رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
غمرتني الفرحة عندما تم إبلاغي بالموافقة على اختياري في برنامج الدراسات الدولية للأبحاث في طوكيو من آلاف الطلبات المقدمة من مختلف أنحاء العالم، للقيام بالبحوث والجولات العلمية في المدارس والجامعات والمؤسسات الأكاديمية، للتعرف والاطلاع ودراسة المنظومة اليابانية التعليمية والبحث العلمي. لقد حزمت حقائبي منذ زمن طويل وكنت أنتظر الفرصة الذهبية التي تتيح لي التعمق في زيارة ودراسة المجتمع الياباني وتاريخه وخصائصه وتجربته التنموية والنهضوية، ورغم الدعوات المختلفة ترددت في السفر إلى بلاد الشمس المشرقة كسائح أو صحفي يكتب انطباعات عامة أشبه بتلك الشخصية التي تعيش في الريف وتذهب في زيارة إلى المدينة، أو مثل من يعيش في بيت من الطين ويتم أخذه في جولة سياحية داخل قصر، أشبه بما فعله مقدم برنامج خواطر في المحطة العربية (MBC).
وأعترف أنه رغم تجربة الدراسة والانتقال ما بين الولايات المتحدة وأوروبا ما زلت أحمل في داخلي بعضا من تلك الأسئلة، على شاكلة لماذا تقدمت اليابان وتأخرت الدول العربية دون استثناء رغم أن أم الدنيا مصر كانت سابقة في تجربتها التنموية على سبيل المثال؟ وكيف استطاعت العقول اليابانية أن تعصف بالاقتصاد الخليجي في الكويت والبحرين وقطر والإمارات وعمان والسعودية، وتنهي منظومة حقبة كاملة سياسية واقتصادية واجتماعية قامت وتشكلت وترعرعت على مهنة استخراج اللؤلؤ قبل الدخول في عصر النفط ومشتقاته؟! وكيف تعاملت مع تجربة القنبلة النووية وخرجت من رحم الهزيمة العسكرية والاحتلال في الحرب العالمية الثانية منتصرة لتصبح في المركز الثاني عالميا بعد الولايات المتحدة الأمريكية إلى العام الماضي بعدما تراجعت لحساب الصين، بينما يعجز الجار العراقي من عام 2003 إلى اليوم من وضع اللبنات الأولى لبناء دولة حديثة؟!
لقد أتاحت لي هذه الزيارة الاطلاع على كتب ودراسات ومقالات عديد غربية وشرقية عن التجربة اليابانية، وزودتني بمعلومات مفصلة وغزيرة وحقائق تاريخية ومعاصرة وأرقام وإحصاءات عديدة مبهرة عن هذا البلد الفريد والشعب الرائع الذي لا يكاد أن تجد له نظيرا في العالم، ولا أدعي أني تيقنت أنه إذا قدر للعالم أن يكتشف كوكبا قابلا للحياة بديلا لكوكب الأرض يستطيع الإنسان أن يعيش فيه، فيجب أن تسند المهام الأولى في التنظيم والإشراف والإدارة ووضع اللوائح والقوانين والتشريعات والقواعد المدونات السلوكية إلى الشعب الياباني.
