رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
التحول في المواقف هو شعار الحزب الجمهوري ومرشحيه عبر تاريخ الحزب الذي يمتد لأكثر من 150 عاما، ومن ثم لا يمكن المراهنة على فوز الجمهوريين (المحتمل) في الانتخابات الرئاسية القادمة لبناء توقعات محددة حول موقف الإدارة الأمريكية مما يجرى فى الشرق الأوسط.
فقد تأسس الحزب الجمهوري عام 1854 من قبل ناشطين تلخصت قضيتهم فى مكافحة العبودية ومقاومة انتشار ظاهرة الرقيق، وعلى هذا الأساس نجح المرشح الجمهوري الأبرز إبراهام لينكولن في الوصول إلى السلطة عام 1860، ليخوض حربا ضد الانفصاليين المعارضين لبرامج الحزب الخاصة بإلغاء الرق وترسيخ حقوق متساوية للمواطنين الأمريكيين.
وعلى الرغم من الدور التاريخي للحزب الجمهوري فى مجال الحريات المدنية، إلا أن اهتمام الحزب تحول عن هذا الملف تدريجيا، إلى التركيز على حقوق أرباب الأعمال وحمايتهم عبر فرض الرسوم الجمركية المرتفعة. وتدريجيا أصبحت الإجراءات الحمائية وليس الحقوق المتساوية هي السمة المميزة للحزب الجمهوري. ولكن سرعان ما تضاعفت الرسوم الجمركية لصالح قطاع الأعمال الخاصة والشركات الكبيرة، حتى أصبحت الصفة المميزة للجمهوريين هي الانحياز للأغنياء.
من ناحية أخرى فإن الارتباط التقليدي بين الحزب وبين المواطنين من ذوي الأصول الإفريقية قد انفصم بدوره منذ البدء بتطبيق سياسات "العهد الجديد" التي دشنها الرئيس الديموقراطي فرانكلين روزفلت، إذ استفاد السود من برامج التشغيل التي أطلقتها الحكومة الديموقراطية، فضلاً عن برامج الإغاثة والرعاية الاجتماعية التي انتشلت الكثير منهم من تبعات الكساد الكبير.
من جانبهم اعتبر الجمهوريون أن سياسات روزفلت تضفى طابعا اشتراكيا على الولايات المتحدة، ودعوا الشعب الأمريكي لنبذها، ولكن الأمريكيين صوتوا لصالح روزفلت مرة ثانية عام 1936، وثالثة عام 1940 ورابعة 1944، وبعد روزفلت فاز الديموقراطي هاري ترومان، ما ترتب عليه أن ظل الجمهوريون بعيدين عن الرئاسة لمدة 20 عاما.
وخلال تلك الفترة بدأت بوادر تحالف الجمهوريين مع المحافظين، وتحول مركز ثقل الحزب إلى الجنوب الأمريكي بعد أن كانت معاقله التقليدية فى الشمال. وبحلول ستينيات القرن العشرين تحول الحزب بشكل صريح لتمثيل النخب الأمريكية من الـ WASP (White Anglo-Saxon Protestants). الأمر الذي ساهم في زيادة الانفصال بين الحزب وبين مناصريه التقليديين من السود. حتى إن الإحصائيات تشير إلى أنه فى فترة الثمانينات والتسعينيات (من القرن الماضي) كانت نسبة السود الذين يصوتون للحزب الديموقراطي لا تقل عن 90 %. وكانت درة تاج هذا الانفصام أن أتى ترشيح ومن ثم فوز أول رئيس أسود للولايات المتحدة من بين صفوف الحزب الديموقراطي وليس من بين صفوف الجمهوريين.
ولم يكن هذا هو التحول الوحيد فى تاريخ الحزب، فثمة تحولات أخرى شهدها فيما يتعلق بموقفه من التدخل الخارجي، فقد تبنى الحزب سياسات تدخلية في الفترة من 1890 وحتى العام 1916، ثم تبنى مواقفا انعزالية في سياسته الخارجية خلال الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، وخلال هذه المرحلة كان الحزب الديموقراطي هو صاحب الصوت الأعلى فيما يتعلق بتأييد التدخل الخارجي، حتى إن قرار التدخل ضد هتلر خلال الحرب العالمية الثانية حمل لواءه بالأساس الديموقراطيون وليس الجمهوريون. ولكن عاد الحزب إلى تبني أجندة تدخلية مع تولى الجمهوريين دوايت أيزنهاور، وريتشارد نيكسون، ورونالد ريجان، وأخيرا مع كل من جورج بوش الأب والابن.
