رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الإحساس بالمسؤولية قد لا يتوافر لدى الجميع، وقد لا يكون على نفس القدر، لكن هناك أوضاعاً وحالات لا تحتمل إهمال المسؤولية حتى لو أضافت للمرء أعباء تضايقه، وإذا كان تحمل مسؤولية الغير في حالة احتياجهم للمساعدة شهامة، فلابد أن نتحدث فيما حدث بحج هذا العام لعل السادة المسؤولين ينبهون إلى عدم تكرار ذلك في حج السنوات القادمة، لأن ما حدث حدث متكرر، والحدث هو ضياع الحجاج عن أمكنة سكنهم، ومعروف أن الذاهب للصلاة بالحرم يوقن أنه يمكن أن يضيع من رفاقه في طرفة عين بفعل أمواج البشر التي تتدافع في السعي أو الطواف، ولأن هذا الأمر قهري ولا دخل لأحد فيه قد يضيع حاج من قافلته التي دخل الحرم معها، وقد تنهي الصحبة المناسك وتعود إلى السكن دونه بعد أن فشلت في العثور عليه في زحمة تشبه زحمة يوم الحشر، وهنا أمام الحاج التائه أحد أمرين، إما أن يذهب ويجلس بمكتب المفقودين إلى أن يسأل عنه رفاقه فيأخذوه، وإما أن يستنجد بأي حملة من قطر لتعيده إلى محل سكنه، إذ معروف أن الكثير من حملات قطر تسكن أيام الحج بالعزيزية، ولقد حدث في حج هذا العام ما يدعو للأسف والدهشة، فقد تاه حجاج من رفقتهم بزحمة الحرم الرهيبة، فخرجوا من الحرم بحثاً عن رفقتهم بالساحة الخارجية لعلهم يلتقون أحدهم، فلما فشلوا في العثور على أحد من حملتهم توجهوا إلى موقف باصات حملات قطر وشرحوا الأمر لمسؤولي الحملات الأخرى القادمة من قطر، أوضحوا أنهم تائهون، ولا توجد معهم خريطة، ولا عنوان، ولا يدلون الطريق لكن للأسف لم يجدوا أي مساعدة، لقد رفضت الباصات الموجودة ضمهم لحجاجها وتركتهم بالشارع تأكلهم حيرتهم وقد جن عليهم الليل.
السؤال هل يصح أن يحدث هذا؟ ألم يكن من المروءة ومن أخلاقيات الحاج في أطهر بقع الأرض أن يكون رحيماً، متعاوناً، رؤوفاً بالناس، يهرع لمساعدتهم وطمأنتهم والتخفيف من معاناتهم، خاصة أن في التائهين مسنين وشياباً من الرجال والنساء؟ للواحد منا أن يستشعر شعور المستغيث بأخيه من قطر ليوصله إلى سكنه ومأمنه وهو يعرف أنه قادر على ذلك ويستطيع، ثم يجد الرد أن إيصال حجاج الحملات التائهين ليس من مسؤوليتنا ولا من اختصاصنا، تصوروا إحساس الضائع عن سكنه وحيرته وهو يعرف أن أمامه من يستطيع أن ينهي هذه الحيرة، ثم هل من المعقول أن ترفض بعض حملات قطر توصيل التائهين إلى مقارهم، بينما تجتهد حملات الدول المجاورة التي استغاث بها التائهون لتوصلهم إلى سكنهم بكل طيب خاطر، وسماحة نفس رغم مشقة معرفة العنوان الصحيح وقد نسي الحاج بطاقة التعريف باسمه ومحل إقامته وخريطة السكن؟
في الحقيقة آمل من لجنة شؤون الحج إن كان هذا الأمر يدخل في اختصاصها أو ممن يهمه أمر حجاج قطر أن يناقش هذه المشكلة التي تكررت والتي عانى منها الحجاج المسنون ويتبنى تنبيها للجميع بأن كل قطري مسؤول عن اخوته، قطريين أو مقيمين بغض النظر عما إذا كان من نفس الحملة أو من غيرها، وان التعاون والرحمة عنوان رئيسي لحملات قطر، وجميل أن يعرف الجميع أن المروءة، والشهامة، والواجب، تحتم أن نغيث من استغاث بنا، خاصة أن أكثر من حالة كانت لشياب لا حيلة لهم في بلد لا يعرفون دروبه، وكل التحايا الطيبة لكل من ساعد الذين فقدوا التواصل مع حملاتهم وأمنوا لهم المأوى حتى تسلمهم مندوبو الحملات، أما الذين يتصورون أن ضياع أي حاج من حملته وفشله في العثور على مقره أمر عادي فلهم نقول لن تعرفوا طعم حيرة الضياع إلا إذا ضعتم وتسولتم من يوصلكم إلى سكنكم فأبى وترككم في الطريق على غير هدى.
