رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. جاسم الجزاع

* باحث وأكاديمي كويتي
[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

159

د. جاسم الجزاع

الأمير الوالد وتجسيده للقيادة التحويلية

15 يوليو 2026 , 12:57ص

إن رحيل القادة الكبار لا يمكن اعتباره مجرد غياب لقامة سياسية فقط، بقدر ما هو اهتزاز عميق في وجدان العارفين بقيمة أولئك القادة حق المعرفة، فقد غمر الحزن الأوساط العربية والإقليمية والدولية بنبأ رحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وجاء هذا العزاء العالمي الذي لم يكن بروتوكولياً روتينياً تفرضه الأعراف الدبلوماسية بين الدول، بل الحقيقة أنه جاء كموجة جارفة من التقدير الخالص الذي آمنت به مختلف القوى والشخصيات العالمية والنخب الأكاديمية والفكرية الحرة مروراً إلى البسطاء والعوام بتباين مشاربهم الفكرية والسياسية والاجتماعية الذين طالتهم أيادي التأثير الإيجابي القطرية، فأجمعت الردود على أن غياب هذا الرجل يمثل طي صفحة من الدبلوماسية الفريدة والريادة الاستثنائية في الفكر السياسي والتنموي التي ندر تكرارها، وهذا الصدى الدولي الواسع والمؤثر بمثابة انعكاس حقيقي لثقل تاريخي وتراكم استراتيجي لرجلٍ لم يهدأ يوماً عن نسج شبكة من العلاقات المتوازنة القائمة على الندية والاحترام المتبادل في آن واحد، جاعلاً من وطنه الصغير جغرافياً مؤثراً عملاقاً سياسياً، واقتصادياً، وإنسانياً يُشار إليه بالبنان في كل محفل إقليمي ودولي، ومثبتاً للعالم أن قيمة الدول إنما تقاس بعمق الفكرة الجامعة وليس بحدودها الجغرافية.

ويتجلى في سيرة الأمير الوالد – رحمه الله - نموذج حي وعملي لـ "القيادة التحويلية" بأبهى صورها وأكثرها نضجاً، فتلك المدرسة القيادية والمنهج الإداري الحديث الذي تبناه الراحل لم يكتف بإدارة الواقع القائم أو التكيف مع ظروفه، بل سعى جاداً لإعادة صياغته وهيكلته بالكامل وفق رؤى مستقبلية بعيدة المدى، فالقارئ في رؤية الشيخ الأمير الوالد – رحمه الله - يجدها تجاوزت الاقتصار على تشييد ناطحات السحاب واستثمار تدفقات الغاز السائل وتكديس الاحتياطيات النقدية إلى الاهتمام بالدرجة الأولى على الاستثمار في الفرد القطري باعتباره الثروة الحقيقية والركيزة الأساسية لأي تنمية مستدامة، وفعلاً لقد نجح عبر أدوات التمكين الإداري والتغيير الهيكلي الجذري، في تحويل المجتمع من نمط الاستهلاك السلبي إلى نمط الإنتاج المعرفي الواعي، مستقطباً كبار الحواضر الأكاديمية والجامعات العالمية عبر المدينة التعليمية وكذلك الخبراء العرب وغير العرب في شتى المجالات، ومؤسساً لمنظومة إعلامية رائدة غيرت وجه الإعلام العربي تمثلت في قناة الجزيرة، ومطلقاً لاستراتيجيات تنموية متكاملة صهرت الفرد القطري في بوتقة الحضارة والمدنية دون المساس بثوابته الأخلاقية والدينية، فالقيادة التحويلية لدى الأمير الراحل هنا تجسدت في قدرته الفائقة على إلهام شعبه، وزرع الثقة في نفوسهم، ورفع سقف طموحاتهم ليتجاوزوا عقدة الضيق الإقليمي نحو آفاق العالمية الرحبة، وواضعاً بذلك أسساً متينة للتنمية المستقلة التي لا تهتز أمام عواصف الاقتصاد وتقلبات السياسة الدولية.

ولكي نمنح هذا الإرث التنموي حقه الكامل من التقدير والاستمرارية، لا بد من تحويل ممارسات الأمير الوالد الراحل في الحكم والإدارة من مجرد تجربة تاريخية قطرية إلى منهج علمي ونموذج إداري متكامل يُحتذى به ويُدرّس في كليات السياسة والإدارة عبر مراكز التعليم كالجامعات وغيرها، فإن استلهام ممارساته وتطبيقها الفعلي يتطلبان تبني عقيدة "الجرأة العقلانية " في اتخاذ القرارات التاريخية، والإيمان المطلق بقدرات وطاقات الشباب الوطني القطري وجعلهم محرك التغيير.

مساحة إعلانية