رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نريد لمصر «الجديدة» أن تتطهر ليس فقط من شخوص وقيم النظام السابق، ولكن أيضا من مراراته التي مزقت الأواصر، ومن أساطيره التي شوهت الإدراك.
(1)
ليس يكفى أن يستعيد المجتمع روحه المغيبة وكرامته المهدرة وحرياته المنتهكة، لكننا نريد للمجتمع أن يستعيد عافيته وأن يستنهض عناصر القوة والمنعة فيه، والخطوة الأولى في هذا الاتجاه أن يتصالح المجتمع مع ذاته ومع تاريخه وجغرافيته. ذلك أن بلدا كبيرا مثل مصر لا يستطيع أن يستقر أو أن ينهض بمسؤولياته دون أن يجري مثل هذه المصالحة التي سبقتنا إليها دولة أخرى كبيرة ومهمة في المنطقة هي تركيا. ذلك أنها لم تثبت حضورها ولم تنل حظها المشهود من التقدير والاحترام والفاعلية، إلا بعد أن قطعت أشواطا بعيدة في المصالحة سواء مع ذاتها من خلال استدعاء المجتمع وتذويب مراراته أو مع محيطها الاستراتيجي من خلال رفع شعار «زيرو مشاكل»، الذي كان يعني تسوية كل المشاكل العالقة بينها وبين جيرانها الأقربين والأبعدين.
المصالحة المنشودة يفترض أن تسبقها إرادة مستقلة ورؤية إستراتيجية واضحة تحدد من نحن وماذا نريد؟ وإذا كانت معطيات ثورة 25 يناير قد ردت للشعب المصري اعتباره، وأعادت إليه ثقته في ذاته وفي دوره، فإن نجاح التقدم على ذلك الطريق يقتضي إجراء المصالحات التي أتحدث عنها، وفي مقدمتها ما يلي: مصالحة أساسية تصحح العلاقة بين السلطة والمجتمع، وهو ما يتكفل به التمسك بقيم الممارسة الديمقراطية التي تجعل السلطة اختيار المجتمع وليس قدره. بما يعني أنها في خدمة الناس وليس العكس. وإذا تم ذلك على الصعيد السياسي، فإن المصالحة هنا لا تعني فقط أن يصبح الشعب «سيد قراره»، إذا جاز التعبير، ولكنها تستصحب أيضا ثقة في قدرة المجتمع على أن يضع مصيره بسواعد أبنائه وإبداعهم، وليس بتبرعات المانحين وهباتهم.
رجال القانون الذين أعرفهم يعتبرون أن قيمة القانون تراجعت وأهدرت في ظل النظام السابق، بحيث أن الفيصل في الأمور لم يعد ما إذا كان المرء صاحب حق أو معتدى عليه، وإنما ما إذا كان قويا أم ضعيفا. فإذا كان قويا فله كل ما يريد، أما إذا كان ضعيفا فليشرب من البحر. لذلك فإنهم يقولون إنه إذا كانت الثورة قد أعادت إلى الشعب حلمه، فإن رد الاعتبار للقانون في مصر يظل أحد الأبواب التي تسهم في تحويل الحلم إلى واقع. إلى جانب المصالحة المنشودة بين السلطة والمجتمع، فإن مصالحة المجتمع على بعضه البعض هي الساق الثانية التي ينبغي أن تعتمد عليها المسيرة. لذلك فإن التفكير يظل واجبا في ردم وتضييق الفجوة بين الأغنياء والفقراء. وفي المصالحة بين القوى السياسية ذاتها، خصوصا بين الإسلاميين من جانب وبين العلمانيين والقوميين من جانب آخر. وهي إن كانت واجبة بين السياسيين فهي أوجب بين المسلمين والأقباط.
أدري أن العناوين التي ذكرتها تحتمل كلاما كثيرا ونقاشا موسعا، لكنني أردت أن أنبه إلى موضوعها، وإلى كونها مما ينبغي أن تنشغل به النخبة، التي يفترض أن تكف عن الاحتراب الأهلي الذي ظل مستمرا ومستعرا خلال العقود التي مضت. وإذا كان ذلك الإضراب محتملا أو مفهوما حين كان المواطن مخطوفا ومخصوبا، فإنه الآن لا ينبغي له أن يستمر، بعد أن استعاد المصريون وطنهم، وأصبحوا شركاء فيه وليس مجرد ضيوف عليه.
