رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قضايا وتحديات كبرى تنتظر المشير عمر البشير بعد تنصيبه رئيسا للجمهورية لخمسة أعوام قادمة، ملفات مثقلة تتطلب معالجتها توفر الإرادة السياسية الجامعة بين السودانيين، بدءا بالحزب الحاكم وشركائه، وأحزاب المعارضة السياسية، والحركات والجماعات المسلحة.
وتشكل ملفات حقوق الإنسان والمصالحة الوطنية والعدالة وسيادة حكم القانون رأس الرمح في الأولويات القصوى إذا ما أراد الرئيس بناء دولة مؤسسات تقوم بواجباتها، وتحظى بثقة المواطنين أصحاب المصلحة الحقيقيين، وتُحترم فيها المبادئ والقيم الدستورية الراسخة في الممارسة الدولية العرفية.
حيث يقع على عاتق أي حكومة تعتبر نفسها مفوضة من أفراد شعبها، وترغب في أن تكون عضوا صالحا في المجتمع الدولي أن تقوم بواجبات ثلاثة وهي إعمال، واحترام، وحماية حقوق الإنسان لجميع من يقيم على أراضيها، أو يحمل جنسيتها وجواز سفرها.
فالشعب الذي يفوض الرئيس ويختار ممثليه في الجهازين التنفيذي والتشريعي يتطلع إلى رؤية أبرز القضايا والتحديات التي تعترض سبيل تطور البلد ورفاه مواطنيه موضوعة على رأس أجندة عمل السلطة التنفيذية، بل وتشكل الهم الأكبر والتحدي الشخصي للرئيس نفسه، حتى يضمن تحقيق تطلعات الفئة الغالبة من أفراد الشعب الذين انتخبوه وآثروا دعم حزبه الحاكم عن الأحزاب الأخرى المشاركة في العملية الانتخابية.
وليس من حل لمشكلات السودان إلا بإقرار الجميع مسؤوليتهم عن التعقيدات المتزايدة لأزمات البلاد، وضعف إرادتهم وقدرتهم على مداواة الجراح منذ استقلال السودان، حيث أخذت كل حكومة عسكرية أو مدنية دورها، تطاول بها الزمان أو قصر، فتخلت عن الحكم مخلفة وراءها مشكلات مضاعفة.
ولما وصل الحال بالسودان إلى ما هو عليه من تدويل لمعظم قضاياه المصيرية، حلت بين ظهرانيه أكبر عملية حفظ سلام للأمم المتحدة حول العالم تشكل ميزانيتها السنوية العلاج الشامل لأزمات الأطراف، وانفصل جنوبه عن شماله، وتوقفت معظم الشركات والمؤسسات الاقتصادية الكبرى بسبب الحصار من قبل كبار اللاعبين في المجتمع الدولي، وخرج المنتجون في معظم أطرافه عن دائرة الإنتاج ليحتشدوا في معسكرات النزوح واللجوء جياعا ويعانون العطش ومرضى ينتظرون هبات وعطف المانحين الدوليين.
فأصبح الطريق الوحيد للمستقبل هو تحمل الحكومة الجديدة مسؤوليات إصلاح كل ما أفسدته العقود الماضية بما في ذلك العقدان الماضيان، وإن كان العلاج الناجع يتطلب كيَّ العصب.
ولأن تكرار المعالجات المتماثلة من زوايا ضيقة لأزمات السودان المستفحلة على المستوى السياسي والاقتصادي والأمني والاجتماعي والثقافي قد زاد من اتساع الفجوة بين شواغل واهتمامات المواطنين وشواغل واهتمامات الحكومة، فقد برزت ظاهرة فقدان الثقة في مؤسسات الدولة ككل في نزوع الأطراف إلى حمل السلاح والخروج عن سلطة الدولة والمطالبة بحقوقهم عبر العنف، حتى دقَّ العنف أبواب الجامعات وتحولت ساحات التحصيل الأكاديمي وبناء قيادات المستقبل إلى ساحة عراك تسال فيها الدماء، وانتشر خطاب التحريض والكراهية والتعصب والعنصرية في تعليقات وكتابات النخب المثقفة حتى كادت أن تغيب الصورة الذهنية الإيجابية عن أبرز سمات السودانيين المتمثلة في التسامح والسلام والإنسانية والتعاضد والتراحم والكرم، فأصابت وجهه الصبوح بدمامل يحتاج علاجها لكيِّ العصب.
