رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

نايف النابت

مساحة إعلانية

مقالات

333

نايف النابت

الرجل الذي كبرنا في حلمه

15 يوليو 2026 , 02:00ص

حين جاء خبر رحيل المغفور له بإذن الله صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، شعرت بشيء أعمق من الحزن، شعرت أن ملمحًا من ملامح الوطن نفسه قد غاب. إنا لله وإنا إليه راجعون.

هناك حزن غريب في أن تودّع رجلًا لم تجلس معه يومًا، ثم تكتشف أنه حاضر في كل تفاصيل حياتك: في المدرسة التي تعلمت فيها، في القناة التي فتحت عيني وعينك على العالم، في الجامعة التي لم نعد نحتاج الغربة للوصول إليها، في نبرة الفخر التي نحملها حين نقول في أي عاصمة إننا من قطر. جيل كامل منا، وأنا منهم، لم يعرف قطر إلا كما صنعها. كبرنا داخل حلمه ونحن نظنه الحال الطبيعي للأشياء، ولم ندرك أننا نعيش في خيال رجل سبقنا إلى المستقبل وهيأه لنا.

ثم كبرنا وسافرنا ودرسنا، فأدركنا كم كان ذلك «الطبيعي» استثناءً نادرًا. أقضي اليوم عمري البحثي في دراسة سؤال واحد: كيف تصنع الدولة الصغيرة أثرًا يتجاوز حجمها، لأكتشف في كل مرة أن الإجابة كانت أمامي منذ الطفولة، وأن من كتبها هو من نودعه اليوم. وهذا ليس استنتاجًا أكاديميًا أسجله، بل دَين شخصي أعترف به: الرجل الذي يتوقف عند تجربته الباحثون في كل مكان هو نفسه الذي جعل لجيلنا كله مكانًا في العالم نرفع به رؤوسنا.

وأذكر ذلك اليوم من يونيو 2013 حين خرج علينا بخطاب قصير يودّع فيه الحكم وهو في قمة عطائه. أدركنا يومها أننا أمام لحظة تاريخية، لكن ندرتها لم تتكشف لي إلا مع الوقت، كلما قرأت وتأملت في تجارب الدول، لأجد أن ما بدا لنا طبيعيًا من رجل عوّدنا على الاستثناء هو من أندر ما يفعله القادة: أن يمضي طوعًا لأنه يحب وطنه أكثر من موقعه، ويطمئن إلى من ربّى. واليوم، والراية بيد سيدي حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، حفظه الله، نفهم كم كان ذلك الاطمئنان في محله.

وإذ نودعه اليوم، حزننا كبير، لكن عزاءنا أن أثره لم يعد خارجنا بل فينا: في تعليمنا وطموحنا وثقتنا بأن الصغير يكبر بهمة أهله. وأن مسيرته موصولة بثقة واقتدار في يد خير خلف لخير سلف. كلنا أبناء ذلك العهد، وكلنا يحمل شيئًا منه.

رحم الله الأمير الوالد رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء. وأحسن الله عزاء سمو الأمير المفدى، والأسرة الحاكمة الكريمة، وأهل قطر جميعًا. وعظّم الله أجرنا وأجركم في فقيد الوطن الكبير.

مساحة إعلانية