(2)
هذا الذي ذكرته يمكن أن يشكل مدخلا للمصالحة مع الذات. أما المصالحة الأخرى المهمة فهي مع التاريخ والجغرافيا، والأولى تتصل بهوية مصر التي ترتكز على انتمائها العربي والإسلامي، والثانية تتعلق بمسؤولية مصر عن أمنها الوطني ودفاعها عن محيطها الاستراتيجي. وللأسف فإن المسألتين ظلتا محل لغط والتباس في ظل النظام السابق، وصلا إلى حد المنازعة في مقومات الهوية والمفاصلة بين مصر والعالم العربي والتشكيك في طبيعة التهديد الاستراتيجي، وما إذا كان يتجسد في إسرائيل حقا، أم أن إيران أصبحت تمثل ذلك التهديد. وهذه الخلفية تسوغ لنا أن نقول إن الوهن والتشتت الذي عاشت مصر في ظله طوال الثلاثين سنة الأخيرة على الأقل أحدث خللا جسيما في الرؤية الإستراتيجية أوصل العطب ليس فقط إلى مقومات استقرار الوطن ومسيرته، وإنما أيضا إلى ثوابته التي بها أو من دونها يقوم الوطن أو لا يقوم.
لقد آن للذين يتأففون من ذكر الانتماء العربي لمصر وأولئك الذين ينفرون من انتمائها الإسلامي أن يراجعوا أنفسهم، ذلك أن هوية مصر لا ينبغي أن تخضع للمساواة أو الخصم. بالتالي فلا ينبغي أن نتساءل أو نتحفظ على مقومات هذه الهوية، وإنما التساؤل ينبغي أن ينصب على كيفية استثمار تلك المقومات بحيث تصبح مصدرا للقوة والمتعة وليس عنصرا سلبيا يخصم من رصيد الوطن ولا يضيف إليه. وإذا كانت تركيا قد نجحت في توظيف المصالحة مع التاريخ والجغرافيا لصالح مشروع النهضة الذي تتقدم على طريقه الآن، فما الذي يمنع مصر أن تتنكب الطريق ذاته، خصوصا أن نهوضها سيعني في حقيقة الأمر صحوة الأمة العربية كلها، بما يعيدها إلى مجرى التاريخ الذي خرجت مصر منذ انكسرت مصر وانكفأت، وتنكرت للتاريخ والجغرافيا في فترة مظلمة من تاريخها.
(3)
التصالح الذي أدعو إليه له وجه آخر، إذ يقتضي مراجعة جادة للعديد من الأساطير التي جرى الترويج لها في ظل العهد السابق. ويحضرني في هذا الصدد موقف تعرضت له خلال الأسابيع الأخيرة. فقد استقبلت شابا جاءني لكي يجري حوارا ضمن مشروع دراسي يعده. وكان أول سؤال وجهه إلىَّ هو: هل تعتقد أن قطر تقف وراء المظاهرات التي خرجت إلى ميدان التحرير؟. فوجئت بالسؤال الذي لم أتوقعه، ولم أنشغل بالإجابة عنه بقدر انشغالي بمعرفة الخلفية التي جعلته يفكر فيه ويستهل به الحوار، وحين ناقشته في ذلك أدهشني أنني وجدته مقتنعا بأن قطر تتآمر على مصر وأن قناة الجزيرة أداتها في ذلك بالتالي.
لم يكن تفكير الشاب استثنائيا، لأن الانطباع الذي عبر عنه له أنصاره في بعض الأوساط المصرية. وكان الجديد فقط أن ظنونه ذهبت في ذلك إلى أبعد مما ينبغي.
إذا أدركت أنه ليست هناك مشكلة من أي نوع بين مصر وقطر، وأن المشكلة الحقيقية أن الجهات الإعلامية والأمنية في النظام السابق أرادت أن تعامل قناة الجزيرة كما تعامل التلفزيون الرسمي المصري، وأن ما كانت تبثه القناة عن مصر أقل بكثير مما كانت تنشره الصحف المصرية المستقلة والمعارضة، فسوف تكتشف أن الأبواق الدعائية المصرية في دفاعها عن النظام السابق، لم ينل بتشويه الإدراك المصري وإحداث الوقيعة بين الشعبين.
