رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
انتصرت إرادة الشعب، وتنحى مبارك عن السلطة وسلمها للمجلس العسكري الأعلى ليتولى إدارة الأمور، وتحدث بدوره عن تسليم السلطة إلى حكم مدني ديمقراطي. أعلن القرار على الشعب مساء الجمعة 11 فبراير بعد 18 يوما من الأيام العظيمة في تاريخ شعب مصر، كانت ثورة الشعب تحقق كل لحظة حركة عظيمة في كل الأماكن وعلى كافة الأصعدة، ووضعت منهجا جديدا للثورة الشعبية السلمية، وأعاد الشعب المصري اكتشاف إمكاناته وقدراته ومكنون الثقافة الإنسانية فيه، وانطلق في مسيرة تحرير الإنسان المواطن والأرض والوطن والإقليم والانتماء وحركة التحرر والقومية.
لم تكن اللحظات السابقة لإعلان التنحي توحي أن النظام الذي سقط يوم 25 يناير قد استوعب الدرس، بينما كان الشعب الذي حرر إرادته، وقدم أكثر من 400 شهيد في كل مصر، ما زال يرى أشلاء الشرطة تطارد البعض منه في المحافظات البعيدة، بل وما زالت تقتل، ورغم إدراك أن المواقف والقرارات في المجتمعات لا تتم كما قاطع التيار الكهربي، ولكنها يجب لها أن تستنفد الطاقة في اتجاه لتتحول إلى اتجاه غيره، إلا أن اتساع واستمرار جريمة القتل والإرهاب للشعب كانت تؤكد رخاوة بقايا السلطة المنحلة، وأيضا صلف أفراد منها باستمراء القتل في الشوارع، أو استخدام الإعلام ضد الشعب، ولم يعد فقط البعض الذي يقتل هو الأمن، ولكنهم صاروا من المذيعين والصحفيين الذين يمارسون القتل المعنوي، وبدا أن مصر يجب أن تغتسل ومرة واحدة من كل الأوساخ التي علقت بثوب الحرية والعزة والكرامة.
ويزداد موقف الزحف جلالا بنبأ وفاة الفريق سعد الشاذلي رئيس الأركان المصري زمن حرب 1973 والذي قدمه حسني مبارك لمحكمة عسكريه بتهمة إفشاء أسرار عسكرية وتم حبسه بينما كان مبارك يلتقي مع أعدائه من الصهاينة في قصور الدولة المصرية، غير عابئ أن هذا الرجل أقدم منه من حيث الترتيب العسكري، وأنه من قاد العمليات التي حررت سيناء حتى بداية الثغرة ــ بعد الدفع السياسي بقوات الاحتياط إلى الاشتباك في شرق القناة ــ بما في ذلك خطة الطيران التي سميت الضربة الجوية والتي اختزلت فيها كل حرب 73.
وبينما الشعب يزحف في اتجاه القصور الرئاسية، ويحاصرها، ويلقي بالورود إلى الحرس الجمهوري، أدارت دبابات الحرس الجمهوري أبراج مدافعها من اتجاه الشعب إلى اتجاه القصر، وكانت بشارة ما سيعلن عنه بعد ذلك. وحاصر الشعب بمئات الآلاف مبنى الإذاعة والتلفزيون وكان الحصار كافيا لإعلان إمكانية السيطرة، والاستعداد لدفع الثمن.
عند هذه اللحظة، والتي بدا فيها أن أعلى نقطة تطور في الثورة صارت لصالح الشعب، وأن الصدام بين الدبابات والشعب لن يحول دون انتصار الشعب.
أعلن نائب الرئيس الفاقد للانتماء لشعبه تنحي رئيسه للمجلس العسكري الأعلى، وأعلن المجلس أنه يعمل في إطار الشرعية الشعبية، وفي تصرف عسكري رمزي يؤدي المتحدث باسم المجلس العسكري التحية العسكرية لأرواح الشهداء على الملأ خلال إلقائه لبيان صادر عن المجلس.
انطلقت الأفراح بإزالة النظام، وتحولت مظاهرات الشهداء، إلى مسيرات بهجة واحتفال، وتبادل الجميع التهاني أن تمت إزاحة الطغيان، وبدأت موجات من الأسئلة والملاحظات تبدو أنها تتربص بالفرحة، وتضيف أسئلة لا حدود لها، وتعلن أن الشعب بكل أطيافه قد تعلم الدرس، وأن استرداده لإرادته أمر لا رجوع عنه، وأنه سيدافع عنها وبلا تهاون.
