رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تصاعدت حدة التوتر بين بغداد وأنقرة خلال الأيام القليلة الماضية، بدعوى الاحتجاج على قيام تركيا مؤخرا بإرسال وحدة عسكرية محدودة العدة والعدد لغرض حماية فريق تدريب عسكري يتواجد في ضواحي الموصل منذ سنة ونصف بناء على طلب من رئيس الوزراء حيدر العبادي، تصرفت تركيا في إطار التحالف الدولي ضد الإرهاب وهو تتولى منذ ما يزيد على السنة والنصف تأهيل مقاتلين وإعدادهم للمشاركة في تحرير الموصل، ألم تنشر الولايات المتحدة مؤخرا قوات (برية) خاصة من المارينز إضافة لحماية فرق التدريب الأمريكية غرضها القيام بعمليات سرية داخل الأراضي العراقية؟ لم نسمع أن أحدا اعترض!!
كان من المفروض أن يكون غرض استقدام هذه القوات كافيا للتعاطي مع الحدث بذهن مفتوح، آخذين بنظر الاعتبار أن اتفاقية بين العراق وتركيا كانت أبرمت في تسعينيات القرن الماضي تسمح للجيش التركي بملاحقة إرهابيين داخل الأراضي العراقية، جددت في زمن نوري المالكي وطالب بتفعيلها حيدر العبادي وبناء عليها أرسلت تركيا منذ أسابيع معدات عسكرية عاجلة للعراق جوا عن طريق مطار بغداد الدولي.
منذ سنة ونصف والقوات التركية متواجدة في بعشيقة لأغراض التدريب والكل على علم بذلك وإثارتها في هذا الوقت يتزامن والحملة التي تتعرض لها تركيا من جانب روسيا وإيران بسبب الموقف المبدئي التركي من نظام بشار الأسد، لهذا نعتبر الضجة مغرضة ومفتعلة حرضت عليها الدولتان من باب الشغب السياسي ودفع العراق للارتماء أكثر في حضن إيران وحرمان العراق من أي منفعة تجنيها من خلال علاقات طبيعية مع تركيا وهو ما دأبت عليه إيران منذ عام 2003 وحرصت عليه روسيا مذ تدخلت في سوريا.
من جانب آخر لابد من التنويه على البعد الطائفي لهذا الموقف وهو واضح وضوح الشمس، ذلك أن النخبة الموالية لإيران والتي تصنع القرار السياسي لا تريد أن ترى السنة أقوياء حتى لو كان الغرض المشاركة في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، ولهذا تم عرقلة مشروع قانون الحرس الوطني، كما تمنع حكومة العبادي تسليح عشائر الأنبار، أما الصدام مع البشمركة (كرد سنة) في الطوز وآمرلي والتهديد بحرب ضروس في سنجار فلا تفسير له غير ذلك، وفي هذا الإطار تندرج الحملة الدعائية المغرضة على تركيا والسعودية وقطر.. أن تكون سنيا فأنت لا مكان لك في العراق الجديد، يتساوى في ذلك العربي السني والكردي والتركي.
السيادة ومنع التدخل والنفوذ الأجنبي مبدأ لا يختلف عليه أحد، لكن السؤال هل هو موجود على أرض الواقع فعلا؟ الحقائق الماثلة على الأرض هي التي تجيب، ترى كيف نفسر صولات وجولات الجنرال قاسم سليماني في صلاح الدين وكركوك وديالى وحزام بغداد ومعه جنرالات الحرس الثوري الإيراني في إيران، وبماذا نفسر غزوات جنودها بذريعة الزيارة الأربعينية كما حصل عبر منذ الشلامجة/البصرة عام 2014 وعبر منذ زرباطية منذ أيام، بل بماذا نفسر نفوذ إيران التخريبي في السياسة والاقتصاد والثقافة والاجتماع وبالطبع في الأمن، وماذا بقي من سيادة للعراق والقوات الغربية لا تكتفي باستباحة المجال الجوي فحسب بل هي موجودة على الأرض سواء كانت قوات خاصة أو تقليدية عامة تتحرك وفق أجندتها بعلم أو بجهل القائد العام للقوات المسلحة، بل نقول هل حصل في دولة ذات سيادة أن تجبر على تعليق طيرانها المدني كي تسمح لصواريخ كروز الروسية أن تعبر مجالها الجوي إلى دولة مجاورة وبكل ما ينطوي عليه ذلك من أخطار!! وهل المليشيات الأعلى ضجيجا في الحديث عن السيادة قد أبقت من سيادة للدولة العراقية بل من سلطة لحكومة حيدر العبادي والكل يعلم أنها بحكم الدستور تشكيلات مارقة وخارجة عن القانون؟
هل يملك العراق قراره السيادي؟؟ الإجابة على ذلك بالطبع كلا والأدلة لا تعد ولا تحصى رغم ذلك لم نسمع أحدا من النخبة السياسية الحاكمة أثار هذا الموضوع من قريب أو بعيد.. والسبب معلوم.