ولأنها قد تكون الفرصة الأخيرة لأن يوافق التغيير المأمول جهداً موضوعياً واستجابة منطقية لأولويات السودان الدولة، فقد رأينا أن نضع قائمة بالأولويات القصوى التي يجب أن تقدم:
إعمال، احترام، وحماية حقوق الإنسان،
تقع على الحكومة التزامات قانونية وأخلاقية عظمى في تمكين جميع أفراد شعبها من التمتع التام بحقوقهم الأساسية المنصوص عليها بالمعاهدات الدولية الرئيسية في مجال حقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني.
ويترتب على هذا الالتزام بضرورة اتخاذ التدابير التنفيذية والقضائية والتشريعية اللازمة لتطبيق هذه الحقوق الناشئة بموجب قبول السودان لتلك الاتفاقيات والمعاهدات الدولية.
فقد صادق وانضم السودان إلى الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري في مارس 1977م، والعهدين الدوليين الخاصين بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبالحقوق المدنية والسياسية في مارس 1986م، والاتفاقية الدولية لمناهضـة الفصـل العنصري فـي الألعاب الرياضية 1986م، واتفاقية حقوق الطفل في أغسطس 1991م، والبروتوكولين الاختياريين المتعلقين بمنع إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة في يوليو 2005م، وببيع الأطفال واستخدامهم في البغاء والمواد الخليعة في نوفمبر 2004م، واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والبروتوكول الاختياري الملحق بها في أبريل 2009م، واتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها في 2013م، والاتفاقية الدولية المتعلقة بوضع اللاجئين 1974م، والاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها 1977م، كما انضم السودان إلى سبع اتفاقيات من اتفاقيات منظمة العمل الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، إلى جانب الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب في 1986م.
بينما لم يصادق السودان أو ينضم إلى ثلاث اتفاقيات أساسية، هي: اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، رغم توقيعه عليها في 4 يونيو 1986م، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة 1984م، والاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، ولا البروتوكولات الملحقة بهذه الاتفاقيات أو بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
نلحظ مما تقدم أن الاتفاقيات الرئيسية تمت المصادقة عليها قبل أكثر من ربع قرن، سوى اتفاقيتين هما اتفاقيتا حقوق الطفل، والأشخاص ذوي الإعاقة، بينما تعثرت خطوات الدولة السودانية في حسم انضمامها إلى بقية الاتفاقيات الأساسية، والبروتوكولات التي تعلن فيها الدول قبول نظر اللجنة المعنية للشكاوى الفردية المقدمة من الأفراد والمنظمات، وبصفة خاصة اتفاقية مناهضة التعذيب، رغم إدراك الخبراء القانونيين في الحكومة السودانية بأن منع التعذيب وإدانته وتجريمه وملاحقة مرتكبه في كل الأوقات مفروض على السلطات الوطنية بموجب العرف الدولي، بل يمنع التعذيب حتى في حالة الطوارئ التي تتهدد الأمة حسب المادة الرابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي أضحى جزءا من القانون المحلي وفقا لدستور السودان.
ولأن هنالك تباينا كبيرا بين الواقع والطموح، فإن المطلوب، فعلاً لا قولاً، هو تحسين حالة حقوق الإنسان في البلاد من قبل الآليات الوطنية التي تم تأسيسها لهذا الغرض ومن قبل الحكومة بصفة خاصة.
فقد تلاحظ وبوضوح خلال العقود الماضية أن تلك الآليات التي أنشأتها الدولة لحماية وتعزيز وحقوق الإنسان تحرص فقط على تقديم صورة مغايرة لحالة حقوق الإنسان للمجتمع الدولي بينما تعجز عن القيام بدورها الحقيقي في تقديم النصح والإرشاد للدولة في معالجة المخالفات والانتهاكات الجسيمة التي ترتكب بحق الأفراد والجماعات، وتعمل على تمكين الضحايا من إسماع صوتهم ومظلمتهم ومساعدتهم في الوصول إلى العدالة والإنصاف.
وقد أدى هذا الوضع إلى فقدان الآليات الدولية لحماية حقوق الإنسان – مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة مثالا - إلى الثقة في أداء الحكومة لواجباتها مما سهل من وضع السودان تحت عملية المراقبة الدولية عبر تعيين مقررين خواص وخبراء مستقلين تجددت ولايتهم بصورة مستمرة لمتابعة حالة حقوق الإنسان في البلاد منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي إلى اليوم.
