رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
اسمها أحلام عاملة نظافة بأحد المساجد، من اسرة فقيرة متدينة، تستطيع أن تقرأ القرآن بينما تعجز عن قراءة القرآن، فى رقبتها حفنة اولاد وزوج مريض عاطل تتولى الإنفاق عليهم جميعا، تبرع اهل الخير لفاقتها الشديدة بمبلغ اشترت به محلا صغيرا حقيرا فى زقاق مزر لتبيع فيه (الفراخ) التى حرمت بيعها الحكومة بعد الحكاية المفتعلة المسماة بأزمة "أنفلونزا الطيور" وقامت باغلاق محلها بالشمع الاحمر، ولأنني كنت دائماً فى اجازاتى اطلبها للمساعدة فى اعمال البيت ومشاركتنا فى التحضير لمناسباتنا المختلفة، من زواج اولاد او ميلاد احفاد وما شابه ولم تكن تقصر كنت حريصة على السؤال عنها كلما زرت مصر. فى زيارتى الأخيرة هاتفتها لأطمئن عليها فلم اجدها فى بيتها اتصلت مرارا فلم تكن هناك حتى وجدتها فى بيت ابنتها، لما سألتها اين انت؟ قالت "انا هربانة يا ام محمد عند بنتى عشان عليا حكم سجن بستة شهور وغرامة 500 جنيه" قبل ان تنهار قلت لها تعالى نتكلم، رأيتها من الحزن غير ما كانت سألتها "حيسجنوكى ليه يا أحلام؟ " قالت" اصلى فكيت حرز الحكومة بعد ما شمعوا المحل بالشمع الاحمر، طيب اعمل ايه؟ عيالى ياكلوا منين؟ لاحظت كم هى مرعوبة من المخبرين الذين يدقون بابها ليل نهار، والشرطة التى تلاحقها بمحضر الضبط والاحضار، لاحظت ارتجافها كلما تصورت انها يمكن ان تصبح نزيلة السجن وتترك خلفها حملاً ثقيلاً وحفنة أولاد سيضيعون وهى العائل الوحيد لهم، احلام يلاحقها المخبرون وشرطة الضبط والاحضار ليقبضوا عليها وتودع السجن لأنها فكت حرز الحكومة عندما قالت ممنوع بيع الفراخ! احلام تلاحقها الشرطة للقبض عليها ولقد دهشت لسرعة البت فى قضية احلام، نشطت الشرطة، وتابعها المخبرون، وتلاحقت عليها الانذارات والمراقبة لتقفيل القضية العويصة "فض الاحراز "! الشرطة كلها خلف احلام تتتبع وتراقب لتسليمها للعدالة رغم ان احلام المسكينة لم تهدر مليارات من المال العام، ولم ترتكب جريمة الخصخصة ولم تبع ارض مصر بتراب الفلوس، ولم تبع الغاز لاسرائيل، ولم تحضر عبد الله ابنها البكر لحكم مصر، ولم تحظر زراعة القمح فى بلدها لتستورد من حبايبها الأمريكان بالعملة الصعبة فى صفقة استرضاء، ولم تتاجر فى السلاح لينتفخ رصيدها بعائد العمولات، ولم تكن سببا رئيسا فى تسميم ارض المصريين بالمواد المسرطنة المحرمة دولياً ليلهو السرطان فى دماء اطفال مصر المساكين، ولم تجعل مصر تكية لعيالها، ولمحاسيبها، وحبايبها ليمتلكوا فيها ما تشتهى شراهتهم! أحلام لم تدهس المصريين بالعربات الميرى، ولم تغرق ابناءها فى البحار البعيدة وهم يبحثون عن لقمة عيش بهجرات غير شرعية لأوروبا هربا من الفاقة، أحلام لم تبع مئات آلاف آلاف الأفدنة للمستثمرين بتراب الفلوس لتضيع على مصر مليارات بعد نهب ارضها! أحلام ليس لها حسابات سرية فى سويسرا وأوروبا أفلحت فى تسريبها قبل ان يمسك بها، أحلام لم تستعن بالبلطجية لتزوير الانتخابات عامدة فى