لكن السؤال المحير، هو لماذا نام حيدر العبادي على كل هذه الخروقات وصحى فجأة على انتشار قطعات محدودة بالعدة والعدد وصنع منها حدث الساعة، تصوروا كيف كانت ردة الفعل لو تصرفت تركيا كما تتصرف إيران... لو أرسلت تركيا جنرالاتها للحرب في المحافظات الساخنة؟ تصوروا لو حشدت مئات الألوف من الأتراك وحرضتهم - كما فعلت إيران - للهجوم على منفذ إبراهيم الخليل؟ تصوروا لو أرسلت راجمات الصواريخ والمدفعية الثقيلة لدعم مليشيات عميلة بحجة محاربة الإرهاب؟ تصوروا لو صرح مسؤولوها بأن تركيا استعادت ميراث الدولة العثمانية وبات العراق ولاية من ولاياتها كما صرح كبار المسؤولين في إيران؟ ترى كيف كان من المتوقع أن تكون ردة الفعل؟.. إن موقف حيدر العبادي فضيحة، والضجة مفتعلة ولا تصب في صالح العراق ومن غير المقبول توظيف العراق العظيم ليصبح مخلب قط تحركه أجندة إيران أو روسيا، العراق أكبر من ذلك، وهو الخاسر في تردي العلاقات مع تركيا التي يرتبط معها بمصالح إستراتيجية تتعلق بحياة العراقيين، لقد حافظت تركيا على علاقات متوازنة مع الجميع كما أنها أسهمت بفعالية في تنمية عراق ما بعد الغزو ومدت يد العون والمساعدة للعراقيين في أحلك الظروف، وهي تفعل الشيء ذاته ولم تغفل مسؤوليتها حتى في احتضان وإيواء مئات الألوف من المهجرين الهاربين من الموت.. ويبقى العراق بأمس الحاجة لتركيا ولتجربتها الناجحة وتفوقها اللافت للنظر في الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا، إن المصلحة الوطنية تقتضي تفعيل 48 مذكرة تفاهم تخدم العراق في السياسة والاقتصاد والبناء والإعمار والأمن والثقافة.. إلخ، ونكرر ليس من مصلحة العراق التفريط بذلك كله لمجرد واقعة منعزلة فيها الكثير من سوء الفهم والمقصد يمكن تطويقها بالحوار الهادف البناء، وعلى حكومة العبادي أن تحذر وتنأى بنفسها عن سياسة المحاور لأن العراق سيكون الخاسر الأكبر في هذه المعادلة، والذين يدفعون الموقف السياسي باتجاه معاداة تركيا عليهم أن يراجعوا أنفسهم وسياستهم قصيرة النظر هذه، وأن يضعوا حدا لحملة التصعيد التي لا مبرر لها تمهيدا لتطبيع العلاقات على عجل. نقول ذلك لا دفاعا عن تركيا ولكن حرص على مصلحة العراق.
