رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عرض الأستاذ محمد حسنين هيكل للموقف في مصر والمحيط العربي، وخطط أمريكا والناتو واستراتيجية "الباب المفتوح" التي أقرها الناتو في نوفمبر 2010 واشترك في صياغتها لجنة أسموها لجنة الحكماء من 12 عضوا برئاسة مادلين أولبريت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، وأعدت اللجنة تصورها في ثمانية عشر شهرا، واستمعت إلى 1000 شخص حول أمر جنوب المتوسط، والعدو غير المحدد وكيفية التعامل معه.
وتداعت خلال الحديث (6 حلقات على مدى شهر ونصف)، الحقائق والوقائع والمعلومات لتؤكد طبيعة المواجهة العربية في اللحظة، ومدى التباين بين عشوائية المواقف العربية، والخطط التي تواجهها والمعدة سلفا وإن كان لحظة إعدادها لم تكن معالم ما تواجهه هذه الاستراتيجيات محددا كليا، ولكن مصدر الخطر محدد موقعه، وطبيعة المصالح محددة قطعيا حتى وأن تنوعت بين العناصر المكونة للناتو، ثم الفكر يسبق الفعل، والرؤية تتلوها المهام وبوضوح، والعناصر المكونة للإمكانات محددة قطعيا، والهدف المستقبل، ليس بالإغراق في الماضي، ولا هو ببناء أخلاقي أو ديني، غير إنهم يعلمون ماهية "أفيونه" المنطقة التي سيجري التعامل معها، وسبل استخدامها، وبين أيديهم درس أفغانستان وإعلان الجهاد ضد الجيش السوفييتي الملحد، هكذا في العصر يجري الإعداد للمواجهات لتحقيق المصالح.
كانت الحلقات تحت عنوان (مصر أين؟.. وإلى أين؟)، غير أن متابعة دقيقة لمحتوي الحلقات أضفي إلى عنوانها كلمة "للأسف"، وكأن العنوان قد تحول إلى "للأسف مصر أين؟ وللأسف مصر إلى أين؟".
لم يأسف الأستاذ هيكل على مصر الوطن والشعب، ولكن أسفه على متاهة ألمت بالعقل المصري، وأهدرت ثورة شعب سواء في تونس أو مصر، فاجأ العالم بحركته متجاوزا كل احتمالات حكماء الناتو، وكان الأسف موجها إلى حالة الانهيار الداخلي الذي اعتبر أن الثورة الشعبية فتحت الباب أمام كيانات لا تملك رؤية للمستقبل وتأبي إلا أن تظل صريعة فكر تكلس عند حالة النشوء منذ قرن، ولأنها لا تملك رؤية للمستقبل أو مقومات لهذه الرؤية، صارت بإرادتها أو بلا وعي أحد أدوات الناتو في تحقيق إستراتيجيته تجاه المنطقة، ورفعت عن الناتو في أكثر من قطر عربي عبء الاشتباك وتولت عنه تفكيك الإرادة الشعبية وتوجيهها لغير المستقبل. وكان الأسف علي حالة الوعي بما يجري من حولنا، وافتقاد الانحياز، ومن ثم إهدار قدرة التصدي والتعامل، وضياع الخطاب السياسي لغياب رؤية المستقبل، وتفكيك اللحمة بين الشعب، وإعمال مقومات الانقسام، دون أن يكون للناتو دورا أو يبذل لتحقيق الانقسام جهداً.
الأستاذ هيكل ليس في حاجة إلى شهادة من أحد، بل نحتاج منه أن يتجاوز الحكمة التي يلوذ بها أنه يقول كلمته ويمضي، وليكن أنه سيكتفي بكلمة يقولها ليمضي بعيدا عن مسؤوليات التنفيذ والدعوة، ولكنه مطالب بان يستكمل كلمته ولا يدع شيئا منها لقادم من أيام لأننا لا نملك ترف استنزاف الزمن ولا عبء غياب المعلومات. أن واحدا من أهم ما يتسم به هيكل هو انحيازه للقومية العربية، وللأبعاد الاجتماعية في دعوتها المعاصرة، ويملك غير ذلك بانوراما القرن العشرين ووقائع المواجهات العربية دون تزييف أو وهم، ومازال يحتفظ بتواصله مع عصره، وإمساكه على جمرة الانحياز لأمته.
عرض هيكل في حديثه لأمرين، كليهما يؤذن بمواجهات لا حد لها في المستقبل المنظور، الأمر الأول هو "دستور بالإكراه" بديلا عن "دستور بالتوافق"، والأمر الثاني أن "حل جماعة الإخوان" هو مستقبلها. كلا الأمرين يعني أن السلطة القائمة تحمل بذور فنائها في ذاتها، خاصة أنها افتقدت حس المسؤولية، واستطابت الاستحواذ على السلطة. وأكدت وقائع ما جري في دولة الإمارات وبعدها ما رشح من أخبار من الكويت أن انكشاف الجماعة تجاوز مصر للخليج العربي الذي كان مصدرا رئيسا لتمويلها، وكانت حالة الفزع لدى السلطة في مصر والتي كشفها إرسال مساعد للرئيس المصري بصحبة مدير المخابرات المصرية إلى دولة الإمارات لبحث هذا الأمر، هو في ذاته تأكيد بأن عصبا للتنظيم قد جرى المساس به، وله علاقة بالتنظيم في مصر، وزاد الأمر انكشافا أن التقرير الذي عرض على الرئيس المصري عرض أيضاً على مكتب إرشاد الجماعة، وهو ما يعني أن خللا جوهريا في شأن الأمن القومي المصري صار واقعا.