ونرى هنا ضرورة أن يولي رئيس الجمهورية اهتمامه لأمر إعادة تشكيل الآليات الوطنية من خبراء مستقلين متجردين من أي انتماء، محميين بموجب القانون، ويتمتعون حقيقة بالدراية والعلم والمهنية الكافية بمفهوم وآليات عمل القانون الدولي لحقوق الإنسان، وأن تجد تدخلاتهم وتوصياتهم الاحترام والتنفيذ الفوري من جميع مؤسسات الدولة والمجتمع المدني.
لأنه لا يعقل أبداً أن يتم تشكيل مفوضية وطنية مستقلة في مجال حقوق الإنسان مثلاً، ويحتاج أعضاؤها لتنمية قدراتهم في مجال حقوق الإنسان، في بلد يذخر بالكفاءات والخبرات.
المصالحة الوطنية ومعرفة الحقيقة وسيادة حكم القانون:
لقد مر السودان منذ استقلاله وخلال أنظمة حكمه المختلفة الشمولية والديمقراطية بفترات طويلة من القمع السياسي، والنزاعات المسلحة والاقتتال الداخلي، ارتُكِبَت خلالها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان – مستمرة وواسعة النطاق ومنهجية - أفضت إلى غبن كبير حاق في النفوس، وهجرات نخب وكوادر إلى خارج البلاد، وإلى فقدان وظائف وحقوق، وانزواء قدرات وطنية عن دائرة التأثير بسبب الإقصاء في مناطق السلم، بينما أفضت النزاعات المسلحة إلى فقدان عشرات الآلاف من الأنفس، والممتلكات، وتدمير المؤسسات، ونزوح ولجوء مئات الآلاف من مناطقهم الأصلية في جنوب وغرب وشرق البلاد حسب إحصاءات الأمم المتحدة والحكومات المتعاقبة على السودان.
هؤلاء من بقي منهم حيا لا يمكننا بأي حال أن نتجاوز حقوقه في صمت لنتحدث عن ديمقراطية ودولة مؤسسات دون أن تشعره الدولة باهتمامها بما لحقه من ظلم مسَّ كرامته الإنسانية، ومن خلال إرادة سياسية جامعة كما أشرنا في مقدمة هذا المقال، إرادة تجعل الحكومة السودانية الجديدة تعترف بحقوق الضحايا، وتبحث في أصول التراث السوداني والقيم الثقافة السودانية عن أبرز آليات الحل.
حل يمكن الضحايا وذويهم من معرفة الحقيقة والحصول على الإنصاف المعنوي (الاعتذار) والمادي (التعويض) لأولئك الذين أصيبوا، أو قتلوا أو نهبت ممتلكاتهم في مناطق النزاعات المسلحة، والذين فقدوا وظائفهم ومنعوا من حرياتهم وحقوقهم الأساسية دون محاكمة عادلة.
لقد جاءت الفرصة لأنظمة الحكم في بلادنا مرات ومرات لتحقيق المصالحة الوطنية والإنصاف وكشف الحقيقة، لكن فرصة هذا النظام هي الأكبر، فبعد انهيار اتفاقية أبوجا للسلام في 2006م، جاءت اتفاقية الدوحة 2011م، وما سبقها من مفاوضات حصلت على دعم دولي من قبل الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، ونفذت إلى إشراك أصحاب المصلحة الحقيقيين عندما جلبت ممثلي النازحين واللاجئين من المعسكرات، والتزم راعيها بدعم ملف التعويض وإعادة الإعمار والتنمية.
ورغم امتناع بعض من حملة السلاح عن التوقيع إلا أن تنفيذ الاتفاق من الجانب الوطني ينبغي أن يأخذ حقه كاملا من الاهتمام، حيث ما زلنا نلمس ضعف الخطوات المحلية في تحريك السلام الاجتماعي، في مقابل الاهتمام بالمستوى السياسي في إجراءات السلام،
حيث تحقق لأبناء دارفور حكم ولايات دارفور جميعها، لكنني وغيري ننظر كأن بعض هذه القيادات الكبيرة تنعزل عن الأهداف التي خرجت من أجلها فور توليها السلطة على مستوى المركز أو الولاية، وهو ما يدفعنا لدعوتهم لإعادة النظر في أدوارهم المطلوبة خلال الفترة القادمة.
