رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تتوالد كالفطر. وهي منتشرة في مناطق كثيرة من العالم العربي. لكثرة جماعاتها من الصعب على المراقب إحصاءها. مثّلت القاعدة لسنوات طويلة التنظيم الأبرز والأساس بينها. تزرع القتل والتدمير في بقاع كثيرة. تنطلق من احتكارها للدين الإسلامي. كل منها يدّعي أنه الأصح والأفعل والأفضل. مؤخراً بدا التعارض جليّاً بينها. إذا ما تقاتلت جماعتان. تعد كل منهما قتلاها: بالشهادة والآخرة الأبهى والحور العين.أعضاؤها لا يرون في العالم غير زعمائهم. باعتبارهم العارفين والخبيرين في أمور الدين والدنيا. والأخيرة كما يعبأون. لديهم تافهة لا تستحق أن تُعاش إلا من خلال الانتماء للتنظيم أو الجماعة. والاستشهاد في سبيلها ومبادئها التي هي الأصح من مبادئ الجماعات والتنظيمات الأخرى. شيء طبيعي. هذه جزء من ملامح الجماعات الأصولية التكفيرية التي تطلق كل منها على نفسها: الجهادية. ومهما اختلفت في أطروحاتها فإن بينها قواسم مشتركة توجد بينها. وتتلخص في ما يلي:
أولاً: أن كلا منها يعتقد أنه ممثل الدين الإسلامي الحنيف. ويجاهد من أجل سيادة الإسلام وأن الدين مفصّلٌ تماماً على مقاسات الجماعة أو التنظيم، يفسر الدين على هواه، وكأنه الأبرز في تفسير تفاصيل الحياة اليومية استناداً إلى الدين. وكممثلٍ على أصحاب هذا الاعتقاد: تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام الملقب اختصاراً بــ"داعش" التي أصدرت الفتاوى المشهورة: المرأة عورة. ويتوجب أن تظل حبيسة البيوت. وعليها أن لا تجلس على الكرسي. ومحرّم عليها شراء الخيار والموز كون هذه الأشياء مذكر وليس مؤنث. يجوز للمرأة قيادة السيارة فقط في حالة واحدة: إذا كانت مفخخة بالمتفجرات. يجوز زواج النكاح. يجلد 70 جلدة كل من يتفوه بكلمة "داعش" وغيرها من الأحكام التي أعلنتها حين احتلالها مناطق في الشمال السوري. ما ذكرناه لا يقتصر على داعش فقط. فلكل جماعة منها فتاويها.
ثانياً: كل من هذه الجماعات تقوم بتكفير كل الآخرين. من الذين لا ينتمون إلى الجماعات الإسلامية (وبعضها يقوم بتكفير كل المنتمين إلى الجماعات الأخرى). زعماء كل جماعة يعتقدون أنهم ممثلو العناية الإلهية على الأرض، رغم أن الإسلام يدعو إلى التقيد بأحكام الله وفق ما وردت في القرآن الكريم وسنة رسوله، لكن هؤلاء ورغم التزامهم النظري بتعاليم ديننا الحنيف. لكنهم يبتكرون أحكاماً وفتاوى لم تصادف المسلمين على مدى ما ينوف عن الألف وأربعمائة وخمسة وثلاثين سنة من وجود هذا الدين الحنيف. كممثل على هؤلاء: جماعة التكفير والهجرة. الذين أحيوا نهج الخوارج من جديد. فكل المجتمع كافر ما دام يقبل بظلم الحاكم الكافر، بالإضافة إلى العديد من الأحكام الأخرى.
ثالثاً: ممارسة قتل الآخرين وذبحهم ممن يرفضون تعاليم هذه الجماعات و/أو يقومون بمواجهتها. وهناك طرق للذبح تقشعر لها الأبدان. رغم أن من يجري ذبحه هو مسلم وينطق بالشهادتين. لقد رأينا على الفضائيات وعلى الشبكة العنكبوتية طرقاً بشعة في ذبح المعارضين: كالقتل البطيء للإنسان. وأكل كبده ولوكه.الإسلام في شرع هؤلاء يجيز القتل لكل من تكفّره الجماعة. والمقتولون ليس بالضرورة أن يكونوا من حملة السلاح. فيجوز قتل المدني الذي لا يقوم بتنفيذ أوامر الجماعة. شاهد الناس قتل صبي صغير أمام أهله. لقد أوصى النبي الكريم ومن بعده الخلفاء الراشدون. مقاتلو الجيش الإسلامي. قبل توجهه إلى المعارك بعدم قتل شيخٍ أو امراة أو طفل أو حتى خلع شجرة من أرضها. وعدم التمثيل بالجثث. وأوصوا بالرفق وحسن المعاملة لكل من يعيش من أصحاب الديانات الأخرى تحت حكم المسلمين. هذه القضايا لا تتذكرها هذه الجماعات ويمارسون عكسها.