الذي حدث مع قطر تكرر بصورة أقسى مع الفلسطينيين الذين صورهم الإعلام المصري الموجه باعتبارهم خطرا يهدد أمن مصر ويسعى إلى ضرب اقتصادها، خصوصا حين رفضت حركة حماس الوصاية المصرية وتمسكت بالدفاع عن ثوابت القضية في مواجهة حملة تصفيتها الجارية على قدم وساق. وقد اشتدت تلك الحملة بعدما حاول فلسطينيو غزة تجاوز بوابة رفح، احتجاجا على الحصار الذي شاركت فيه مصر. وكانت نتيجة التعبئة المضادة التي تنافست وسائل الإعلام المصرية في إطلاقها آنذاك أن تصور البعض أن العدو الاستراتيجي هو فلسطينيو غزة وحركة حماس تحديدا وليست إسرائيل.
هذا المنطق المختل أدى أيضا إلى تخريب العلاقات بين مصر وسوريا. وفي ظل ذلك التخريب سكت الجميع على مفارقة مفجعة، أدت إلى أن أصبح الطريق مفتوحا وممهدا بين القاهرة وتل أبيب، في حين صار ذلك الطريق مقطوعا بين القاهرة ودمشق. كما أن أحدا لا يستطيع أن ينسى الأزمة المخجلة التي ثارت مع الجزائر بسبب مباراة لكرة القدم. وكانت نموذجا للخبل السياسي الذي أصاب الإعلام يلوثه، حتى أعلنتها أبواقه حربا شرسة وقبيحة أوصلت العلاقات بين البلدين إلى الحضيض.
(4)
من الأساطير التي شاعت أيضا في ظل النظام السابق أن إيران عدوة لمصر، وأن حزب الله يسعى إلى تخريبها وضرب اقتصادها. والأسطورة الأولى كانت وراء القطيعة المستمرة بين البلدين منذ قامت الثورة الإسلامية في عام 1979، وحتى اللحظة الراهنة. ولأنني واحد ممن تابعوا مسار العلاقات بين القاهرة وظهران منذ السنة الأولى للثورة، فإنني لم أجد سببا مقنعا لا للقطيعة بين البلدين، ولا لتصنيف إيران بأنها عدو لمصر، فهمت أن ثمة عداء له ما يبرره بين إيران الثورة وبين الأمريكيين، وأن العداء الأكبر قائم بينها وبين إسرائيل. لذلك فإنه في غياب أي أسباب جوهرية لاستمرار القطيعة والخصومة بين القاهرة وطهران، فإن انحياز مصر إلى موقف القطيعة لم يكن يفسر إلا بأنه يتم بالوكالة عن الأعداء الحقيقيين.
أدرى أن ثمة خلافات سياسية بين البلدين، وأن هناك ملفات عالقة بعضها عربي والبعض الآخر أمني مصري، لكن من قال إن العلاقات الدبلوماسية لا تقوم بين الدول إلا في حالة الاتفاق بينها في كل شيء. علما بأن الدول الأشد خلافا مع إيران، مثل السعودية ودولة الإمارات، تحتفظ بعلاقات دبلوماسية طبيعية مع طهران. ومن المفارقات المثيرة للدهشة في هذا الصدد أن التناقضات الإستراتيجية بين مصر وإسرائيل، التي هي أكثر عمقا وجذرية أمكن تجاوزها بصورة نسبية، في حين أن التناقضات الثانوية والفرعية بين مصر وإيران تعذر حلها.
تهديد حزب الله في لبنان لمصر أسطورة أخرى جرى الترويج لها بعد اكتشاف دخول عناصر من الحزب إلى مصر للبحث عن وسيلة لمساعدة الفلسطينيين المحاصرين في غزة. وقد جرى التهويل في هذه العملية التي كان يمكن احتواؤها بسهولة، خصوصا أنه لم يكن فيها أي شيء ضد مصر. وبعدما تولت الأجهزة الأمنية نسج الأكاذيب التي حولت العملية إلى مؤامرة، قام الإعلام المصري بدوره في تشويه حزب الله وهجائه بصورة مُسِفَّة ومقذعة. وانتهى الأمر بمصر الكبيرة التي كانت لاعبا رئيسا في الساحة اللبنانية أن أصبحت طرفا صغيرا فاقد الاحترام والاعتبار في الصراع السياسي والطائفي هناك. الأسوأ من ذلك أن اصطفافها جاء إلى جانب الطرف المؤيد أمريكيا وإسرائيليا وأوروبيا.