الرحلة لها مذاقها الخاص منذ بداية الانطلاق فخط الرحلة أصبح مباشرا بعد أن كان متقطعا في السابق، حيث يضطر المسافر إلى تبديل الطائرة في إحدى الدول الآسيوية القريبة مثل تايلاند أو الانتظار في الطائرة ليكمل الرحلة بعدها. كما تحولت اللغة العربية والإنجليزية إلى لغات أجنبية غريبة، يتم التعامل مع المتحدث بها عن طريق لغة الإشارات البدائية وتكون في معظم الأحيان عصية على الاستيعاب والفهم. واختفت الأشواك والسكاكين من قائمة الأكل وحلت محلها (العصي والعيدان) وكان البديل لها المعلقة البلاستيك التي تحمل أسنانا في مقدمتها ويمكن استخدامها لاحتساء الشوربة وأكل الأرز في الوقت نفسه كما يفعل الأطفال في المرحلة الأولى في المدارس. ومن نافذة الطائرة عند الاقتراب من الوصول، كانت الدهشة تأسر القلب في النظر إلى الجزر المتناثرة والمعزولة ذات الطبيعة الجبلية والتي تقدر بثلاثة آلاف جزيرة ونيف بحيث إذا جمعتها مع بعضها البعض تكونت لك بلاد (نِيپّـونْ \\ نِيهُونْ) وهي التسمية التي يطلقها اليابانيون على بلدهم وتعني "منشأ الشمس" أو "أرض الشمس المشرقة". تذكر الموسوعة العالمية أن الاسم استمد من الصين وأول ذكر لليابان في كتب التاريخ الأوروبية يعود لعام 1577 تحت اسم غيابان (Giapan)، وقد ذكر ماركو بولو اليابان في كتاباته تحت اسم "سيبانغو"، وعندما وصلت أولى البعثات التبشيرية البرتغالية إلى اليابان في القرن السادس عشر، تبنى البرتغاليون اسم "جيبون" وهو اسم منحول من الاسم الياباني نيبّون. وهناك فرضية غير مؤكدة كعادة العرب القائمة على النقل من فلان عن علان تقول إن أول ذكر لليابان في المصادر العربية يعود إلى خريطة العالم التي رسمها العالم العربي أبو عبد الله محمد الإدريسي (الشريف الإدريسي) في القرن الثاني عشر الميلادي، حيث توضح خريطة الإدريسي وجود مجموعة من الجزر باللون الذهبي في القسم العلوي اليساري من الخارطة مقابل سواحل إفريقيا وجنوب شرق آسيا أطلق عليها اسم "الواق واق"، وهذا الاسم تم وضعه من قبل الرحالة العربي ابن بطوطة الذي استمده من اللفظ الصيني "واكوكو".
أما بالنسبة للاسم الحالي "اليابان" فهو مأخوذ من البرتغالية، وقد حور العرب الحرف الأول "J" إلى "ي" ليصبح اللفظ على ما هو عليه حاليا (اليابان).
باءت محاولاتي بالفشل في البحث عن قامة جبل فوجي أجمل الجبال في العالم وأشهرها على الإطلاق ويبلغ ارتفاعه 3.776 مترا، ويعتبره اليابانيون جبلا مقدسا منذ القدم، وكان يحظر على النساء الاقتراب منه. وعندما سألت المضيفة عن مكانه قالت لي بعد جهد جهيد إنه يجب عليك أن تزور الجبل وتراه عن قرب وليس من نافذة الطائرة فهو له هيبة مقدسة مثل طلة الإمبراطور أو ربما هذا ما فهمته من إشاراتها وإيماءتها، وهي لم تفهم سر تهكمي عندما مازحتها بأغنية أنغام (كأن بطلتك هيبة كما هيبة ملك). لم تكن الرحلة مباشرة إلى مطار ناريتا (Narita International Airport) في طوكيو كما ظننا، وتوقفت في مطار أوساكا (?saka)، لمدة 35 دقيقة بالضبط دون تقديم أو تأخير، وهو شيء لا نستطيع أن نستوعبه في العالم العربي أو في أمريكا اللاتينية. فماذا يعني تأخير عشر دقائق أو ربع أو نصف أو حتى ساعة فلن تقوم القيامة، لكنها في اليابان تقوم، وقد تكلف غاليا، ويمكن أن تخسر مواعيد الرحلة وتفقد الحجوزات في المطارات والقطارات ومواعيد العمل والمواعيد الشخصية، إذا تأخرت في الدقائق الخمس الأولى وربما هو أول درس يتعلمه القادم إلى اليابان.