رب ضارة نافعة، والفرصة باتت سانحة ولا ينبغي تضييعها بل استثمارها من أجل فتح الملف السيادي كاملا ومراجعة ممارسات الدول ذات الصلة وعلى وجه الخصوص إيران والتحالف الدولي وروسيا، من أجل حصر جميع التجاوزات والانتهاكات تمهيد لمعالجتها وفق مقتضيات السيادة، وهنا لابد من التذكير بتفادي المعايير المزدوجة باعتبار السيادة مسؤولية وشرف لا يمكن المساومة عليها مهما كان مستوى العلاقات مع هذه الدولة أو تلك، ومتى فعلت حكومة حيدر العبادي ذلك فإنها تكون قد قدمت الدليل على نزاهة توجهاتها. لكني أشك أنها قادرة على تحمل مسؤوليتها والسبب أن القرار السياسي العراقي مختطف كون العراق مع الأسف بات دولة فاقدة للسيادة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
● سياسي من العراق
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها، حدث ذلك مع الآلة الصناعية، ثم مع الحاسب الآلي، ثم مع الإنترنت، واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي. فمنذ أن أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع، امتلأت وسائل الإعلام بعناوين تتحدث عن اختفاء وظائف ومهن كاملة، وأصبح كثير من الموظفين يتساءلون: هل سيأتي يوم يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ لكن اللافت أن عدداً متزايداً من المحللين والخبراء الاقتصاديين يتفقون على أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ الوظائف، بل من سيكون أكثر قدرة على الاستفادة منه. فالتقارير الصادرة عن مؤسسات عالمية مثل ماكينزي وجولدمان ساكس وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في عدد كبير من الوظائف الحالية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء معظمها. بل إن الأثر الأكبر قد يتمثل في إعادة تشكيل طريقة العمل ورفع الإنتاجية وتغيير المهارات التي ستحدد الفائزين في سوق العمل خلال السنوات المقبلة. لقد علمنا التاريخ أن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى الإنسان، بل تغير طبيعة مساهمته في الاقتصاد، فعندما انتشرت الحواسيب في الثمانينيات والتسعينيات، سادت مخاوف من اختفاء عدد كبير من الوظائف المكتبية. وعندما ظهر الإنترنت، توقع البعض أن تتراجع قطاعات بأكملها. لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً؛ فقد بقيت الوظائف، إلا أن العاملين فيها اضطروا إلى اكتساب مهارات جديدة للتكيف مع البيئة الجديدة. واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه. لنتخيل موظفين يمتلكان المؤهل العلمي ذاته والخبرة نفسها، أحدهما يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وتحليل البيانات وإعداد التقارير، بينما يصر الآخر على الاعتماد على الأساليب التقليدية فقط. بعد فترة من الزمن سيصبح الفرق بينهما واضحاً في سرعة الإنجاز، وجودة المخرجات، والقدرة على التعامل مع حجم أكبر من الأعمال. وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي يتحدث عنها كثير من المحللين. فالمنافسة المقبلة قد لا تكون بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يستفيد من الذكاء الاصطناعي وإنسان يختار تجاهله. وتؤكد شركة ماكينزي في عدد من دراساتها أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في استبدال الموظفين، بل في تمكينهم من أداء أعمالهم بكفاءة أعلى. كما يرى محللو جولدمان ساكس أن هذه التقنية قد تسهم في رفع الإنتاجية الاقتصادية العالمية بصورة ملموسة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الضخمة التي تتدفق اليوم نحو هذا القطاع. ولا يقتصر الأمر على قطاع معين. ففي المحاسبة والتمويل تساعد هذه الأدوات على تحليل كميات ضخمة من البيانات خلال وقت قصير. وفي القانون تساهم في مراجعة الوثائق والعقود. وفي القطاع العقاري أصبحت تساعد على دراسة الأسواق وتحليل الاتجاهات وتقييم الفرص الاستثمارية. أما في التعليم والإعلام والإدارة، فالقائمة تطول يوماً بعد يوم. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الإنسان بالكامل يبدو مبالغاً فيه. فما زالت هناك أمور يصعب على الآلة القيام بها بالكفاءة نفسها، مثل القيادة، واتخاذ القرارات المعقدة، وفهم العلاقات الإنسانية، والتفاوض، وتحمل المسؤولية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم معلومات واقتراحات، لكنه لا يتحمل نتائج القرار ولا يمتلك الخبرة الإنسانية المتراكمة التي يحتاجها كثير من المواقف. ومن هنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي فجوة المهارات. ففي الماضي كانت الفجوة الأساسية بين المتعلم وغير المتعلم، أما اليوم فقد بدأت تتشكل فجوة جديدة بين من يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي ومن لا يعرف ذلك. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تغيراً كبيراً في المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأن التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات الجديدة سيصبحان من أهم عوامل النجاح المهني. كما حذر صندوق النقد الدولي من أن المؤسسات والدول التي تتأخر في تبني هذه التقنيات قد تواجه فجوة متزايدة في الإنتاجية مقارنة بمنافسيها. هذا لا يعني أن جميع الوظائف ستكون بمنأى عن التأثير. فبعض الأعمال الروتينية والمتكررة قد تشهد تراجعاً خلال السنوات المقبلة، خصوصاً تلك التي تعتمد على إدخال البيانات أو معالجة المعلومات بصورة نمطية. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن التكنولوجيا لا تلغي وظائف بقدر ما تعيد تشكيلها، وتخلق في المقابل فرصاً جديدة لم تكن موجودة من قبل. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي سيحدث بعد عشر سنوات، بل ما الذي يمكن أن نفعله من الآن. فالتعرف على أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها في العمل اليومي لم يعد رفاهية تقنية، بل قد يصبح خلال سنوات قليلة جزءاً من المهارات الأساسية المطلوبة في معظم المهن. لقد أثبت التاريخ أن التكنولوجيا لا تكافئ الأقوى، بل تكافئ الأسرع في التكيف معها. وكما تجاوز مستخدم الحاسب الآلي من تمسك بالآلة الكاتبة، وكما تفوق من أتقن الإنترنت على من تجاهله، فإن الفائز في سوق العمل خلال السنوات القادمة لن يكون بالضرورة الأكثر خبرة أو الأعلى شهادة، بل الأكثر قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجيته وتعزيز قيمته. ولذلك، قد لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ بل: ماذا أفعل اليوم حتى لا يأخذها شخص يستخدمه أفضل مني؟. باحث اقتصادي
2643
| 10 يونيو 2026
يخوض أولياء الأمور خلال العام الدراسي سباقاً متواصلاً مع الزمن والميزانيات من أجل تأمين أفضل مستقبل لأبنائهم، فيبحثون عن المدارس المتميزة، ويتحملون أعباء الرسوم المرتفعة ويتابعون التحصيل الدراسي بدقة أملاً في بناء جيل واعٍ ومتفوق غير أن المفارقة التي تتكرر مع بداية الإجازة الصيفية تكمن في أن كثيراً من الأسر تتراجع فجأة عن دورها التربوي والتوجيهي وكأن المهمة قد انتهت بمجرد إغلاق أبواب المدارس فيُترك الأبناء لفراغ طويل بلا تخطيط ولا رقابة حقيقية تحت شعار منحهم الراحة بعد عناء الدراسة، بينما الحقيقة أن هذا الفراغ يتحول سريعاً إلى بيئة خصبة لإهدار ما تم بناؤه طوال العام. فالمشكلة الكبرى في عصرنا لم تعد نقصاً في المعرفة بل أصبحت أزمة إدمان