لقد جسدت لنا تجربة قيادات المؤتمر الوطني في جنوب إفريقيا، أمثلة تضرب للأجيال في الالتزام العام والخاص بتطبيق منهج واضح للإنصاف ومعرفة الحقيقة جعلت فيه مصلحة الوطن في المقدمة.
وفي المقابل تقع على الأحزاب السياسية المعارضة والحركات والجماعات المسلحة أن يتقدموا بمنهج واضح للحل السلمي تقبله الحكومة كأساس للتغيير السياسي والاجتماعي المنتظر. تغيير مقبول للجميع لا يقر فيه إقصاء أو إبعاد أحد من أي جماعة أو حزب، عن حقه في المشاركة إلا في حال ثبوت اعتدائه على حق عام، حتى لا ننتقل من حالة انتقام إلى انتقام، فيضيع الأمل المعقود على عودة السودان مستقرا آمنا.
فربع قرن من الزمان مرت من عمر نظام الإنقاذ، سادتي الكرام، كاف لبلوغ تمام الرشد لكل إنسان، ولقدرته على التأثير في عصر تطورت فيه تقنيات وسائل الاتصال ونقل المعلومات، حيث لم يعد بإمكان أي سلطة أن تحجب الحقيقة أو تضع ستارا على أعين الناس حتى الذين لا تساعدهم أميتهم الأبجدية على القراءة والكتابة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رئيس قسم الشراكات والبحوث
مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان
شبكة الجزيرة الإعلامية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أصبح ملاحظًا في الآونة الأخيرة تزايد شكاوى المعلمين وأساتذة الجامعات من سطحية بعض الطلاب وضعف قدرتهم على التحليل، بل وقلة اهتمامهم بالشأن العام وغياب الحس بالمسؤولية المجتمعية. وهذه الظاهرة لا يمكن إلقاء اللوم بها على المناهج أو أساليب التدريس، بل ترتبط بشكل كبير بغياب المتابعة الأسرية وانشغال الوالدين أو اعتمادهم الكامل على المؤسسات التعليمية لتأدية دور الوالدين أو توكيل الخدم بكل ما سبق، وهذه طامة أخرى سنأتي عليها لاحقًا. هل يُعقل أن طالبًا جامعيًا لا يعرف من وزير خارجية بلاده؟! وكم هي مساحة الدولة التي يعيش فيها؟! بل أكثر من ذلك، ففي مثل هذه الأيام التي تمر فيها المنطقة في صراع إقليمي وحرب تُغيّر خريطة العالم وتحالفاته وتقلب طاولة الاقتصاد رأسًا على عقب، هو لا يعرف من وكيف ولماذا، وهل هو مع أو ضد توجه معين أو رأي بلاده من كل هذا؟! وبسبب ما سبق عملنا مع بعض الزملاء مسحًا سريعًا للبحث عن هذه الأسباب، فتبيّن أن الأم والأب يقضيان أكثر من ٤ ساعات يوميًا على الهاتف بين برامج التواصل الاجتماعي بما لا ينفع بل بما يضر أحيانًا، ولم نحسب ساعات متابعة الأفلام والمسلسلات ضمن هذا. إن مسؤولية تربية الأبناء لا يمكن تفويضها أو التهرب منها. فتربية الأبناء ليست ما تنتجه المدارس أو المعاهد أو الجامعات، بل هم انعكاس لبيئة كاملة تبدأ بالأسرة. وإذا أردنا جيلًا واعيًا مثقفًا وقادرًا على تحمل مسؤولياته فعلينا أن نعيد الاعتبار لدور الوالدين، وأن ندرك أن التربية الحقيقية تُبنى في البيت أولًا ثم تُستكمل في بقية مؤسسات المجتمع. لأن التربية ليست مهمةً يمكن اختصارها في مؤسسة واحدة أو جهة رسمية بعينها. ومن هنا فإن إلقاء المسؤولية على وزارة التربية والتعليم فيما يتعلق بمستوى الأبناء الفكري والسلوكي والثقافي، هو طرحٌ ناقص يُغفل الدور الجوهري الذي يقع على عاتق الوالدين أولًا ثم بقية مكونات المجتمع. الأسرة هي النواة الأولى التي تتكون فيها شخصية الطفل، وهي البيئة التي يتعلم فيها القيم الأساسية والدينية قبل أن يتعلم الحروف والأرقام. في البيت يتعلم الأبناء معنى