رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من الطبيعي أن نمارس حياتنا دون أن نُدقق بكل تفاصيلها الصغيرة التي تصبح مع مرور الوقت طبيعية جداً، ومألوفة جداً جداً بالنسبة لنا، فتمضي إلى مكانها الصحيح دون أن تزعجنا أو تُربك تقدمنا، فهي تلك التي لا تتطلب منا الكثير من الوقت؛ كي ننجزها وتكون؛ لأننا نقوم بها وببساطة يقودها الاحتراف التام، الذي لا نشعر معه إلا بتفوقنا بكل ما نقوم به، والحق أن ما نفعله يجعلنا لا نفكر به وبالآلية التي نتبعها؛ لنفكر فيما بعد بما يمكن بأن نبرع فيه، إلا إن وضعتنا الحاجة أمام ضرورة تقديم أفضل ما لدينا؛ لنقدمه للآخرين، حينها فقط سننسحب بعيداً عن صخب المهام، وسنفر بهدوء تام نحو زاوية مؤدبة لا يمكن بأن يتطفل عليها أي شقي؛ ليتمكن منها ويزعجنا وذلك؛ لأن كل ما نسعى إليه هو الفوز بلحظات نحتاجها؛ كي نفكر وبجد بكل ما نبرع فيه، فنتقدم به بشكل لابد وأن يُسعدنا وفي نهاية المطاف، وهو ما نقوم به من باب التعرف أولاً، ومن باب التعريف ثانياً، فأما التعرف فهو ما سيكون لنا، ونحتاج إليه؛ كي ندرك ما نمتلكه وما نتمتع به، بينما التعريف فهو ما سيكون للآخرين؛ ونحتاج إليه؛ كي يدركوا ما نتمتع به، وما يمكن بأن يحصلوا عليه من خلالنا، وهو كل ما يدور ضمن حلقة واحدة تنتمي لسلسلة كبيرة تُعرف بـ (الحياة)، نعم (الحياة) التي تملك الكثير من تلك الأسرار التي تمنحها صفة الاستمرارية، وتمنحنا حق المتابعة دون توقف دائم يمكن بأن يحط بأقدامه البشعة عليها؛ ليثبتها حيث هي، فلا نُقبل على محطات لاحقة فيما بعد، ولكننا نظل حيث نحن، دون أن ندرك إلى متى سنظل كذلك؟ أو كيف سنتحرر من تلك البقعة، التي سنلاحظ من خلالها أن الحياة لازالت تسير مع الآخرين في حين أنها ليست كذلك معنا، وكل ما تحتاجه منا؛ كي تفعل هو بذلنا لمزيد من الجهد، الذي يمكننا به مواجهة ما يمكن بأن يُعوق تحركاتنا، التي نقوم بها؛ كي نسير وتمضي بنا الحياة وما نُجيده وببراعة تامة تغرس في أعماقنا المعنى الحقيقي لـ (الحياة).