رقمي يسيطر على عقول الأبناء من خلال الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي التي تبتلع الوقت والانتباه وتدمر التركيز، وخلال الدراسة يكون الطالب محكوماً بجدول يومي يحد من هذا الانغماس، أما في الصيف فإن غياب النظام يمنح الشاشات فرصة كاملة للهيمنة على حياته. وعندما تبتعد الأسرة من دورها التوجيهي فإن الخوارزميات تتولى التربية فتغرس في الأبناء العزلة والخمول والتشتت وتستبدل القيم والانضباط بمحتويات سريعة ومشتتة تؤثر في الأخلاق والسلوك والهوية ومع مرور الأيام يتحول الطفل من إنسان نشيط متعلم إلى مستهلك سلبي يقضي ساعات طويلة أمام شاشة لا تضيف لعقله ولا لشخصيته شيئاً نافعاً بل تدمر أفكاره وأخلاقه. ومن الأخطاء التربوية الشائعة الاعتقاد بأن التربية مرتبطة فقط بالمدرسة بينما الحقيقة أن الإجازة الصيفية تمثل الاختبار الأهم للأسرة، ففي المدرسة يجد الطالب من يوجهه ويراقبه وينظم وقته، أما في الصيف فإنه يواجه فراغاً مستمراً يحتاج إلى إدارة واعية، وقد أثبت كثير من الدراسات السلوكية أن ما يتم بناؤه خلال أشهر الدراسة يُهدم سريعاً خلال أسابيع من الإهمال والسهر والإفراط في استخدام الأجهزة الذكية، لذلك لا ينبغي النظر إلى الصيف على أنه موسم للنوم والتراخي بل فرصة حقيقية لاكتشاف المواهب وتنمية المهارات وبناء الشخصية بصورة أعمق بعيداً عن ضغط الاختبارات والواجبات المدرسية. ومن هنا تأتي أهمية البدائل العملية التي تشغل وقت الأبناء بما ينفعهم فالأندية الرياضية والمراكز الشبابية والأنشطة الحركية تمنح الجسد نشاطاً وصحة وتبعد الأبناء عن الخمول، كما أن المراكز الصيفية والدورات التدريبية في اللغات والبرمجة والمهارات الإبداعية تسهم في توسيع المدارك وتنمية التفكير بينما تساعد مراكز بناء الشخصية والأنشطة الجماعية على تعزيز الثقة بالنفس وتنمية روح التعاون وتحمل المسؤولية، وهي بدائل أكثر تأثيراً من مجرد المنع أو الحرمان لأن النفس إن لم تُشغل بالنافع انجرفت نحو الضار. إن الاستثمار الحقيقي في الأبناء لا يتوقف عند دفع الرسوم الدراسية المكلفة أو اختيار المدرسة المناسبة بل يمتد إلى حسن إدارة أوقاتهم في الإجازات فالتربية عملية مستمرة لا تعرف التوقف، والصيف قد يكون فرصة عظيمة لصناعة شخصية قوية وواعية إذا أحسن الوالدان استثماره وقد يتحول في المقابل إلى بوابة للهدم والتراجع إذا تُرك الأبناء أسرى للفراغ والشاشات لذلك فإن حماية عقول الأبناء من إدمان العصر تبدأ من قرار أسري واعٍ يملأ أوقاتهم بالعلم والنشاط والتجارب المفيدة قبل أن يملأها غيرهم بما يفسد عقولهم ويبدد مستقبلهم.
2580
| 09 يونيو 2026
السؤال مهم، ولا بد من التفكير في إيجاد إجابة أو إجابات عملية له من قبل الخبراء وأهل الاختصاص الذين لديهم القدرة على التحليل والتفكير للوصول إلى حلول مفيدة لأوطانهم وشعوبهم على المديين القريب والبعيد، فلا يعقل أن تظل دولنا الخليجية رهينة لهذا التهديد الذي يتم استخدامه ضدها في كل خلاف في المنطقة، وكما يرى الجميع فإنه في كل مرة تتصاعد فيها التوترات الإقليمية، يعود اسم مضيق هرمز إلى واجهة الأحداث باعتباره أحد أهم الممرات البحرية في العالم وأكثرها حساسية، ويكفي أن تلوح أي جهة بإمكانية تعطيل الملاحة فيه حتى ترتفع المخاوف العالمية بشأن أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية. ولذلك لا بد من تغيير السؤال الذي هو سائد حالياً والذي يركز على "كيف نحمي مضيق هرمز فقط؟"