وصلنا إلى محطتنا الأخيرة وتم استقبالنا والذهاب إلى السكن الذي يقع في مقر الجامعة وهو مخصص للباحثين الدوليين من خارج اليابان، وقد صدمت في مشاهدة الغرفة التي تشبه الكبسولة لكن الغريبة أن كل ما يحتاجه الإنسان في غرفته العادية موجود. لله دركم أيها اليابانيون فعلا لقد فكروا في كل شيء ولم يتركوا أي شيء يسير عبثا دون تخطيط مسبق. هل من الممكن أن تكون هذه الغرف هي الحل لأزمة السكن في الدول العربية الكبيرة القاهرة والخرطوم ومراكش والجزائر ودمشق وعمان، سؤال طرحته على نفسي، وتذكرت ساعتها أننا سبقنا اليابان بالتفكير وتجاوزناها بمراحل فهناك الملايين ينامون فوق الأضرحة وداخل المقابر (وهي أصغر من الغرف اليابانية بكثير) في أكبر عواصم وأحياء الدول العربية، وفي دراسته الأخيرة أشار تقرير للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء إلى أن 1.5 مليون مصري يعيشون في المقابر. (يتبع)
Aljaberzoon.blogspot.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف بين صوتين داخلنا؛ صوت القلب وصوت العقل. أحيانًا يميل الإنسان إلى مشاعره فيتخذ قرارات سريعة بدافع الحب أو الغضب أو الحزن، ثم يكتشف بعد فترة أنه أخطأ التقدير. لذلك قيل دائمًا: “فكّروا بعقولكم وليس فقط بقلوبكم”، لأن العقل هو النور الذي يرشد الإنسان عندما تتشابك المشاعر وتختلط الحقائق. القلب جميل، وبدونه تصبح الحياة جافة وخالية من الإحساس، فهو مصدر الرحمة والحنان والمحبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القلب وحده هو القائد لكل قراراتنا. فكم من إنسان سامح كثيرًا حتى كُسر، وكم من شخص وثق بمن لا يستحق فقط لأنه استمع لعاطفته، وكم من قرار اتُّخذ في لحظة انفعال فترك أثرًا طويلًا من الندم. المشاعر وحدها لا تكفي لنعيش بأمان، لأن العاطفة قد تعمينا أحيانًا عن رؤية الحقيقة. أما العقل فهو القادر على الموازنة، وعلى رؤية الأمور من جميع الزوايا. العقل لا يعني القسوة كما يعتقد البعض، بل يعني الحكمة والوعي والتفكير قبل اتخاذ أي خطوة. الإنسان العاقل لا يندفع خلف كل كلمة يسمعها، ولا يصدق كل مشاعر يعيشها، بل يتوقف قليلًا، يفكر، يحلل، ثم يقرر. وهذا ما يجعل قراراته أكثر استقرارًا وأقل ألمًا. وكثيرًا ما تظهر أهمية العقل في الأوقات الصعبة، خاصة عند مرض شخص قريب وعزيز على قلوبنا. ففي لحظات الخوف والقلق قد نتخذ قرارات بدافع المشاعر فقط، دون تفكير هادئ أو استشارة صحيحة، ثم نندم لاحقًا عندما تظهر نتائج تلك القرارات. أحيانًا يحكمنا الخوف فنرفض علاجًا، أو نوافق على أمر دون دراسة، أو ننهار نفسيًا فنفقد القدرة على التفكير السليم. لذلك في أوقات الألم نحن بحاجة لأن نتمسك بالعقل أكثر، لا لأننا بلا مشاعر، بل لأن الموقف يحتاج حكمة حتى لا تكون نتائج القرار وخيمة علينا وعلى من نحب. كثير من المشاكل الأسرية أو الاجتماعية بدأت بسبب لحظة غضب لم يتحكم فيها العقل. كلمة قيلت دون تفكير قد تهدم علاقة سنوات، وقرار متسرع قد يغيّر حياة كاملة. لذلك نحن بحاجة لأن نعطي لعقولنا فرصة قبل أن نتصرف. ليس ضعفًا أن نتأنى، وليس برودًا أن نفكر، بل هو نضج يحمي الإنسان من أخطاء كثيرة. وفي المقابل، لا يعني استخدام العقل أن نتخلى عن مشاعرنا أو نصبح بلا قلب. الإنسان المتوازن هو من يجعل العقل قائدًا، والقلب داعمًا. فالعقل يحدد الطريق الصحيح، والقلب يمنح هذا الطريق إنسانية ورحمة. عندما يتعاون الاثنان، يعيش الإنسان بسلام داخلي ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات. في النهاية، القلب قد يقودنا للحب، لكن العقل يحمينا من الألم. والقلب قد يدفعنا للتسامح، لكن العقل يعلّمنا متى نتوقف. لذلك اجعلوا مشاعركم جميلة، لكن لا تسمحوا لها أن تعميكم عن الحقيقة. فالحياة تحتاج قلبًا يشعر… وعقلًا يفكر.