أفظع قضية تزوير للإرادة، أحلام لم تطمس عيون الثوار وتقتلعها من اجل عيون النظام الجميلة، ولم تسقط مئات الثوار بالرصاص الحي ثم تطمس الأدلة بأشرطة الفيديو التى سجلتها كاميرات المتحف المصري لمحو اى دليل إدانة لمن له حق اصدار الامر بإطلاق الرصاص، احلام لم تجر بمعرفتها عمليات غسل أموال لتصبح نظيفة (ذى الفل) من درنها ليجنى احباب النظام مليارات الحرام، أحلام لم تكن كاتبة عقود لصوص الزواج المحرم بين السلطة والمال، ولم تضع مليارات مرسلة من دول عربية منذ 20 عاماً للمساعدة في الأهداف القومية ولمواجهة أثار زلزال 92 في حسابها السري دون تحقيق أهداف المساعدات حتى الآن، ولم تضع المبالغ الواردة من الدول العربية أيضا لزوم المشروع القومي لتطوير المدارس في كم جيبها فلا ينفق على المشروع مليم ليكتب الجامعيون كلمة "ثورة " بالسين "سورة" وكلمة " لكن " " لاكن " ولنظل فى طريقنا دائما " نحو الأمية " بدلا من "محو الأمية"!
أحلام ليست متهمة بالخيانة العظمى وتجريف دور مصر الريادي وليصبح الفساد " للركب " أحلام المسكينة فضت الشمع الأحمر حرز الحكومة لتأكل، أحلام باعت كل ما تملك لتدفع أتعاب المحامى عله يخلصها من غمها! دموع أحلام الموجوعة بالفاقة والخوف من السجن جعلتني أقارن فورا بينها وبين حاكم فك إحراز مصر كلها ومازال يتنقل بطائرة بين المركز الطبي العالمي وقاعة المحكمة ممددا على ظهره واضعا قدميه في وجه المحكمة.! يارب أنصف أحلام وانتقم ممن أوجع قلوبنا بكل هذه الآلام.
*** طبقات فوق الهمس
* احد محامي شهداء أسر ثورة يناير قال فى مقابلة تلفزيونية انه يعتمد على وثائقه وكل ما بثته كاميرا " الجزيرة " فى حيثيات ادانته للمخلوع، ربما من اجل ذلك كان هناك حرص على اقتلاع عيون كاميرا "الجزيرة ".
* قالت مصادر امنية "تغيظ" ان عدم وضع "الكلابشات" فى ايدى المخلوع وزمرته اجراء طبيعى لا يخالف القانون، ووضعها هو الاجراء غير القانونى، طيب اذا كان الامر كذلك فلماذا نرى الكلابشات فى ايدى سواهم وان كان الحرامى المقبوض عليه سارق فرخة؟ اشمعنى؟
* لاحظت ان الضابط الذى كان يقف امام أكاديمية الشرطة اثناء محاكمة المخلوع رفع يده تعظيم سلام للعادلى وهو يمر أمامه! هل نفهم من هذه اللقطة ان نفوذ العادلى ما زال موجودا، وان الشرطة فى خدمة وزيرها وان كان "قتال قتله"؟
* أمريكا تهدد بقطع المعونة عن مصر، وهنا ينبغي أن نسأل أين دور رجال الأعمال الأثرياء الأوفياء من هذا التهديد؟
* غضبت امريكا غضباً شديدا لتفتيش بعض مقار منظمات المجتمع المدنى التى تمولها فى مصر، هذا الغضب ذكرنى بزيارتى للندن قبل ثلاثة اعوام حيث فوجئنا بعد انهاء اجراءات الدخول بالمطار ان اوقفونا صفاً لنتعرض لتفتيش دقيق، وتكرر هذا المشهد بمطارات اوروبا وامريكا، السؤال لماذا لم تغضب امريكا للعرب الذين امروهم بخلع أحذيتهم بالمطارات وجرد البعض من ملابسه للتفتيش الذاتى وتعرضوا لأشعة الكشف الخطرة، اشمعنى يا ست هيلارى ناس تتفتش وناس على راسها ريشة.