، بل لا بد أن يتم التركيز على كيفية التقليل من أهميته الاستراتيجية بحيث لا يصبح نقطة ضغط يمكن استخدامها كلما تصاعدت الخلافات أو الأزمات، والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن الجغرافيا ثابتة، بينما تتغير التحالفات والسياسات والمصالح، وقد أثبتت التجربة التي نشاهدها ونعيشها واقعاً ملموساً أمامنا اليوم، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الاعتماد على ممر واحد لنقل الجزء الأكبر من صادرات الطاقة يمثل نقطة ضعف استراتيجية مهما كانت الضمانات الأمنية القائمة في أي مرحلة من المراحل. ومن هنا فإن التفكير المبدئي يقتضي العمل على إيجاد بدائل عملية تقلل من الاعتماد على المضيق دون أن تلغي أهميته الطبيعية كممر دولي حيوي سيبقى كما هو ممراً هاماً وحيوياً ما بقيت الجغرافيا على حالها، وعليه فإن أول هذه البدائل يتمثل في التوسع في شبكات الأنابيب البرية التي تربط حقول النفط والغاز بالموانئ الواقعة خارج الخليج العربي، سواء على بحر العرب أو البحر الأحمر أو غيرها من المنافذ البحرية، فكل برميل نفط أو شحنة غاز يمكن تصديرها بعيداً عن مضيق هرمز تعني تقليل حجم التأثير الذي قد ينتج عن أي اضطراب محتمل في الملاحة. كما أن تطوير الموانئ وشبكات النقل والخدمات اللوجستية الخليجية بصورة تكاملية، وليس بصورة منفردة، سيمنح دول المنطقة مرونة أكبر في مواجهة أي تحديات مستقبلية، فالمعادلة لم تعد تقوم على قدرات كل دولة بمفردها، وإنما على قدرة المنظومة الخليجية ككل على العمل كوحدة اقتصادية وأمنية متماسكة وموحدة، والتجربة أثبتت أنه لا بد من التعامل مع المخاطر الخارجية بكل صورها وأنواعها، ويجب التعامل معها بروح الفريق الواحد والجسد والكيان الواحد. وهنا نصل إلى النقطة الأهم، وهي أن أي أفكار لتقليل أهمية مضيق هرمز لا يمكن أن تنجح ما لم تسبقها وحدة حقيقية في الرؤية والأهداف بين دول الخليج العربية، فالتحديات المشتركة لا يمكن التعامل معها بسياسات متفرقة أو حسابات ضيقة، بل تحتاج إلى تنسيق استراتيجي طويل المدى يتجاوز ردود الأفعال المؤقتة. فالمطلوب ليس فقط تعزيز التعاون الأمني، بل بناء تصورات خليجية موحدة لأمن الطاقة والممرات البحرية والتجارة الدولية، بحيث تجعل أي محاولة لتهديد حرية الملاحة عملاً غير مجدٍ من الناحية السياسية أو الاقتصادية، وتؤكد أن أمن الممرات البحرية مسؤولية جماعية ومصلحة مشتركة لجميع دول المنطقة. كما أن هذه الاستراتيجية يجب أن تنطلق من افتراض واقعي، وهو أن التحالفات والمصالح والعلاقات الدولية تتغير باستمرار، فالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة قد يبقى على مستواه الحالي أو يتقلص أو يتغير شكله أو حتى ينتهي في مرحلة من المراحل، وفي عالم يشهد تحولات متسارعة في موازين القوى، لا يمكن بناء الخطط الاستراتيجية على افتراضات ثابتة بشأن دور أي قوة خارجية، أما الجغرافيا فهي الحقيقة الوحيدة التي ستبقى كما هي، ولذلك فإن بناء عناصر القوة الذاتية والتكامل الخليجي يصبح ضرورة استراتيجية لا خياراً سياسياً مؤقتاً. إن تقليل أهمية مضيق هرمز لا يعني الاستغناء عنه، فذلك غير ممكن عملياً، لكنه يعني تقليل القدرة على استخدامه كورقة ضغط أو مصدر قلق دائم، وهذا الهدف لا يتحقق بالشعارات، بل بالاستثمار في البدائل، وتعزيز التكامل الخليجي، وتوحيد الرؤية الاستراتيجية، وبناء منظومة إقليمية قادرة على حماية مصالحها بنفسها في عالم تتغير فيه التحالفات، بينما تبقى الجغرافيا ثابتة لا تتغير. ولذلك فإن أول خطوة على الطريق هي أن تتفق دول الخليج على أن أمنها الاستراتيجي موحد، وأن مستقبلها الاقتصادي مترابط، وأن مواجهة التحديات الكبرى تتطلب موقفاً موحداً ورؤية بعيدة المدى. فعندما تتوحد الأهداف، تصبح التحديات مهما كبرت أكثر قابلية للإدارة والاحتواء، وتتحول نقاط الضعف إلى عناصر قوة واستقرار.
1104
| 07 يونيو 2026