3009
| 02 يونيو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2586
| 02 يونيو 2026
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام رمضان؟ ولماذا نستطيع في تلك الأيام أن نترك عادات سيئة، ونلتزم بالصلاة، ونقرأ القرآن براحة وطمأنينة… ثم بعد انتهاء الموسم نعود أحيانًا كما كنَّا؟ هذه المواسم ليست عبثًا، بل جعلها الله محطات متكررة لإعادة ترتيب حياتنا من الداخل. رمضان كان ثلاثين يومًا من التدريب الحقيقي على الصبر والانضباط وتزكية النفس، ثم جاءت العشر المباركة والحج بعده بفترة قصيرة لتعيد شحن القلب من جديد وكأن الله يمنحنا فرصة أخرى حتى لا تبهت أرواحنا وسط زحمة الحياة. لكن السؤال الأهم: كيف نستفيد فعلًا مما مضى؟ وكيف نجعل أثر رمضان والحج يستمر معنا؟ وكيف نحافظ على أنفسنا من العودة للعادات والسلوكيات السيئة التي حاولنا تركها؟ رمضان لم يكن مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل كان تدريبًا عمليًا على التحكم بالنفس. خلال ثلاثين يومًا تعلّمنا أن الإنسان قادر على تغيير عاداته إذا امتلك الإرادة. استطعنا أن نبتعد عن أشياء اعتدناها سنوات، وأن نقترب من القرآن والصلاة والدعاء والهدوء الداخلي. ثم جاءت أيام الحج والعشر المباركة لتذكّرنا بمعنى الطهارة الحقيقية، والتجرد لله، والشعور بأن الدنيا أصغر من أن تستحق كل هذا التعلق والانشغال، لبسنا الإحرام ومشينا ورمينا واستعدنا ذكريات جدنا إبراهيم الخليل صلوات ربي وسلامه عليه وعلى نبينا محمد. هذه المواسم ليست لحظات مؤقتة فقط، الدين يهتم بالسلوك بالعادات والتعامل بعلاقتك مع الآخر، الدين ليس ركوعا وسجودا فقط، الدين معاملة ونهج حياة. ولذلك فإن أهم محطة يجب أن نتوقف عندها بعد رمضان والحج هي "المراجعة". ماذا تغيّر فينا؟ ما العادة التي استطعنا كسرها؟ ما العبادة التي قرَّبتنا من الله؟ ما الشيء الذي شعرنا معه براحة وطمأنينة حقيقية؟ كثير من الناس يظنون أن التغيير يعني أن يصبح الإنسان كاملًا، بينما الحقيقة أن الاستمرار أهم من الكمال. فالله يحب العمل الدائم وإن كان قليلًا. ليس المطلوب أن تعيش بنفس قوة رمضان طوال السنة، لكن المطلوب ألا تنقطع تمامًا بعده هذا شي مهم جداً. ولكي نحافظ على الأثر الجميل لهذه المواسم، نحتاج إلى بناء عادات صغيرة وثابتة، فمثلاً صفحة قرآن يوميًا، ركعتا قيام ولو لدقائق، أذكار الصباح والمساء، صدقة بسيطة، أو حتى المحافظة على الصلاة في وقتها. هذه الأعمال الصغيرة تشبه القطرات التي تحافظ على حياة القلب مهما كانت الحياة مزدحمة. ومن الأمور المهمة أيضًا أن ننتبه للبيئة التي حولنا. فالإنسان يتأثر بمن يجلس معهم وبما يراه ويسمعه يوميًا. لذلك فإن الصحبة الصالحة، والمجالس الطيبة، والابتعاد عن كل ما يعيدنا للعادات السيئة… كلها أسباب تساعد على الثبات والاستمرار. كما يجب أن نفهم أن العودة لبعض الأخطاء لا تعني الفشل. كل إنسان يضعف ويتعثر، لكن الفرق الحقيقي بين الناس هو سرعة العودة إلى الله وعدم الاستسلام. الطريق إلى الله ليس طريقًا بلا أخطاء، بل طريق مليء بالمحاولات والرجوع والتوبة والاستمرار. لقد خلق الله لنا رمضان كفلتر ينظف القلب خلال ثلاثين يومًا، ثم أتبع ذلك بالعشر المباركة والحج بعد شهرين تقريبًا حتى تبقى الروح متصلة بالله وحتى لا نغرق طويلًا في انشغالات الدنيا. وكأن هذه المواسم محطات صيانة للقلب يعود فيها الإنسان إلى نفسه، ويعيد ترتيب أولوياته ويتذكر لماذا خُلق وإلى أين يسير. فالسعيد حقًّا ليس من تأثر في رمضان فقط، أو بكى في عرفات فقط، بل من حمل أثر تلك الأيام معه بعد انتهائها. من أصبحت عبادته سلوكًا وأخلاقه نهج حياة وقلبه أهدأ وعلاقته بالله أقرب وأصدق. نسأل الله أن يجعل أثر رمضان والحج باقيًا في قلوبنا وأن يرزقنا الثبات بعد الطاعة والاستمرار بعد المواسم لأن الفرص لها عدد فلا تضيعها لكنك لن تجد ما تقوله لربك إذا وقفت بين يديه.
2184
| 02 يونيو 2026