المسؤولية واحترام الوقت وأهمية المعرفة والقدرة على الحوار. فإذا نشأ الطفل في بيئة تشجعه على التساؤل وتمنحه مساحة للتعبير وتعطيه قدرًا من الثقة والشعور بالمصداقية وتتابع اهتماماته الدراسية والثقافية، فإنه يدخل المدرسة والجامعة وهو يحمل أدوات التفكير والفهم لا مجرد قابلية للحفظ والتلقين. أما إذا غاب هذا الدور فإننا نجد أنفسنا أمام طالب يفتقر إلى الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء. فحين يجلس الأب أو الأم مع الأبناء لمناقشة حدثٍ ما أو كتابٍ قرأوه أو فكرةٍ سمعوها، فإنهم يزرعون فيهم بذور التفكير النقدي، ويعلمونهم كيف يكونون جزءًا من مجتمعهم لا مجرد متفرجين عليه، كما أن للشارع والأصدقاء دورًا لا يقل أهمية، فهم يشكلون جزءًا من البيئة التي يتفاعل معها الأبناء يوميًا. لذلك فإن اختيار الصحبة الصالحة، وتوجيه الأبناء نحو الأنشطة المفيدة، ومتابعة سلوكهم خارج المنزل، كلها أمور تقع ضمن مسؤولية الوالدين. إضافة إلى ذلك، فإن وسائل الإعلام ومؤسسات الدولة المختلفة تتحمل دورًا تكامليًا في تعزيز القيم الثقافية والاجتماعية من خلال تقديم محتوى هادف، وخلق بيئات داعمة للنمو الفكري. إن التربية مشروعٌ مشترك تتكامل فيه الأدوار ولا تتقاطع. فوزارة التربية والتعليم تؤدي دورًا مهمًا في تنظيم العملية التعليمية وتوفير المناهج والتربية كذلك، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع وعيًا أو تبني شخصية متكاملة. هذا الدور يبدأ من البيت حيث تتشكل القيم ويتأسس الفكر ويتعلم الأبناء أين يقفون في هذا العالم المتغير من حولهم.
2979
| 22 أبريل 2026
شهدت وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي خلال الفترة الأخيرة نقلة نوعية لافتة في أساليب التعامل مع الجمهور، انعكست بشكل مباشر على مستوى رضا أولياء الأمور والطلبة في المدارس القطرية ، وساهمت في تسهيل إنجاز المعاملات بصورة غير مسبوقة. هذه الطفرة لم تكن مجرد تحسينات شكلية، بل جاءت نتيجة رؤية واضحة تهدف إلى تطوير الخدمات التعليمية والإدارية بما يتماشى مع التحول الرقمي الذي تشهده الدولة.في السابق، كان إنجاز العديد من المعاملات المتعلقة بأمور الطلاب يتطلب وقتًا طويلًا وجهدًا كبيرًا، إضافة إلى الحاجة للمتابعة المستمرة من قبل أولياء الأمور، سواء فيما يتعلق بنقل الطلبة أو استخراج الشهادات أو متابعة الطلبات المختلفة، وكانت الإجراءات تتسم أحيانًا بالتعقيد وكثرة الخطوات، مما يسبب ضغطًا وإرهاقًا للأولياء الأمور.أما اليوم، فقد تغيرت الصورة بشكل جذري. فقد عملت الوزارة على تبسيط الإجراءات وتوحيدها، مع إطلاق منصات إلكترونية متطورة تتيح للمستخدمين إنجاز معاملاتهم بسهولة وسرعة من أي مكان. وأصبح بإمكان ولي الأمر متابعة حالة الطلب بشكل فوري، دون الحاجة إلى مراجعة المكاتب أو الانتظار لفترات طويلة،هذا التحول أسهم في تقليل الجهد المبذول، ورفع مستوى الشفافية، وتعزيز الثقة بين الجمهور والمؤسسة التعليمية.ويرى كثيرون أن السر في التحول اللافت الذي شهدته وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي في الفترة الأخيرة لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة جهود قيادية ركزت على كسر الجمود الإداري وتحديث أساليب العمل، قامت بها سعادة السيدة لولوة الخاطر وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي التي ارتبط اسمها بالدفع قدما وسريعا بعجلة التطوير التي تشهدها الوزارة وإعادة النظر في عدد من الإجراءات التي ظلت لفترات طويلة دون تغيير يُذكر.