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2334
| 15 أكتوبر 2026
قد يكون من أهم إنجازات الدولة خلال الأزمات ما لا يشعر الناس بحدوثه: خدمة لم تنقطع، وسلعة لم تختفِ، وعمل استمر، وحياة يومية حافظت على انتظامها رغم الخطر. ومن هذه الزاوية أقرأ خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، حفظه الله، في افتتاح دور الانعقاد السنوي الخامس والخمسين لمجلس الشورى. فقد كشف سموه عما يقف وراء هذا الانتظام، من استعداد طويل وقرارات مدروسة وجهود مؤسسية، ثم حدد المسؤوليات اللازمة لصونه وتطويره. وفي تقديري، فإن إحدى أعمق دلالات الخطاب تكمن في وصل الدفاع عن الوطن بكفاءة إدارة شؤونه؛ فحماية السيادة، واستمرار الخدمات، وحسن استخدام المال العام، وأمانة تقييم الموظفين، تتكامل في بناء دولة تستطيع مواجهة الخطر ومواصلة التنمية. وهنا تتسع قراءة الصمود لتشمل ما يجري داخل المؤسسة، وما تتخذه من قرارات، وما تحققه من نتائج. أوضح سمو الأمير أن قطر حملت خلال الأزمة ثلاث مسؤوليات متزامنة: حماية سيادتها، والوفاء بدورها في أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وإبقاء أبواب الدبلوماسية مفتوحة. وحدد سموه عناصر الاستراتيجية التي أدارت بها الدولة هذه المسؤوليات، من الدفاع عن الوطن بحزم دون الانجرار إلى الحرب، إلى المحافظة على الخدمات وسلاسل التزويد والحياة الاقتصادية، والعمل لوقف إطلاق النار وفتح الممرات المائية والعودة إلى التفاوض. وتكشف هذه المضامين عن دقة الموازنة التي اضطلعت بها الدولة. فإدارة هذه المسؤوليات معًا تتطلب وضوح الأهداف، والتنسيق بين الجهات، وضبط الخيارات تحت الضغط. وبذلك يصبح استمرار الحياة اليومية تعبيرًا ملموسًا عن نجاح عمل واسع، يشترك فيه الدفاع والأمن والدبلوماسية والاقتصاد. وقد نسب سموه استمرار الحياة الطبيعية إلى جهود القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وإلى أكثر من عقد من الإعداد والتدريب والتجهيز. وتمنح هذه الإشارة الاستعداد قيمته الحقيقية؛ فما يُبنى في سنوات الاستقرار تظهر جدواه عندما يحمي الناس ويتيح لهم مواصلة حياتهم في أصعب الظروف. ومن هنا يمكن استخلاص معيار مهم لتقييم السياسات: بعضها تتحقق قيمته في ضرر جرى تجنبه. فالمخزون الذي يمنع نقصًا، وخطة الإمداد التي تحول دون انقطاع، والتجهيز الذي يحمي منشأة، تحقق نتائج قد لا تستوقف الناس، لكنها أساسية لاستقرار المجتمع والاقتصاد. وقد يصعب قياس كلفة الأزمة التي مُنعت، لكن أثرها يظهر في حياة استمرت. في الجانب المالي، ذكر سمو الأمير انخفاض إجمالي الإيرادات خلال النصف الأول من العام بنسبة 42%، مقابل انخفاض المصروفات العامة بنسبة 14%، مع المحافظة على الخدمات الأساسية والأولويات التنموية. وأوضح سموه أن الدولة اتخذت هذا القرار حرصًا على استمرار الزخم الاقتصادي. وتتجاوز دلالة هذه الأرقام بيان حجم الضغط على الموازنة؛ إذ تكشف عن اختيار اقتصادي يحمي النشاط الذي تحتاجه البلاد للتعافي. فالخدمات الأساسية تسند حياة المجتمع، والمشاريع التنموية تدعم أعمال الشركات وفرص العمل، واستمرارهما يحد من انتقال الصدمة إلى مجالات أوسع. وقد نسب سموه إمكان استيعاب تداعيات الأزمة إلى سياسات سبقتها، شملت تعزيز الاحتياطيات وخفض الدين العام وإعداد الموازنة على أسعار نفط متحفظة وتنمية الإيرادات غير النفطية. وفي قراءة هذه العلاقة، تبدو الاحتياطيات رصيدًا