هل استوعب الجميع ماذا تريد الثورة الشعبية في مصر؟
سؤال مازال سبب كل المخاوف التي تتداعى لليوم الثاني، حيث بان أن تفريغ ميدان التحرير من المتظاهرين ليس هدف الثورة وليست مهمة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وأن المجلس مطالب بإجراءات يبين منها أنه استوعب المطالب ويتجه لتحقيقها.
فإذا كان المجلس قد استجاب للمطالبات الخارجية، وأكد التزامه بالاتفاقات "الدولية والإقليمية"، وكان من الغريب ذكر الإقليمية مضافة إلى الدولية، وكان واضحا أنها رسالة طمأنة لإسرائيل وأمريكا بشأن كمب ديفيد، فليس أقل من الاستجابة لمطالب الثورة الشعبية بشأن حل المجالس المزورة وإلغاء قانون الطوارئ وحل الحزب الوطني وتقديم عناصره إلى المساءلة بشأن الإفساد السياسي.
ويعلن المجلس العسكري يوم الأحد 13 فبراير تعطيل العمل بالدستور، وحل مجلسي الشعب والشورى، ويحدد فترة ستة أشهر لتوليه السلطة.
المطلب الشعبي الجوهري هو بناء الدولة المصرية الحديثة، ووضع الشعب لها مسارا محددا، وما تحقق من المطالب هو تنحي الرئيس ونائبه، وحل المجالس المزورة ولكن إلغاء قانون الطوارئ، وحل الحزب الحاكم، لم يتم بعد، بل بقيت وزارة أغلب أعضائها أيديهم ملطخة بدماء الشهداء تسير الأمور، غير عابئة بما جرى، وتتعامل ببرود امتلاك زمام الأمور.
فحكومة شفيق والتي طالبها المجلس العسكري بتصريف الأعمال، قال عنها شفيق إنها حكومة الحزب الوطني المنهار، ووعد المعتصمين في التحرير (بالبنبوني) في صلافة واستهزاء بعطاء الشعب، فكيف يتصور أحد من كان أن الصبر على ذلك يمكن أن يطول؟
وما زالت مصر في حاجة لاستعادة الحياة السياسية التي جرى تجميدها طوال الثلاثين عاما الماضية، ولن يكون انتخاب رئيس أو مجالس نيابية، من خلال ما هو قائم إلا جلب سيئ من وسط أسوأ ما تملك مصر، وعليه فإن الفترة الانتقالية هي الأساس في بناء دولة مصر العصرية، وهي فترة تديرها حكومة تكنوقراط.
ليس كافيا نزع صور الرئيس، والمطلوب نزع منهج الإدارة الذي استنه واعتبر أن الزمن كفيل بحل الأزمات ونسيان المطالب، بالإضافة إلى نزع الأشخاص الذين تطالهم شبهة التآمر على الشعب، فقد كان غريبا أن يكون من بين الوزراء المجتمعين في مجلس الوزراء يوم الأحد 13 فبراير كل من مفيد شهاب، وأبو الغيط، وسامح فهمي، وكل منهم بالأساس متهم بمواقف معادية للشعب وحقوقه، وذلك مجرد مثال كاشف.
فالحكومة الانتقالية تحت رئاسة يمثلها المجلس الأعلى للقوات المسلحة، أو يضافا إليه مدنيون، تعني بالأساس فتح الباب أمام تكوين الأحزاب وإطلاق حرية إصدار الصحف وتكوين جمعية تأسيسية لإصدار الدستور والقوانين المكملة له، وليس مجرد لجنة تقوم بأعمال الترقيع بعيدا عن إرادة الشعب، والاكتفاء بالاستفتاء قبولا أو رفضا لإقرار الدستور، خاصة أن البعض ممن أنيط بهم التعديلات من قبل هاجم ثورة الشعب وقال: إن فترة شهرين كافية لإتمام التعديلات، ولكنه لم يلق ببصره إلى موت الحياة السياسية، سواء من حيث غياب كافة النقابات العمالية أو المهنية، أو عجز الأحزاب عن التعبير عن الإرادة الشعبية التي تجاوزتهم، حتى أن مشهد البعض منهم في المؤتمرات الصحفية التي يعقدونها يبدو مضحكا كونه يتحدث إلى نفسه عما يرضيه هو وليس عما يحتاجه الشعب.
عندما تدب الحياة والحيوية بالمشاركة الشعبية في الحياة السياسية، يمكن أن نقول إن الدولة المصرية وصلت إلى قاعدة الانطلاق إلى المستقبل.