اختم بأسطورة محور «الاعتدال» الذي قادته مصر أو انتسبت إليه. إذ يكفي لتكذيبها وإسقاطها أنه لم يحتف بذلك الاعتدال المريب سوى الولايات المتحدة وإسرائيل. بل يكفي لإدانة الموقف المصري في هذا الصدد أن رئيسها اعتبر كنزا استراتيجيا لإسرائيل. وهي قرائن تدل دلالة صارخة على أننا بصدد عنوان مغشوش وضع فوق تجمع مشبوه. إذ أن ذلك التجمع كان نموذجا لحلف جديد تورطت فيه بعض الدول العربية لموالاة الدولتين الراعيتين (الولايات المتحدة وإسرائيل). الذي لا يقل خطرا عن ذلك أن الاصطفاف إلى جانب ذلك «الاعتدال» المريب، كان يعني مباشرة إدانة للمقاومة واستهجانا للممانعة وازدراء للصمود، وتمهيدا للطريق أمام الانبطاح الكامل في نهاية المطاف.
إن إزالة آثار العدوان «الوطني» على مصر مهمة أصعب بكثير من إزالة آثار العدوان الإسرائيلي »عليها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كانت الحروب تُدار بالمدافع، والآن أصبحت تُدار بإبهامٍ يُمرِّر الشاشة إلى الأسفل. وكان الأفيون قديماً يُنهك جسد الأمم واليوم صار “أفيون الانتباه” يُنهك عقل الجيل وروحه. بريطانيا أغرقت الصين بالأفيون في القرن التاسع عشر ولم تكن المسألة تجارة بل كانت سوقاً تُدار لتدمير مجتمع كامل وانتهت بحربي الأفيون بين بريطانيا والصين، ثم بريطانيا وفرنسا لاحقاً بعدما قاومت الصين ذلك التخريب المدمِّر. والفكرة تُعاد بثوبٍ مختلف: (اجعل الإنسان مستهلكاً دائماً، ومشغولاً دائماً، وغاضباً دائماً، وضاحكاً على التفاهة دائماً، ثم اسأله: لماذا لا تقرأ؟ لماذا لا تفكر؟ لماذا لا تنتج؟). وسائل التواصل ليست شراً مطلقاً فيها علم، وصوت للمظلوم، وفرص للعمل والتعلُّم. لكن المشكلة حين تتحول المنصة من أداة في يد الإنسان إلى يدٍ خفية تمسك بعقله. اليوم يوجد نحو 5.79 مليار هوية مستخدم لوسائل التواصل حول العالم في أبريل 2026 أي إن المعركة لم تعد على أرض محدودة بل داخل جيوب البشر. وتشير بيانات عالمية إلى أن البالغين يقضون أكثر من ساعتين ونصف يومياً عند جمع الشبكات الاجتماعية مع منصات الفيديو مثل يوتيوب وتيك توك، أي نحو 18 ساعة و36 دقيقة أسبوعياً على أقل تقدير. هذا ليس وقتاً ضائعاً فقط، بل هذا جزء من العمر يُعاد توظيفه ضدهم ولخدمتهم وأجندتهم. الأخطر أن الجيل الصغير يدخل هذا النفق قبل أن تكتمل أدواته في التمييز. وفق مراكز بحثية قرابة خُمس المراهقين الأمريكيين يقولون إنهم على تيك توك ويوتيوب “بشكل شبه مستمر” وثلث المراهقين تقريباً يستخدمون منصة واحدة على الأقل بهذه الكثافة. أما منظمة الصحة العالمية في أوروبا فأشارت إلى ارتفاع الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل بين المراهقين من 7% عام 2018 إلى 11% عام 2022، مع خطر إضافي متعلق بالألعاب الإلكترونية. وهنا يظهر “وحل التفاهات” مقطع بلا معنى، وتحدٍّ سخيف، وفضيحة عابرة، وضحك رخيص، وشهرة بلا قيمة، ومحتوى يُعلِّم الطفل أن الحياة سباق على الظهور لا على الإنجاز. الخوارزمية لا تسأل هل هذا ينفعه؟ بل تسأل هل سيبقى أطول؟ فإذا كان الغضب يُبقيه مثلاً زادته غضباً. وإذا كانت التفاهة تُبقيه أكثر سكبتها عليه أكثر كالمطر. والتربية هنا ليست أن نكسر الهاتف، بل أن نكسر السحر ونلعن الساحر. أن نعلِّم أبناءنا أن المجانية كذبة ناعمة فإذا لم تدفع مالاً، فإنك تدفع انتباهك، ووقتك، وسلامك الداخلي، وقيمك، ومبادئك. نحتاج في البيت إلى “نظام غذائي رقمي”: ساعات محددة، ومحتوى مختار، وقدوة من الوالدين، ومجالس بلا هواتف وهذه نقطة مهمة جداً. فنحن نحتاج إلى بدائل حقيقية رياضة، وقراءة، وصحبة صالحة، ومهارات تُطوَّر، وحوار يُنشأ داخل البيت الذي أصبح كأنه مقبرة، فالكل منكفئ على شاشة جاهزة يضاحكها بلا صوت ويلاعبها كأنه ملبوس. لقد كان الأفيون يُدخل الأمم في ظلمات ثلاث، أما أفيون الشاشات فيجعلها مستيقظة طوال الليل … نائمة طوال النهار. ومن أراد أن يحمي جيلاً فلا يكفي أن يمنعه من السقوط في الوحل بل عليه أن يزرع في داخله أرضاً صلبة يمشي عليها وينطلق منها.