* * *
* مشاهد عديدة تؤكد أننا مازلنا كما نحن دائما، فرغم قداسة المكان وحضوره المهيب استخف البعض بالزمان والمكان ولم ينفصل بروحه إلى حيث حضرة الحبيب، فهذا يلصق الجوال على أذنه ويعطل الطواف لأنه يتحدث مع أحدهم، وتلك تضحك مع جارتها وقد همست في أذنها شيئاً، وثالث يؤذي جاره (بضربة كوع) لأنه يحاول الوصول إلى الحجر الأسود، ورابع لا يهتم بأن اللاتي أمامه نساء فتراه يزيحهن من طريقه بخشونة فجة، وخامس يبصق على الأرض التي قد يصلي عليها غيره، وسادسة تتوضأ في درام ماء زمزم بالحرم النبوي (تتف وتنف) دون أي اعتبار ولا إحساس بأنها تفعل فعلاً منكراً قد يبطل صلاتها، يبدو أننا لا نتغير، اعتدنا الإخلاص للخطأ، والمخالفة، والاستخفاف حتى وإن كنا بالحرم!!
* قلت للطبيبة الحاجة "زمزم لما شربت له" فماذا طلبت؟ قالت طلبت من ربي أن يهبني الحكمة، قلت لها لماذا الحكمة، قالت لأن الآية تقول ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً، أعجبني كلامها وعندما تأملته وجدت أن الحكمة رأس كل فلاح ونجاح، وأنها تضمن خيري الدنيا والآخرة، إذ لا يندم الحكيم على فعل أو قول.
* بالورود الجميلة استقبل الأحباب والأصدقاء أحبتهم، إنهم ورود أهدت وروداً.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليست الإجازة الصيفية مجرد أيام تُطوى بعيداً عن الدراسة، وليست فترة فراغ تُستهلك بين النوم الطويل والشاشات الممتدة وساعات الانتظار، في الحقيقة هي موسم استثنائي لصناعة الشخصية، وفرصة ثمينة لإعادة اكتشاف المواهب وتنمية القدرات وبناء القيم التي قد لا تجد المساحة الكافية خلال العام الدراسي. ولهذا السبب تحرص الدولة، من خلال مؤسساتها وهيئاتها ومراكزها المتخصصة، على تقديم عشرات البرامج والأنشطة والفعاليات التي تستهدف مختلف الفئات العمرية، وتراعي احتياجات الأبناء والبنات، وتمنحهم بيئة آمنة ومفيدة تجمع بين المتعة والفائدة. لقد بذلت الجهات المعنية في الدولة من وزارات ومؤسسات ومراكز وجمعيات جهوداً كبيرة في تصميم برامج صيفية متنوعة تشمل المجالات الثقافية والعلمية والرياضية والفنية والتطوعية والتقنية، مع مراعاة أن تكون في متناول الأسر من حيث التكلفة والوقت والمكان. كما رُوعي أن تتمكن أكبر شريحة ممكنة من أفراد المجتمع من الاستفادة منها، وأن تكون الأعباء المالية محدودة بحيث لا تشكل عائقاً أمام مشاركة الأبناء. ولذلك لم يعد هناك مبرر حقيقي لترك الأبناء أسرى الفراغ أو رهن ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية، بينما تتوافر أمامهم فرص حقيقية للتعلم والنمو واكتساب الخبرات. إن مشاركة الأبناء في الأنشطة الصيفية ليست ترفاً، بل استثمار طويل الأمد في مستقبلهم. فكل مهارة يتعلمها الطفل اليوم قد تتحول غداً إلى موهبة متميزة أو مشروع ناجح أو مسار مهني واعد. وكل قيمة إيجابية يكتسبها من خلال العمل الجماعي أو التطوع أو تحمل المسؤولية سترافقه طوال حياته. كما أن هذه البرامج تسهم في تعزيز الثقة بالنفس، وتنمية