يحفظ للدولة مساحة القرار؛ فهي تتيح التعامل مع تراجع الإيرادات دون الاضطرار إلى التخلي سريعًا عن الأولويات التنموية. لكن سمو الأمير قرن هذه المساحة بواجب مواصلة الانضباط المالي ورفع كفاءة الإنفاق ومراجعة البرامج وفق أثرها الفعلي في المجتمع والاقتصاد. وهذا توجيه يضع مسؤولية واضحة على الجهات المنفذة: أن تثبت قيمة ما تنفقه، وأن تراجع برامجها على أساس النتائج. فالبرنامج الذي يحافظ على مخصصاته يحتاج إلى بيان ما يحققه بها، والمشروع الذي يتقدم في التنفيذ يحتاج إلى إظهار أثره في الغاية التي أُنشئ من أجلها. وبهذا تصبح مراجعة الإنفاق وسيلة لحماية التنمية، عبر توجيه الموارد إلى ما يخدمها بصورة أجدى. وتبرز الصلة بين السياسة الاقتصادية والإدارة حين يتناول خطاب سمو الأمير مساءلة القيادات وتقييم الأداء. فقد وجّه سموه إلى تمكين الموظفين ونقل المعرفة وتأهيل الصف الثاني، وربط الترقية والتطوير بالإنجاز والكفاءة وتكافؤ الفرص، وحذر من التطبيق الشكلي لهذه السياسات، مؤكدًا الأمانة في التقييم وأخلاق العمل. وفي تقديري، يحدد هذا التوجيه شرطًا جوهريًا لنجاح الإصلاح: صدق المؤسسة في معرفة أدائها. فإذا تجمّلت النتائج في التقارير، أو مُنحت التقديرات وفق المجاملة، بُنيت القرارات اللاحقة على صورة غير دقيقة. وقد يتجه التدريب إلى غير موضع الحاجة، أو تُسند المسؤولية إلى غير الأجدر، أو يستمر خلل لم يُعترف بوجوده. ولهذا تمتد عدالة التقييم إلى ما هو أبعد من علاقة الموظف بمديره؛ فهي تؤثر في اختيار من يدير الموارد وينفذ المشاريع ويقدم الخدمات. وإنصاف الكفاءة يحفظ حافزها، ويعزز ثقة الموظفين بأن اجتهادهم ينعكس على مسارهم المهني، ويجعل المؤسسة أقدر على تطوير أدائها. ويتصل بذلك ما أورده سموه عن قاعدة البيانات المركزية، واستكمال الربط بين الجهات وتوحيد المعايير وحماية الخصوصية. فالبيانات الموثوقة تتيح رؤية الواقع، والأمانة في التقييم تجعله أساسًا للقرار. وتكتمل قيمة التطوير حين تساعد المعلومات على كشف الخلل، وتجد داخل المؤسسة من يتحمل مسؤولية معالجته. وأكد سمو الأمير أن هدف قطر هو جعل التعافي منطلقًا لتسريع التنويع الاقتصادي وتعزيز القدرات الوطنية. وأشار سموه إلى مشاريع وفرص استثمارية تُقدر بنحو 221 مليار ريال خلال السنوات الخمس المقبلة، وإلى دور مجلس الشورى في مواكبة المرحلة بتشريعات تعزز القطاع الخاص وجاذبية الاستثمار. ومن منظور هذه القراءة، يتحدد أثر تلك الفرص أيضًا بجودة المؤسسات التي تتعامل معها؛ بوضوح الإجراءات، وكفاءة التنفيذ، وحسن المتابعة، والقدرة على معالجة العوائق. وتلك هي الحلقة التي تصل بين التوجيه الوطني والنتيجة الاقتصادية: تحويل الموارد والفرص إلى نشاط منتج وخبرات وطنية ومنافع مستدامة. وفي ختام خطابه، ربط سمو الأمير صمود الدولة بالاستعداد وتنوع الاقتصاد وكفاءة المؤسسات وتكافل المجتمع ومسؤولية الأفراد. وهذه الرابطة تمنح انتظام الحياة معناه الأعمق؛ فهو حصيلة مسؤوليات أُديت، ومكتسبات صينت، وقرارات اتُّخذت في وقتها. لقد كشف خطاب سمو الأمير عن العمل الذي جعل استمرار الحياة ممكنًا، ووضع أمام المؤسسات واجب الارتقاء به. ومن هنا يبدأ الوفاء بتوجيهات سموه في تفاصيل ملموسة: مال عام يُصان، وكفاءة تُنصف، وخلل يُعالج، وخدمة تتحسن. فحين تستمر الحياة تحت الضغط، يظهر أثر الاستعداد؛ وحين ترتقي جودتها بعد الأزمة، يظهر صدق الأداء.
1101
| 14 أكتوبر 2026