4743
| 23 يونيو 2026
عندما يتعرض أي منتخب لخسارة قاسية، يكون من السهل توجيه أصابع الاتهام إلى اللاعبين وتحميلهم كامل المسؤولية، لكن ما حدث للعنابي أمام كندا يستوجب قراءة أكثر إنصافاً وواقعية. فاللاعبون أنفسهم الذين خرجوا بنتيجة إيجابية أمام سويسرا في الجولة الأولى لا يمكن أن يفقدوا قدراتهم بين ليلة وضحاها. ما تغير لم يكن مستوى اللاعبين بقدر ما كان غياب الرؤية الفنية الواضحة وسوء إدارة المباراة، وهي أمور يتحمل مسؤوليتها المدرب قبل أي طرف آخر. المشكلة الحقيقية لم تكن في الأسماء الموجودة داخل المستطيل الأخضر، بل في الطريقة التي أُديرت بها المباراة منذ بدايتها وحتى صافرة النهاية. وهنا تبرز مسؤولية المدرب الذي يتحمل النصيب الأكبر من هذه الخسارة الثقيلة، فالفريق ظهر من دون شخصية واضحة، ومن دون جاهزية ذهنية تسمح له بمواجهة الضغط أو العودة إلى أجواء اللقاء بعد استقبال الأهداف. كما بدا واضحاً أن العنابي لم يدخل المباراة بالحالة البدنية التي تمكنه من مجاراة نسق المنافس أو الحد من تفوقه. ولم تتوقف الأخطاء عند حدود الإعداد الذهني والبدني، بل امتدت إلى الجانب الفني. فالمدرب لم ينجح في استثمار قدرات لاعبيه بالشكل الصحيح، الأمر الذي أفقد الفريق الكثير من فاعليته، فظهر بعض اللاعبين بعيدين عن مستواهم المعتاد لأنهم لم يوظفوا فنياً في الأدوار التي تناسب إمكاناتهم. وكما نعلم فإن مباراة بهذا الحجم يصبح استغلال لاعب بحجم عفيف ضرورة وليس خياراً، وعندما يعجز المدرب عن توظيف أهم الأوراق الهجومية للفريق بالشكل الأمثل، فإن ذلك يعكس خللاً مباشراً في الرؤية الفنية قبل أي شيء آخر. الأكثر إحباطاً كان الإصرار على نهج دفاعي عقيم منح المنتخب الكندي أفضلية كاملة في الاستحواذ والسيطرة على مجريات اللعب، وبينما كان المنافس يهاجم بأريحية ويصنع الفرص تباعاً، اكتفى العنابي بالتراجع وانتظار ما سيحدث، وعندما بدأت النتيجة تتجه نحو سيناريو كارثي، لم نشاهد أي تدخل فني حقيقي يغير شكل المباراة أو يعيد التوازن إلى الفريق. صحيح أن طرد همام الأمين وعاصم مادبو شكّل ضربة مؤثرة وأربك حسابات الفريق، إلا أن اختزال النتيجة الكارثية للمباراة في حالتي طرد فقط لا يعكس الصورة الكاملة لما حدث، فالمنتخبات التي تمتلك هوية واضحة وشخصية قوية تستطيع التكيف مع النقص العددي وتقليل الأضرار، لكن العنابي بدا فاقداً للسيطرة والتنظيم حتى قبل حالات الطرد، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة حول الجاهزية الفنية والتكتيكية. المدرب لم يقرأ المباراة بالشكل المطلوب، ولم ينجح في إيجاد حلول أو إجراء تعديلات مؤثرة تحد من تفوق المنافس. التبديلات جاءت متأخرة ومن دون أثر واضح، والخطة بقيت كما هي رغم أن المباراة كانت تسير في اتجاه واحد. والأسوأ من ذلك أن المدرب لم يحرر اللاعبين القادرين على صناعة الفارق، بل وضعهم داخل أدوار حدّت من خطورتهم وأفقدت الفريق أحد أهم أسلحته الهجومية. كلمة أخيرة: تحيةٌ وتقديرٌ واحترامٌ لجماهير منتخبنا التي بقيت في المدرجات بروحٍ وطنيةٍ عاليةٍ رغم الخسارة الثقيلة.