* السكوت على منظر المارينز الأمريكان وهم يتبولون على جثث الأفغان جريمة بشعة لا تقل عن قتلهم، فعلا أمريكا هي الراعي الأول لحقوق الانسان!!
* الأخبار تقول ان رحلة مبارك من المركز الطبى الى المحكمة بالطائرة تتكلف نصف مليون جنيه يعنى ناهب مصر حاكم ومتهم! منك لله يا مبارك.
* ويكيليكس يفضح التمويل الامريكى لمنظمات حقوقية مصرية، وواشنطن تدعم مباشرة دون تصريح من الحكومة وكالعادة وبراءة الأطفال في عينيها!
* مات عبد الناصر رحمه الله مدينا لخزينة الدولة بـ 16.000 جنيه قيمة أقساط كان يسددها بسبب زواج ابنته منى، على فكرة كان يرتدى ايضا كل بدله من صوف المحلة! يعنى لم يمتلك الرجل لا مشاريع، ولا مصانع ولا شاليهات فى مارينا ولا ملايين تنام فى البنك هانئة، وهذا هو الفرق المذهل بين حاكم لا يصل جيبه إلا مخصصات راتبه الحلال وحاكم "يأكل مال النبى" ويضع نصب عينيه مبدأ " لم وكوش يا جدع قبل ما تخلع " حسبنا الله ونعم الوكيل.
* للإعلام ضوابط أخلاقية ومهنية وما يقوم به المهيمنون على بعض القنوات فى قاهرة المعز من توليع وفتن أفظع وأشرس مما يقوم به البلطجية، والفلول وكل الخارجين على القانون.
* آخر الكلام لأحلام، (ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون انما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار).
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه. مفارقة تهز الخيال أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها. وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم. سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر. دول دُمرت وشعوب شُردت لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل ببطء بهدوء ومن داخل النظام نفسه كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم. ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما). صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا. كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر). تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة. وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !! زهران ممداني ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر. دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين هل توقفت القصة هنا؟ لا لم تتوقف ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر عبدالرحمن السيد اسم عربي واضح مسلم من أصول مصرية فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها. وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين أوباما ممداني عبدالرحمن السيد ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية. ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي. المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس نحو مؤسساتها نحو جامعاتها نحو إعلامها نحو مجالسها المحلية نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه. وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !! ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟ هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول إنهم أمريكيون ولدوا فيها درسوا في مدارسها يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها يدفعون ضرائبها يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده إذا خسر سيأتي غيره وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال قبل عقود كان السؤال هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟ وحدث ثم جاء السؤال هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟ وحدث والسؤال اليوم هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟ نعم بات ذلك ممكنا لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟! هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟ اليوم قد يضحك البعض من السؤال لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها. وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين قد يكتب جملة أكثر إثارة: بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.