فمنذ تولي سعادتها الوزارة، اتجهت الجهود نحو مراجعة شاملة للأنظمة والإجراءات، ليس فقط بهدف التحديث، بل لإزالة التعقيدات التي كانت تُعد في السابق من المسلّمات التي لا يجب التعامل معها إلا كما هي دون تغيير، إن هذا التوجه الجديد أتاح إعادة تصميم الخدمات بطريقة أكثر مرونة، وجعل تجربة أولياء الأمور والطلبة أكثر سلاسة ووضوحًا، وقد انعكس ذلك في تقليص الوقت والجهد اللازمين لإنجاز المعاملات، وتحسين آليات التواصل مع الجمهور.كما تميزت هذه المرحلة بشكل كبير وواضح بالتركيز على اعتبار أولياء الأمور شركاء أساسيين في العملية التعليمية، وليسوا مجرد متلقين للخدمة. ومن هنا، تم تطوير قنوات تواصل أكثر فاعلية، والاستماع لملاحظاتهم بشكل مباشر، والعمل على تحويلها إلى تحسينات ملموسة على أرض الواقع.ولم يقتصر التغيير على الإجراءات فقط، بل شمل أيضًا ترسيخ ثقافة مؤسسية جديدة تقوم على الابتكار والتطوير المستمر، وتشجع على المبادرة بدلاً من التمسك بالأنماط التقليدية، هذا التحول الكبير كان له أثر كبير في جعل العمل داخل الوزارة أكثر حيوية ومرونة، وأسهم في تحقيق مستوى أعلى من رضا جميع أصحاب العلاقة مع الوزارة.إن هذه الطفرة النوعية تعكس التزام الوزارة بتحقيق التميز في تقديم الخدمات، وحرصها على مواكبة التطورات العالمية في مجال الإدارة والخدمات الحكومية،كما أنها تؤكد أن الاستثمار في التكنولوجيا وتطوير الكفاءات البشرية يمكن أن يحدث فرقًا حقيقيًا في حياة الناس اليومية.وهنا يمكن التأكيد بأن هذه الجهود القيادية أسهمت في إحداث نقلة نوعية حقيقية، حيث أصبحت الخدمات أكثر كفاءة، والتعامل مع الوزارة أكثر سهولة ومرونة، بما يعكس رؤية حديثة تضع احتياجات الطلبة وأولياء الأمور في صميم أولوياتها.
2052
| 20 أبريل 2026
يُعدّ الغاز الطبيعي أحد الركائز الأساسية لمنظومة الطاقة العالمية، حيث يعتمد عليه بشكل واسع في مجالات الصناعة والتدفئة وتوليد الكهرباء. وتشير التقديرات إلى أن حجم سوقه العالمي يقترب من 1.5 تريليون دولار، مع استمرار اتجاهه نحو النمو. وترتبط قضايا الغاز الطبيعي بعوامل متشابكة، من أبرزها حجم الاحتياطيات وتوزيعها الجغرافي، إضافة إلى شبكات الأنابيب والبنية التحتية والعقود طويلة الأمد، ما يجعل هذا القطاع جزءًا من منظومة دبلوماسية معقدة. وبسبب ما يشهده من مفاوضات مكثفة وتنافس دولي وتعاون متبادل، يمكن توصيف هذه التفاعلات بمفهوم "دبلوماسية الغاز الطبيعي". أدّت الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل إلى إحداث تحولات واضحة في هذا المجال، حيث تسببت في اضطراب كبير في إمدادات الطاقة العالمية. ففي 19 مارس/آذار 2026، استهدفت إيران منشآت رأس لفان في قطر، ما ألحق أضرارًا بالبنية التحتية للإنتاج، ولو بشكل جزئي. وتُعدّ قطر من أكبر مصدّري الغاز الطبيعي في العالم، إلا أن إغلاق مضيق هرمز أجبرها على إعلان حالة «القوة القاهرة»، الأمر الذي حال دون قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه عدد من الدول في أوروبا وآسيا. كما انعكس هذا الإغلاق سلبًا على صادرات الغاز لكل من الإمارات العربية المتحدة وإيران، مما عمّق من أزمة الإمدادات على المستوى العالمي. وقبل اندلاع