مهارات التواصل، وترسيخ روح المبادرة والاعتماد على الذات. ومن المؤسف أن ينظر بعض أولياء الأمور إلى هذه الأنشطة على أنها مجرد وسائل لملء الوقت، بينما هي في الواقع أدوات تربوية وتعليمية متقدمة. فالدول المتقدمة تدرك أن بناء الإنسان لا يقتصر على التعليم النظامي داخل المدارس، بل يمتد إلى كل تجربة تثري الفكر وتصقل الشخصية. ولذلك تستثمر كثير من المجتمعات الناجحة في برامج النشء والشباب خلال الإجازات الصيفية بمبالغ وجهود كبيرة، إدراكاً منها أن الطالب في هذه الفترة يكون أكثر استعداداً للتجربة والاكتشاف، وأكثر تقبلاً للتعلم عندما يُقدم له بأسلوب تفاعلي ممتع بعيد عن ضغوط الاختبارات والواجبات. والجميل في الأنشطة الصيفية الحديثة أنها لم تعد تقدم المعرفة بصورة تقليدية جامدة، بل أصبحت تمزج بين الترفيه والتعليم بطريقة احترافية تجعل الأبناء يتعلمون وهم يستمتعون. فالطفل قد يكتسب مهارات القيادة من خلال لعبة جماعية، ويتعلم مبادئ البرمجة عبر ورشة تفاعلية، ويكتشف أهمية العمل التطوعي من خلال مبادرة مجتمعية، وكل ذلك في أجواء محفزة وممتعة. إن المسؤولية اليوم لا تقع على الجهات المنظمة وحدها، بل تبدأ من الأسرة التي تملك القرار الأول في توجيه أبنائها نحو الاستفادة من هذه الفرص. فكما نحرص على نجاح أبنائنا الدراسي، يجب أن نحرص على بناء شخصياتهم وتنمية مهاراتهم واستثمار أوقاتهم فيما يعود عليهم بالنفع. الإجازة الصيفية ستمضي سريعاً، لكن أثرها قد يبقى سنوات طويلة. وبين صيف يضيع في الفراغ وصيف يُبنى فيه الإنسان، يكمن الفرق بين وقت مستهلك ووقت مستثمر. والقرار في النهاية يبدأ من الأسرة، لأنها الشريك الأول في صناعة جيل أكثر وعياً وقدرةً وإسهاماً في خدمة وطنه ومجتمعه.
4599
| 07 يوليو 2026
لم يكن إغلاق مضيق هرمز مجرد أزمة جيوسياسية عابرة، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على حماية اقتصاداتها، وقدرة الشركات على مواصلة أعمالها في واحدة من أكثر البيئات التجارية حساسية في العالم. فهذا الممر البحري لا يمثل فقط شريانًا رئيسيًا لتجارة النفط والغاز، وإنما يعد أحد أهم الممرات التجارية في العالم، إذ تعتمد عليه حركة جزء كبير من الواردات والصادرات التي تغذي اقتصادات دول الخليج وتؤمن احتياجاتها من المواد الخام والسلع ومستلزمات الإنتاج. نجاح الدولة... وتحديات القطاع الخاص خلال تلك المرحلة أثبتت دولة قطر جاهزية عالية في إدارة الموقف، فلم تشهد الأسواق المحلية نقصًا في السلع الأساسية، واستمرت حركة التجارة بصورة مطمئنة، ونجحت الجهات المعنية في الحد من أي آثار مباشرة على المستهلك. ويعكس ذلك نجاح الاستثمارات في الأمن الغذائي، وتطوير الموانئ، وتعزيز البنية التحتية، وتنويع مصادر الاستيراد، وبناء منظومة متقدمة لإدارة الأزمات. ومع ذلك، فإن نجاح الاقتصاد الكلي لا يعني بالضرورة أن جميع الشركات خرجت دون خسائر. فالاقتصاد قد يحافظ على استقراره العام، بينما تتحمل بعض الشركات تكاليف إضافية وضغوطًا تشغيلية نتيجة ظروف خارجة عن إرادتها. من تضرر فعلاً؟ هل قامت جهة رسمية بحصر الشركات القطرية التي تأثرت بصورة مباشرة من إغلاق مضيق هرمز؟ وهل نملك اليوم صورة واضحة لحجم تلك الأضرار وطبيعتها؟ لقد واجهت بعض شركات الاستيراد ارتفاعًا في تكاليف الشحن، كما ارتفعت أقساط التأمين البحري، واضطرت بعض الشركات إلى تغيير مسارات النقل أو الاعتماد على وسائل أكثر كلفة. كما تأثرت بعض المنشآت الصناعية التي تعتمد على استيراد المواد الخام أو المكونات التشغيلية. أما قطاع المقاولات، فمن أكثر القطاعات حساسية لأي اضطراب في سلاسل الإمداد. فكثير من المشاريع تعتمد على استيراد الرخام، والسيراميك، والأدوات الصحية، وأنظمة التكييف، والمصاعد، والواجهات الزجاجية، والألومنيوم، ومواد العزل، ومواد التشطيبات المختلفة، وأي تأخير في وصولها قد ينعكس مباشرة على الجدول الزمني للمشروعات ويرفع تكلفة التنفيذ ويؤثر في التدفقات النقدية. كما امتد التأثير إلى شركات الخدمات اللوجستية والنقل، بينما واجه قطاع الضيافة ضغوطًا إضافية، خصوصًا المنشآت التي تتحمل رسومًا خدمية ثابتة كما هو الحال في عدد من المشروعات بمدينة لوسيل. أما الشركات الصغيرة والمتوسطة فهي غالبًا الأقل قدرة على امتصاص الصدمات. الحصر قبل الدعم إن الخطوة الأولى ليست تقديم الدعم، وإنما حصر الأضرار بصورة دقيقة وبناء قاعدة بيانات وطنية توثق حجم الضرر ونوعه ومدى ارتباطه المباشر بالظروف الاستثنائية. ولا تقتصر أهمية هذا الحصر على تقدير حجم الضرر، بل تمتد إلى بناء قاعدة بيانات تساعد في سرعة اتخاذ القرار إذا واجه الاقتصاد ظروفًا مشابهة مستقبلاً. ما شكل المساندة؟ إذا اتفقنا على أن الحصر هو البداية، فإن الخطوة التالية هي إنشاء آلية مؤسسية تضم الجهات الاقتصادية والمالية ذات العلاقة، تتولى تقييم الطلبات وفق معايير واضحة وشفافة. ويمكن إطلاق منصة إلكترونية تستقبل طلبات الشركات المتضررة مدعومة بالمستندات التي تثبت طبيعة الضرر. وبعد دراسة الطلبات، يمكن تصنيف الشركات وفق حجم الضرر بما يضمن توجيه أي مساندة إلى مستحقيها. ولا يشترط أن تكون المساندة في صورة تعويضات مالية مباشرة، فقد تشمل تأجيل بعض الرسوم الحكومية، أو إعادة جدولة الالتزامات المالية، أو منح تسهيلات ائتمانية، أو توفير ضمانات حكومية للقروض التشغيلية، أو منح مرونة في تنفيذ العقود الحكومية عندما تثبت الظروف القاهرة. كما قد يكون من المناسب دراسة منح بعض المنشآت الفندقية التي يثبت تضررها مرونة في بعض الالتزامات الثابتة، بما في ذلك الرسوم الخدمية أو مواعيد استحقاقها. الاستعداد للأزمة القادمة المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، فالقطاع الخاص أيضًا مطالب بتعزيز جاهزيته من خلال تنويع الموردين، وزيادة المخزون الاستراتيجي، ووضع خطط لاستمرارية الأعمال، إلى جانب تعزيز التعاون مع الجهات الحكومية لتسريع معالجة التحديات عند وقوعها. ولا يهدف هذا الطرح إلى معالجة أزمة انتهت فحسب، بل