7206
| 11 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1716
| 09 أغسطس 2026
ليست كل الأزمات التي تواجه المؤسسات مالية أو تشغيلية؛ فبعضها تصنعه القيادة بصمت، عندما تغيّر بسلوكها ثقافة المؤسسة. أحيانًا لا يتغير في المؤسسة سوى اسم المدير، لكن يشعر الموظفون أن كل شيء قد تغير. يتراجع الحوار الصريح، وتختفي المبادرات، ويصبح الحذر سلوكًا يوميًا، ويقدّم الموظفون حماية أنفسهم على أهداف المؤسسة. عندها لا تكون المؤسسة قد خسرت موظفيها بعد، لكنها تبدأ في خسارة أهم أصولها: ثقافتها التنظيمية. لا تُعرف الثقافة التنظيمية بما يُعلّق على الجدران أو يُعلن في الاجتماعات، بل بما يفعله الناس عندما تغيب أعين الإدارة. إنها الطريقة التي تُتخذ بها القرارات، ويُدار بها الاختلاف، ويُكافأ بها الأداء. ولهذا يؤكد عالم النفس التنظيمي إدغار شاين أن الثقافة لا تصنعها الشعارات، بل السلوك الذي يتكرر حتى يصبح القاعدة غير المكتوبة داخل المؤسسة. فالموظفون لا يحكمون على القيم المعلنة، بل يراقبون من يحصل على التقدير، وما السلوك الذي يُغضّ الطرف عنه، ومن تُفتح له الفرص. ومن هذه الرسائل اليومية تتشكل الثقافة. فإذا كانت القيادة تكافئ الكفاءة، أصبحت الكفاءة هي المعيار. وإذا كانت تكافئ التعاون، ترسخت روح الفريق. أما إذا كانت تمنح اهتمامها لمن ينقل الأخبار عن زملائه، أو يتتبع أخطاءهم، أو يسعى إلى كسب رضا القيادة أكثر من سعيه إلى تطوير العمل، فإنها ترسل رسالة غير معلنة مفادها أن هذا السلوك هو الطريق إلى التقدير. وأخطر ما قد تفعله القيادة هو أن تجعل نقل الأخبار عن الزملاء سلوكًا يحظى بالاهتمام أو المكافأة. فعندما يلاحظ الموظفون أن من يراقب الآخرين أو ينقل أحاديثهم يحظى بالقرب من القيادة، فإنهم يتعلمون سريعًا أن الطريق إلى النجاح لا يمر دائمًا عبر الإنجاز، بل قد يمر عبر مراقبة الآخرين. عندها تتآكل الثقة، ويبدأ الموظفون في بناء الحواجز بدلًا من بناء جسور التعاون. ويفسر عالم النفس ألبرت باندورا هذه الظاهرة من خلال نظرية التعلم الاجتماعي، التي ترى أن الناس يتبنون السلوك الذي يرونه محل تقدير ومكافأة. لذلك، فإن السلوكيات السلبية لا تنتشر لأنها مكتوبة في اللوائح، بل لأنها تجد من يشجعها، أو يتسامح معها. ولا يقل خطرًا عن ذلك ظهور ما يُعرف بـ«الدائرة المقرّبة». فقد أوضح الباحثان في القيادة التنظيمية جورج غراين وماري أول-بيين أن تفضيل مجموعة محددة ومنحها فرصًا أو معلومات لا يحصل عليها غيرها يخلق شعورًا بأن العلاقة الشخصية أصبحت أهم من الكفاءة. وعندما يحدث ذلك، تتراجع العدالة، ويضعف الانتماء، ويبدأ الموظفون في الاستثمار في العلاقات أكثر من استثمارهم في الأداء. ويتعاظم الضرر عندما تتسع الفجوة بين ما تقوله القيادة وما تمارسه. فقد ترفع شعار العمل الجماعي، بينما تدير المؤسسة من خلال دائرة مغلقة، أو تتحدث عن العدالة، بينما تختلف قراراتها باختلاف الأشخاص. ويشير الباحث في السلوك التنظيمي توني سيمونز إلى أن اتساق القائد بين أقواله وأفعاله هو أساس بناء الثقة، وأن فقدان هذا الاتساق من أسرع الطرق التي تُضعف الثقافة التنظيمية. وتضيف الباحثة في القيادة والسلوك التنظيمي إيمي إدموندسون بُعدًا آخر لهذه الصورة، إذ ترى أن المؤسسات المتميزة هي التي يشعر فيها الموظفون بالأمان النفسي؛ أي بالقدرة على إبداء الرأي، وطرح الأفكار، والاعتراف بالأخطاء دون خوف. أما عندما يصبح الصمت أكثر أمانًا من الصراحة، فإن المؤسسة لا تخسر الحوار فحسب، بل تخسر التعلم والابتكار أيضًا. وعندما تتولى قيادة جديدة مؤسسة تضررت ثقافتها، تبدأ مهمتها بإعادة بناء الثقة، وترسيخ العدالة، ومكافأة الكفاءة، وتشجيع الحوار. فإصلاح الثقافة يحتاج إلى وقت وجهد، لكنه يعيد للموظفين شعورهم بالأمان والانتماء. فالقادة يرحلون، أما الثقافة التي يتركونها خلفهم فهي التي تبقى.
1101
| 16 أغسطس 2026