4575
| 21 يونيو 2026
قِيل لي كثيرًا إن: "غالبية الناس لا تفرق بين الخطأ الطبي والمضاعفات الطبية". ويقولون إن الضرر عندما ينتج من مضاعفات طبية محتملة الوقوع ومتعارف عليها لا يسأل الطبيب عن خطأ طبي. ويحق لنا أن نتساءل قليلًا هنا، ألا يمكن أن تنشأ مضاعفات طبية بسبب تقصير أو إهمال من الطبيب؟ هل هذا التقسيم يخدم نظام المسؤولية الطبية ويعززها؟ أم أنه سيكون مهربًا وطريقًا يسلكه الأطباء للإفلات من المسؤولية؟ برأيي أنه لا فائدة تُذكر من تقسيم مثل هذا! بل إن هذا التقسيم بين الخطأ الطبي والمضاعفات الطبية سيؤدي إلى إفلات المقصرين والمتسببين بالضرر الطبي من المسؤولية الطبية، ويحرم المريض المتضرر من الحصول على تعويض يجبر ضرره بحجة أن الضرر الواقع كان ناجمًا عن مضاعفات طبية، إذ إن الطبيب يسأل عن تقصيره بغض النظر عما إذا كان الضرر ناجمًا عن مضاعفات طبية من عدمه، كما أن الطبيب يسأل حتى لو كان الضرر ناتجًا عن نشوء مضاعفات طبية متعارف عليها في حالة عدم تبصير المريض بها قبل التدخل الطبي. فالعبرة إذن بثبوت التقصير على وجه اليقين وليس بالنظر إلى التقسيم بين المضاعفات والأخطاء الطبية. غير أن الطبيب لا يسأل عند تعرض المريض لمضاعفات طبية متعارف عليها بين الأطباء بشرط بذل العناية الصادقة واللازمة لشفاء المريض. وقد وُفِّقت محكمة التمييز القطرية في حكمها رقم 241/2013 الصادر بتاريخ 7 يناير 2014 عندما قضت بأنه "ولا ينفي الخطأ عن الطبيب المعالج ما تضمنه تقرير الخبير المؤرخ 11/11/2012 المقدم أمام محكمة الاستئناف من أن المضاعفات التي طرأت على العين عقب إجراء العملية هي من قبيل المضاعفات الطبية المتعارف عليها، ذلك أن هذه المضاعفات قد تنجم عن خطأ وقع أثناء إجراء العملية ويمكن للطبيب المعالج تداركها أثناء فترة المتابعة"، وذلك في واقعة تتلخص في أن مريضا أجرى عملية جراحية بعينه اليمنى لإزالة المياه البيضاء وزرع عدسة، وبعد عودته إلى منزله شعر بآلام شديدة بالعين حيث تبين بعد مراجعته للطبيب المعالج وجود نزيف داخلي بالعين نتيجة سقوط أجزاء من العدسة الطبية داخل تجويف العين، وهو ما أدى إلى تدمير خلايا القرنية ويهدده بفقدان البصر بها، وقد قضت محكمة الاستئناف برفض الدعوى باعتبار الضرر من قبيل المضاعفات المتعارف عليها، غير أن محكمة التمييز أرست مبدأً يتمثل في أن المضاعفات قد تنجم عن خطأ، واعتبرت بأن المضاعفات التي وقعت للمريض المتضرر من قبيل المضاعفات الناتجة عن خطأ الطبيب. وخلاصة القول إن العبرة ليست في التقسيم بين المضاعفات الطبية والخطأ الطبي، بل بثبوت تقصير الطبيب على وجه اليقين، ذلك أن المضاعفات قد تنجم من خطأ طبي وقد تنشأ دون تقصير من جانب الطبيب. والله من وراء القصد..
1707
| 21 يونيو 2026