الحرب، كانت قطر ودول الخليج الأخرى قد حذّرت الولايات المتحدة من التداعيات الخطيرة المحتملة، وبذلت جهودًا دبلوماسية مكثفة للحيلولة دون وقوع الصراع. وتشير المعطيات إلى أن هذه المساعي أسهمت في تأجيل الحرب لفترة قصيرة. إلا أن القرار النهائي بالمضي في الحرب، والذي جاء بدفع من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبالتنسيق مع بنيامين نتنياهو، أدى إلى إلحاق أضرار كبيرة باقتصادات دول الخليج والعالم. ومن هنا، كان من الطبيعي أن تدعم هذه دول الخليج، وعلى رأسها قطر، المبادرات الرامية إلى وقف الحرب وإعادة إطلاق المسار التفاوضي. وقد أسهمت وساطة دبلوماسية قادتها باكستان بدعم من تركيا أيضا في التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، غير أن حالة عدم الاستقرار لا تزال قائمة. في هذا السياق، برزت روسيا كأحد أبرز المستفيدين من التحولات الجارية، حيث أدّى اضطراب الإمدادات من الخليج إلى زيادة اعتماد أوروبا على الغاز الروسي. كما ساهمت الأزمة في تخفيف الضغوط السياسية التي كانت تواجهها موسكو بسبب حرب أوكرانيا، خاصة بعد أن كانت تواجه مواقف أكثر تشددًا خلال إدارة جو بايدن. وعلى الرغم من سعي أوروبا إلى إنهاء اعتمادها على الغاز الروسي بحلول عام 2027، فإنها وجدت نفسها مضطرة للعودة إليه بشكل أكبر لتغطية النقص الحاد في الإمدادات. تعتمد الدول الأوروبية بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي في تشغيل اقتصادها، ما يضعها أمام تحديات معقدة في ظل الأزمة الحالية. فهي تسعى من جهة إلى احتواء تداعيات الحرب في الخليج، ومن جهة أخرى إلى تأمين مصادر بديلة للطاقة. وتُعد ألمانيا نموذجًا واضحًا لهذه المعضلة، إذ كانت تخطط لتنويع مصادرها عبر اتفاقيات مع قطر والولايات المتحدة، إلا أن هذه الخطط قد تتعثر نتيجة استمرار التوترات. كما بدأت التفكير في تعزيز الإنتاج المحلي عبر التنقيب عن الغاز داخل أراضيها، في محاولة لتجنب تراجع قطاعها الصناعي بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة. ولا يختلف وضع بقية الدول الأوروبية كثيرًا، نظرًا لترابط اقتصاداتها وتأثرها المشترك بالأزمات الخارجية. وفي ظل استمرار التوتر في مضيق هرمز، برزت كل من ليبيا والجزائر كمصادر بديلة تحظى باهتمام متزايد من قبل أوروبا. فهاتان الدولتان تستفيدان من قربهما الجغرافي وامتلاكهما موارد طاقة كبيرة، وتسعيان إلى زيادة إنتاجهما وتوسيع شبكات التصدير لتعزيز دورهما في السوق الأوروبية. كما تلعب إيطاليا دورًا محوريًا في نقل الغاز إلى بقية القارة، بينما تحاول نيجيريا زيادة صادراتها لتعزيز موقعها كمورّد بديل. بالتوازي مع ذلك، شهد قطاع الطاقة نشاطًا دبلوماسيًا مكثفًا، تمثل في زيارات واتصالات رفيعة المستوى بين الدول المعنية. فقد قامت رئيسة وزراء إيطاليا، جورجيا ميلوني، بزيارات إلى الجزائر ودول الخليج لتعزيز التعاون، كما أجرت الهند مشاورات مع قطر والإمارات بشأن الإمدادات، وزار رئيس إندونيسيا روسيا لبحث قضايا الطاقة. وتُناقش أيضًا مشاريع لنقل الغاز القطري إلى أوروبا عبر السعودية وتركيا، في إطار البحث عن مسارات بديلة وآمنة. وتشير هذه التحركات إلى أن الحرب لا تعيد فقط تشكيل ميزان القوى في سوق الطاقة، بل تمهّد أيضًا لمرحلة جديدة من التحالفات ومسارات الإمداد في إطار دبلوماسية الطاقة العالمية.
927
| 19 أبريل 2026