رابعاً: ما يجري في العديد من الأقطار العربية: سوريا. مصر. لبيبا. الجزائر. اليمن. لبنان مؤخراً. وغيرها. هو تدمير منهجي للبنية التحتية للدولة، فما ذنب المصانع ومحطات الكهرباء لتدميرها؟ وما ذنب المدنيين الآمنين. بتفجير السيارات المفخخة في أوساطهم؟ إن ما تفعله وما تقوم به هذه الجماعات من أعمال تدميرية. يتماهى مع المخططات التآمرية الإسرائيلية. لتدمير بنيوية الدولة العربية. وتخريب النسج الاجتماعية في كل دولة. بتقسيم المجتمعات إلى مذاهب وطوائف وإثنيات متقاتلة ومتحاربة فيما بينها. بحيث تحول التناقض التناحري من قتال الأعداء. إلى الاقتتال الداخلي في الدولة. وتقسيمها إلى دويلات مذهبية وإثنية وطائفية. تظل مشتعلة بالحروب فيما بينها إلى ما لا نهاية.
خامساً: هذه الجماعات تعطي الأولوية للجهاد في الدول العربية. ولا تقوم بقتال العدو الصهيوني القريب الحدود من العديد من الدول العربية. التي تشتعل فيها الصراعات. فإسرائيل موضوعة في عرف هذه الجماعات على الرّف،رغم استباحة القدس والأقصى الشريف: أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. ورغم المذابح والموبقات التي تقوم بها إسرائيل ضد شعبنا الفلسطيني وضد أمتنا العربية. وبرغم احتلال فلسطين ومصادرة أرضها. ورغم أن إسرائيل قامت بضم القدس الشرقية وهضبة الجولان العربية السورية، جحافل هذه الجماعات من الجنسيات المختلفة لا ترى الجهاد في فلسطين أولوية. بل تعتقد أن نيويورك وفولغاغراد الروسية أولى بـ(الجهاد) والقتال من العدو الصهيوني. عقود طويلة مضت على إنشاء بعض هذه الجماعات. لكننا لم نسمع يوماً عن طلقة واحدة جرى إطلاقها باتجاه إسرائيل. صحيح أنهم يريدون إقامة الدولة الإسلامية والخلافة أولاً. غير أن من الصحيح أيضاً أن إسرائيل وصلت إلى درجة من استباحة الأرض الفلسطينية والعربية والإسلامية. بحيث تقشعر الأبدان لمدى هذه الاستباحة. وكل هذا الاستهتار بالعرب والمسلمين.لا القاهرة ولا بغداد ولا دمشق ولا غيرها من العواصم العربية أولى بالقتال (والجهاد) من فلسطين. فأين هي أسلحتكم يا مقاتلي هذه الجماعات؟ وأين تعاليم القرآن الكريم وحضّه على قتال الأعداء ومن وراءهم؟!
سادساً: هذه الجماعات يجري تمويلها من دول عديدة. سواء على الصعيد الدولي أو الإقليمي. الأمر الذي يثير ألف سؤال وسؤال عن الأهداف التي أُنشأت من أجلها هذه الجماعات. والتي ومنذ بدئها لعملياتها (الجهادية) قلبت المجتمعات العربية في دولها رأساً على عقب. زادت نسبة الضحايا من المدنيين. أجبرت الكثيرين من الناس على ترك بيوتهم والهجرة واللجوء إلى الخارج. في كثير من الأحيان تستهدف هذه الجماعات أبناء الطوائف الدينية الأخرى. الذين عاشوا في وئام وسلام مع إخوانهم المسلمين في كافة أنحاء الوطن العربي. بشكل عام. وفي الدول التي تجري فيها الصراعات المذهبية والطائفية والإثنية.
هذه الجماعات وبتفسيرها لديننا الإسلامي الحنيف: تعمل على تكريه المسلمين بدينهم. فديننا ليس دين قتل وذبح وتمثيل بالجثث.إنه دين الإخاء والمحبة والسلام والعطف على الآخرين. وهو قبل كل شيء دين العدالة والمساواة. فالخليفة العادل عمر بن الخطاب قال جملة مشهورة في حادثة مفادها: أن الوالي في مصر صادر عن غير حق أرضاً لمسيحي من أجل تقويم بناء مسجد. كتب المسيحي إلى الخليفة يشكو إليه الوالي. فما كان من الخليفة إلا أن بعث برسالة إلى واليه من جملة واحدة: "يعوّج المسجد ولا يعوّج الحق" وأمره برد الأرض إلى المسيحي. هذا هو الدين الإسلامي وليس الدين الذي تنادي به هذه الجماعات من قتلٍ وتخريب وتهجير وتفجير.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3507
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
1323
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1110
| 06 أكتوبر 2026