في الانتخابات الرئاسية المقبلة تتنوع مواقف المرشحين الجمهوريين من التدخل الخارجي، فالبعض مثل "تيد كروز"، يعدون بالتدخل القوى فى الشؤون الدولية، فيما يتمسك البعض الآخر بما يسميه الخط الأصلي للحزب الجمهوري، ممثلاً في مبدأ عدم التدخل، وأبرز من يعبرون عن هذا الاتجاه المرشح "راند بول".
من تناقضات الحزب أيضا موقفه مما يسميه الحكومة الكبيرة، فعلى الرغم من أن الخط التقليدي للحزب ينادي بتقليص الحكومة، ويطالب بأن تكون محدودة الصلاحيات، فإن الحكومة الفيدرالية قد شهدت توسعا وتضخما غير مسبوق فى حجمها في عهد الجمهوريين، وأبرزهم جورج بوش الابن، كما أن الحزب الذي ينادي بتشجيع قطاع الأعمال الخاصة، والتعويل على اقتصاد السوق الحر وتقليص نفقات الحكومة، قد تورط في العديد من الصفقات الخاسرة وورط البلاد في حروب خارجية لم تعد بالنفع سوى على طائفة قليلة من الرأسماليين المشتغلين في مجالات الطاقة وإعادة الإعمار.
من التناقضات الواضحة أيضا في مواقف الجمهوريين أنه في الوقت الذي يصرون فيه على أن للحكومة أن تتدخل فى حياة الناس الخاصة لتنظيم أخلاقياتهم، (من خلال تشريعات لتجريم الشذوذ والإجهاض على سبيل المثال)، إلا أنهم على الجانب الآخر يرون أن مجال الأعمال الخاص يشكل مساحة مقدسة، ينبغى أن يترك للأفراد إدارتها على نحو كامل من دون اي تدخل أو توجيه من الحكومة.
لكل هذه التناقضات يمكن القول إن وصول الجمهوريين للبيت الأبيض لا يسمح بصياغة توقعات محددة حول مستقبل السياسة الخارجية الأمريكية، فقد تكون تدخلية وقد تكون انعزالية، وقد تتبنى نشر الديموقراطية وقد تراهن على الأنظمة الاستبدادية، وقد تتعاطى على نحو إيجابي مع التجارة الحرة عبر العالم، وقد ترتد إلى ممارسة سياسات حمائية.
ولهذا يحسن ان يدرس كل مرشح جمهوري على حدة، فلا توجد خطوط عامة يمكن أن يصنف في إطارها كافة المرشحين الجمهوريين. فقط دراسة برنامج كل مرشح على حدة ودراسة مواقفه من المنطقة هي ما قد يفيد في بناء تصورات حول السياسة الخارجية الأمريكية فى المرحلة المقبلة، كل ذلك على افتراض أن ساكن البيت الأبيض فى يناير القادم سيكون جمهورياً.
الجماعات المسلحة من غير الدول
في الوقت الذي يسلط فيه الإعلام العالمي الضوء على تنظيم الدولة الإسلامية (المعروف إعلاميًا باسم داعش)، وغيره من... اقرأ المزيد
2317
| 13 يناير 2016
العنف مؤذِّن بضياع الاستقرار
من الشائع أن تعوِّل أنظمة الاستبداد على العنف كأداة للحفاظ على استقرارها ومكاسبها السياسية، وذلك لما تعتقده هذه... اقرأ المزيد
936
| 06 يناير 2016
العلمنة الشاملة وعنف الدولة
يثير العنف الأهوج الذي تمارسه أنظمة الاستبداد بحق مواطنيها العديد من الأسئلة، فضلاً عما يثيره من استنكار وتقزز... اقرأ المزيد
831
| 30 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4233
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3144
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1095
| 28 سبتمبر 2026