رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

204

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

الاستحواذ الصيني على هونج كونج

15 فبراير 2026 , 02:43ص

قصة هونج كونج تعلمنا أن القوى الاستعمارية السابقة كبريطانيا قد ترحل، لكن الفراغ الذي تتركه يملؤه فوراً «طموح إمبراطوري» جديد كالصين. ففي السياسة مبدأ وجوب «ملء الفراغ». علينا أن ندرك أن التحالفات الدولية ليست جمعيات خيرية، بل هي صراع على «النفوذ والممرات والموارد». اليوم، سأضع بين أيديكم العصارة السياسية لقصة هونج كونج، التي لم تكن يوماً مجرد مدينة، بل «ترمومتر» يقيس حرارة الصراع بين الإمبراطوريات.

من «صخرة الأفيون» إلى «جوهرة التاج» بدأت حكاية هونج كونج بواحدة من أحلك فترات التاريخ الاستعماري؛ «حروب الأفيون» في القرن التاسع عشر. بريطانيا، في أوج جبروتها الإمبراطوري، لم تحتل المدينة لنشر الحضارة، بل لتأمين ممر لتجارة المخدرات نحو الداخل الصيني. ومع معاهدة «نانجينغ» (1842)، سقطت هونج كونج في يد لندن كغنيمة حرب. لعقود، كانت المدينة رئوية بريطانيا في الشرق، ومختبراً للقانون الإنجليزي العام وسط محيط آسيوي مختلف تماماً. في المقابل، تقدم الصين نموذجاً «إمبراطورياً» مختلفاً. هي لا ترسل جيوشاً لاحتلال الأراضي (فالأرض تاريخياً تابعة لها)، بل ترسل التكنولوجيا والاقتصاد. عبر مبادرة «الحزام والطريق»، تعمل الصين على «استرداد» نفوذها التاريخي. في هونج كونج، استبدلت بكين القانون الإنجليزي العام بـ قانون الأمن القومي الذي صهر استقلالية المدينة في بوتقة السيادة الصينية المطلقة.

حين جاء عام 1997، تم التسليم العظيم وبداية «الكمين» الصيني. حيث لم يكن الانسحاب البريطاني فعلاً اختيارياً بقدر ما كان «اعترافاً بالأفول». بريطانيا، التي «تآكلت» قوتها العسكرية والسياسية، سلمت المدينة للصين بموجب اتفاقية «دولة واحدة ونظامان». ظن الغرب حينها أن هونج كونج ستكون «فيروساً ديمقراطياً» يغير الصين من الداخل، لكن ما حدث كان العكس تماماً؛ فالصين، بقوة اقتصادية صاعدة، بدأت عملية «هضم» هادئة للمدينة. لا يمكننا قراءة ثورات هونج كونج (من «المظلات» 2014 إلى احتجاجات 2019) بمعزل عن الصراع الاستراتيجي بين واشنطن وبكين. بكين ترى في هذه التحركات «ثورات ملونة» تديرها الاستخبارات الأمريكية لزعزعة استقرارها. واشنطن، من جهتها، استخدمت ورقة هونج كونج كـ «أداة ضغط» سياسية وأخلاقية، محولةً قضية الحريات في المدينة إلى جزء من «الحرب التجارية» الكبرى.

هنا يكمن الجوهر؛ فارتباط مصير مثلث «هونج كونج - تايوان - بحر الصين الجنوبي» هي «البروفة» الكبرى لقضية تايوان. فالصين تريد أن تثبت للعالم، ولتايوان تحديداً، أن السيادة لا تقبل القسمة على اثنين. بسط السيطرة الكاملة على هونج كونج عبر «قانون الأمن القومي» كان رسالة واضحة لتايبيه: «الاستقلال مستحيل، والاندماج حتمي». بالنسبة لأمريكا، سقوط هونج كونج السياسي يعني اقتراب المواجهة المباشرة في تايوان، مما يهدد سلاسل توريد التكنولوجيا العالمية (أشباه الموصلات).

في الجانب السياسي الدولي، تقدم هونج كونج اليوم لـ تايوان وللعالم نموذجاً «إيجابياً» للوحدة. الصين تبرهن أن الاندماج لا يعني الذوبان، بل يعني القوة المشتركة. فبينما تتخبط القوى الغربية في أزمات الديون والتراجع الصناعي، تفتح الصين أبوابها لهونج كونج لتقود التحول الرقمي العالمي، مما يجعل «العودة للحضن الصيني» خياراً استراتيجياً رابحاً تكنولوجياً واقتصادياً.

الدرس هنا ملهم للغاية: السيادة هي مفتاح النهضة. الصين لم تسمح لهونج كونج أن تظل «منطقة رمادية» للعبث الدولي، بل استثمرت فيها لتكون بوابة العالم نحو «الحلم الصيني». إن أفول بريطانيا لم يترك فراغاً، بل أفسح المجال لعملاق آسيوي يعرف كيف يحول «الجزر المستعمرة» إلى «منارات للتكنولوجيا والاستدامة». عودة هونج كونج الكاملة للصين هي انتصار للمنطق التاريخي؛ حيث تحولت المدينة من «ضحية للحروب الإمبريالية» إلى «شريك سيادي» في صياغة النظام العالمي الجديد. إنها قصة نجاح تثبت أن الوحدة الوطنية هي الضمانة الوحيدة للازدهار في عالم لا يحترم إلا الأقوياء والمنتمين لجذورهم. هونج كونج هو إعلان رسمي لنهاية «القرن الغربي» في آسيا والعالم، وبداية «القرن الصيني» لسيادة العالم.

اقرأ المزيد

alsharq معركة الوميض الأول

المعركة لا تبدأ حين تدوي الصفارات. تبدأ عند لحظة اشتعال محرك الصاروخ. هناك، في الوميض الحراري الأول، تتحدد... اقرأ المزيد

96

| 03 مارس 2026

alsharq الصيام قوة للروح والجسد

لكل عبادة فرضها الله تعالى علينا حكم عظيمة جهلنا معظمها وعلمنا القليل منها، ومن حكمة الله تعالى في... اقرأ المزيد

135

| 03 مارس 2026

alsharq خبرة ترامب في إسقـاط الأنظمـة

لا شك أن مقتل المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي ورئيس الأركان وعدد من القيادات والشخصيات الإيرانية في... اقرأ المزيد

132

| 03 مارس 2026

مساحة إعلانية