إن تراكم تصرفات الرئيس المنتخب والذي لم يستطع أن يتجاوز أنه عضو جماعة، وانه رئيس انتخب لمصر، والتصريحات والأفعال وصلت حدا من الوضوح يفرض تغييرا جوهريا في تقييمها ومدي القبول بها وأسلوب التعامل معها.
هذا التراكم لا يفرض أن يكون التغيير في مواجهة السلطة وحدها، ولكن أيضا التغيير مطلوب في كيفية بناء القوة الوطنية المصرية أيضا في مواجهة ما أطلق عليه المعارضة تحت مسمى جبهة الإنقاذ، والأمر يتجاوز الملاحظات علي الأشخاص، وهي موجودة، ولا انتهاج ما أطلق عليه المنهج الديمقراطي وبالصناديق، دون بذل جهد يجري به التحضير كي تكون الصناديق أداة يعوض عجز البدائل الأخرى، وعجز الإبداع.
إن هجمة تغييب الهوية المصرية، وهدم الدولة، وتغيير مفهوم الأمن القومي، يفرض إعادة بناء مقومات القوة الثالثة، فمجرد السعي لبناء القوة الثالثة من مجموع القوي الاجتماعية في المجتمع، يجب ربطه بقوى الدولة والهوية والفكر.
بناء القوة الثالثة في مصر لمواجهة حالة التشتت والوهم، تفترض إيجاد رابطا بين قوة المجتمع الصلبة المنوط بها الدفاع عن الأمن القومي، والتي تتمثل في القوات المسلحة المصرية وأجهزة مصر السيادية التي لا يجب أن ينحرف بها تغيير السلطة عن استراتيجية الأمن والعقيدة القتالية، وتفترض إيجاد رابطا جامعا ضمن هذا التكوين للأزهر والإعلام والقضاء ورجال الثقافة والفكر في المجتمع المصري، أن هذه القوي مطالبة أن تعبر عن نفسها بوضوح يواجه وضوح الاعتداء علي الهوية والدولة ومفهوم الأمن القومي.
السؤال الملح علي مصر وهي تسعي إلى استعادت شخصيتها، ماذا نرى في التطاحن مع مصر من الناتو وأميركا وإسرائيل، ومن تركيا، ومن إيران، ومما يدور من حولنا من تغييرات جوهرية في الجغرافيا السياسية، وطبيعة القوي الناشئة فوق الأرض العربية؟
إن اتجاه السؤال حائرا إلى خارج مصر عن كيف نواجه المخاطر ونحدد البوصلة، هو دلالة قاطعة عن حالة الاضطراب الداخلي والحركة فوق رمال متحركة.
ما يجري في شأن قانون الانتخابات الجديد مثال صارخ علي التشتت والوهم، فالذين يتجهون إلى خوض الانتخابات النيابية في أبريل القادم، لا رأي لهم في قانون الانتخابات الجديد، بل إن من تصدي لواحد من مواده والتي تفتح الباب لمن لم يؤدي الخدمة العسكرية للترشح هو ممثل الجيش، وكشف أن الحزب الوطني حاول من قبل أن يتجه ذات الاتجاه وأن رفض المؤسسة العسكرية لهذه المادة هو ما حال دون إقرارها.
الأمر يتجاوز الصراع السياسي على السلطة، الصراع الآن على وجود مصر ذاتها، وإبعاد هذا الوجود، إن أحداثا تجري تخرج فيها جماعات مسلحة لضرب المتظاهرين حول قصر الاتحادية للمرة الثانية وحرق الخيام هناك، تؤكد أن الصراع لم يعد كلمة ورأيا، ولكنه فعل وصل للدم يوم 5 ديسمبر عند الاتحادية، وقام باستخدام سلاح الحصار ليحول دون مؤسسات الدولة ومهامها.
والأمر يتجاوز محاولات من غير ذي علم ومعرفة لحل الأزمة الاقتصادية، ولم يعد مطلب "عيش" في نداءات الشعب يجد له لدى السلطة الحاكمة أذنا تسمع أو جهدا لتحقيقه، وصار معنى العيش أن تحل السلطة مشكلة الأزمة الاقتصادية بذات فكر النظام السابق، وادعاء أن سبب الأزمة هو سياسة الدعم، لتفقد بوصلتها، فتجري المصالحات مع من نهب ثروة الوطن، مصالحة مع الفساد، وغلاء وقهر للمواطنين، لتفتح الباب للصراع على لقمة العيش، وكأن عدم درايتهم بحاجات الشعب تنفي وجود عقول وأفكار غير تلك التي يدعونها لحل أزمة العيش في مصر. الفارق جوهري بين شعب يحتاج العيش ببناء اقتصادي مستقل، وبين سلطة تتسول من الداخل والخارج دون رؤية واضحة لمفهوم التنمية والعدالة الاجتماعية.
السلطة التي ترتعش يديها في شأن كل ما يحيق بمصر من مخاطر، لا تجد من يردعها في الاستيلاء علي مفاصل الدولة وإحالتها إلى دولة قاعدة لجماعة الإخوان المحكوم عليها بالتحلل، لاغترابها عن وطن وأمة وضرورات مستقبل.
ليس الحل في انتظار ما تمطر به السماء، ولكن الحل في تجمع للقوي التي تشكل الهوية المصرية، ومسؤولة عن أمنها القومي وتحمي الدولة والشخصية المميزة لها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8937
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4854
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4173
| 23 سبتمبر 2026