وهنا يجب مواجهة الحقيقة، أن ستة أشهر لا تبدو الفترة الكافية لتحقيق مهام إعادة الحياة السياسية، لذا يجب أن يتم حوار بين المجلس العسكري وقيادته من ناحية وبين الشعب، وعبر أدوات اتصال مفتوحة لكل العناصر السياسية في الوطن، وهو أمر لصالح مصر، فضلا عن كونه يعيد التوازن إلى الرؤية الشعبية لمطالب التغيير.
الأمثلة واضحة حول مدى الفترات الانتقالية، ففي تجربة السودان وحركة النقابات ضد النميري وتولي سوار الذهب المسؤولية، ورغم نضج الحالة الحزبية والنقابية في السودان إلا أن الأمر تطلب عاما لنقل السلطة. وفي حالة الجزائر بعد الشاذلي بن الجديد والتي أتاحت مدة أقل من ثلاثة أشهر لمجرد محاولة إثبات أنها ديمقراطية، أدت إلى عشر سنوات من المذابح، ولم تخرج منها الجزائر بعد.
وبدأت موجة جديدة من التظاهرات والاعتصامات ترفع مطالب اجتماعية تحتاج إلى حديث من المجلس العسكري يتجاوز البيانات بالقرارات، مع الجماهير حتى تصل إلى الجماهير رسالة بجدية التعامل مع احتياجاتها، أما لماذا من المجلس العسكري؟، فالإجابة لأن الوزارة القائمة فاقدة المصداقية لدى الشعب. فهي ما زالت ترى أن هناك احتمالا بعودة نائب الرئيس المتجاوز قدره مع الشعب إلى الحياة السياسية، وهو شخص رفضته الثورة كما أنها تضع علامات استفهام حول مراد موافي رئيس جهاز المخابرات العامة الجديد، لأنه تطاول على أهل سيناء واصفا إياهم بأنهم عملاء لإسرائيل، وإذا تمردوا عليها فإنها تضربهم "بالجزمة"، وغير هذا فإن عقيدته القتالية محل شك، فهو يرى أن إلغاء كمب ديفيد سيؤدي إلى حرب تعود بمصر قرونا إلى الوراء، فكيف بهذه العقليات المهزومة أن تدير وطن ما بعد الثورة.
وعلى الضفة الأخرى في جانب الحركة الشعبية يبدو أن هناك نوعا من الارتباك، يحتاج إلى يقظة عالية، فليس هناك اتحاد للعمال وليس هناك نقابات، كما أن الأحزاب قد فقدت مصداقيتها لدى الشعب، وإلا لماذا تولى الشعب الأمر بيده وأزاح النظام بدعوة خرجت من داخله.
ولا يجب اختزال ثورة شعب بأكمله وفي كل الوطن، فيمن كانوا بميدان التحرير، والذي صار رمزا لهذه الثورة الشعبية الشاملة، ولا يجب اختزال ما يمثله الميدان، في الشباب الذي تصدر الثورة وكان لهيبها وقدم الشهداء قربانا ليوم التحرير، ولا يجب اختزال الشباب في حزب للشباب يضم البعض ولا يضم الآخرين ولكنه يجب أن يكون لكل من يشاء حزبه المعبر عنه، ولا يجب اختزال كل هذا في بعض من الأفراد هم المتحاورون أو المتحدثون باسم الثورة، فهذا يفتح الباب إلى تقزيم الزخم الشعبي العظيم من حول الثورة وأهدافها، وليس من الممكن تعويض خسائر 30 عاما خلال 180 يوما فقط، إلا إذا كان الهدف ليس وضع أساس الدولة العصرية بكل الشعب ولكل الشعب.
هكذا انتصرت ثورة مصر نصرا عزيزا وبدأ الجهاد الأكبر لبناء مصر العصرية.
من الظهور إلى التأثير الرقمي
لم يعد التحول الرقمي خياراً تكميلياً في عالم الأعمال، بل أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة السوق وسلوك المستهلك... اقرأ المزيد
147
| 31 مايو 2026
الأصدقاء عبر الزمن
"قد تكون نفسي بالأمس لا تعرف من أكون الآن؟! ولا أصدقاء اليوم يعرفون ما سأكون عليه في الغد.... اقرأ المزيد
267
| 31 مايو 2026
لمن القول الفصل
خرج علينا الرئيس الأمريكي قبل أيام بتصريح غريب وفي غير موضعه، حيث ربط بين المفاوضات الجارية مع إيران... اقرأ المزيد
186
| 31 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
1764
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
1737
| 31 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1545
| 29 مايو 2026