أيها الأحبة: يجدر بنا بين الحين والآخر بأن نفكر ملياً بما يمكن بأن نبرع فيه؛ كي نأخذ بيده إن كان صلاحه يصلح لنا وللآخرين، فإن أدركناه فعلاً توجب علينا التمسك به جيداً؛ لأنه السر الذي سيقربنا منهم، خاصة من يملكون نصيباً هائلاً من مشاعرنا ونحتاج؛ لمتابعة ما سيتبقى من الحياة معهم في كل المناسبات، دون أن نتخلى عنهم أو أن نسمح لهم بأن يفعلوا ذلك وفي المقابل؛ لأننا وإن فعلنا فإن رصيد مكاسبنا سيشهد نمواً لا مثيل له، سيعمل على تعزيز ثقتنا بما نملكه من قدرات تستحق منا المحافظة عليها؛ لأننا نبرع فيها أصلاً؛ لنعود بذلك إلى نقطة البداية التي تحدثت فيها عن ذاك الذي نبرع فيه وضرورة البحث عنه في أعماقنا، وصولاً إلى تلك القدرات التي يمكننا بها المحافظة على ما نملكه ومن يملك منا مشاعرنا؛ لندمجهما معاً، ونخرج بعلاقات إنسانية سوية لا تعاني من أي خلل يمكن بأن يُهددها، ونحتاج إليها كل الوقت، فهي تلك التي ستعمر وجودنا الإنساني ولن تدمره، ويمكن بأن نجدها هنا أو هناك، والحق أن مكانها لا يهمنا بقدر ما يهمنا بأن تكون أصلاً، فهل أنت على استعداد لتوفيرها؟ وهل يمكن بأن تبدأ من هذا اليوم؟ الذي سيكون بالنسبة لك عيداً لأكثر من مرة، الأخيرة منها هي تلك التي ستشهد على درجة الإنسانية العالية التي بلغتها، ورغبتك بالمحافظة على علاقاتك السوية بالآخرين، وهو ما يمكن بأن يكون منك عن طريق خوض مرحلة جديدة من حياتك بكثير من التسامح، الذي نحتاج إليه؛ كي نبتعد عن ظلمات (الظلم)، الذي يمكن بأن نصبه على أغلى من نملك، بعد أن يدفعنا إلى ذلك غضبنا الشديد، الذي لن يسمح لنا برؤية أي شيء من الحقيقة، التي يمكن بأن تُلطف الأجواء وتسمح للرفق بأن يتولى زمام الأمور؛ كي يعود كل شيء إلى مكانه الطبيعي، الذي ينتظر كل ما فيه عودة المحبة إلى سابق العهد، حيث يجدر بنا بأن نكون. إن الخلافات التي يمكن بأن تنشأ بيننا وكل من هم حولنا لا يجدر بها أن تأخذ مساحة كبيرة تمتد وبكل وقاحة إلى يوم العيد، اليوم الذي يتوجب علينا خوضه بقلوب نقية وتقية، لا تحمل من الضغينة أي شيء، ولا تسمح للبغض بأن يكون، فهو الملتقى الذي تلتقي فيه القلوب الصافية، التي لا يمكن بأن تُعرف على أنها كذلك إلا إن كانت صافية فعلاً وخالية من كل تلك الشوائب التي يمكن بأن تعكرها، وتجعلها مغلفة بمشاعر لا تستحق بأن تكون في يوم العيد وفي غيره من الأيام؛ لأنها سلبية لن تأخذنا إلى أي مكان سندرك معه روعة الحياة التي نملكها ويجدر بنا التمسك بها، وكلنا أمل بأن تمتد روعتها حتى النهاية، التي ستكون لنا كذلك متى بدأنا ومن هذه اللحظة وقررنا بأن نسامح، ونمنح الآخرين فرصة جديدة يمكن بأن تتحسن معها الأوضاع؛ لتصبح على خير ما يرام، وتتغنى الأيام ببهجة عظيمة كبهجة يوم العيد، الذي نسأل الله لنا ولكم فيه كل الخير. وأخيراً: كل عام وأنتم جميعاً بألف خير.
سيظل صوتي وإن غابت صورتي
حين تفر مني الكلمات، وتغيب عني المعاني، التي أحتاجها؛ كي يُمارس قلمي أبسط حقوقه بين هذه السطور؛ لتبدو... اقرأ المزيد
504
| 21 أكتوبر 2025
«الاحترام سلوك وأثر»
هناك الكثير من الجهود التي تُبذل في سبيل تطوير الفرد والمجتمع، وهي تلك التي تُبنى على أرضية صلبة... اقرأ المزيد
471
| 14 أكتوبر 2025
لا يستحق منك دقيقة واحدة
المحاولات التي تتكرر؛ بحثا عن نتيجة مُرضية تُسعد القائم بها، هي التي تحركه نحو المسارات المُخصصة له حتى... اقرأ المزيد
1026
| 07 أكتوبر 2025
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4626
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1173
| 01 أكتوبر 2026