إلى الاستفادة من دروسها لبناء منظومة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية. فكل أزمة تحمل معها فرصة لمراجعة السياسات، وتطوير الأدوات، وتعزيز جاهزية الاقتصاد الوطني والقطاع الخاص. إن قوة الاقتصاد لا تُقاس فقط بقدرته على تجاوز الأزمات، بل بقدرته على التعلم منها والاستعداد لما بعدها. وإذا كانت قطر قد نجحت في إدارة أزمة مضيق هرمز بكفاءة عالية، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون فرصة لترسيخ نموذج اقتصادي أكثر مرونة، يقوم على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وعلى التخطيط الاستباقي، وعلى بناء منظومة مؤسسية قادرة على رصد آثار الأزمات واحتوائها. فحماية الشركات المتضررة ليست حماية لأصحابها وحدهم، بل هي حماية للاستثمار، وللاقتصاد، ولسوق العمل، ولمسيرة التنمية. وعندما ننجح في تحويل تجربة صعبة إلى فرصة لتطوير السياسات ورفع الجاهزية، فإننا لا نكون قد تجاوزنا مرحلة استثنائية فحسب، بل نكون قد وضعنا أساسًا أكثر قوة وصلابة لمواجهة الأزمات المستقبلية بثقة أكبر، واقتصاد أكثر مرونة، وقطاع خاص أكثر قدرة على الاستمرار والنمو.
4005
| 04 يوليو 2026
قدَّم منتخب الرأس الأخضر في مواجهته أمام الأرجنتين نموذجًا كرويًا يتجاوز القراءة التقليدية لمعادلة القوة في كرة القدم، حيث لم يعد الاسم أو الإرث التاريخي معيارًا حاسمًا لتحديد ملامح التفوق، بل أصبحت التفاصيل الدقيقة داخل المستطيل الأخضر هي التي تعيد تشكيل موازين الهيبة بين المنتخبات. لقد دخل الرأس الأخضر اللقاء بعقلية لا تكتفي بردّ الفعل، بل تسعى إلى فرض وجودها كقيمة تنافسية قائمة بذاتها. انضباط يتجاوز الشكل التكتيكي إلى وعيٍ جماعي بكيفية إدارة مجريات المباراة، حيث بدا الفريق وكأنه يتحرك كوحدة واحدة تُدرك بدقة متى تهاجم ومتى تُحسن التمركز، ومتى تُعيد ضبط إيقاعها أمام ضغط خصم يملك خبرة وتاريخًا وثقلاً عالميًا. وفي هذا السياق، لم تكن المواجهة مجرد اختبار فني، بل امتحانًا ذهنيًا أمام أحد أكثر المنتخبات اكتمالًا في كرة القدم الحديثة. فالأرجنتين، رغم تفوقها الفردي، وجدت نفسها أمام خصم لا يمنحها لحظات راحة، ويجبرها على التعامل مع كل تفصيلة في المباراة بجدية كاملة، وكأنها مواجهة مفتوحة حتى اللحظة الأخيرة. ما قدمه الرأس الأخضر في هذه المواجهة لا يُختزل في أداء لحظي، بل في نموذج سلوكي يعكس أن الهيبة ليست قيمة ثابتة في كرة القدم، بل بناء نفسي يتغير وفق طريقة استقباله من الطرف الآخر. فعندما يُلغى هذا البناء من الوعي، تتغير طبيعة المباراة نفسها. ورغم الخروج من البطولة، فإن الأثر الذي يتركه هذا النوع من الأداء يتجاوز حدود المنافسة اللحظية، ليصبح جزءًا من الذاكرة الكروية التي تُنصف الفرق التي تُجيد صناعة صورتها داخل الملعب حتى في لحظات الخسارة. كلمة أخيرة: قدّم منتخب الرأس الأخضر درسًا مباشرًا للمنتخبات التي تفتقر إلى الشجاعة داخل الملعب، إذ يثبت أن الجرأة المنضبطة والوعي الجماعي ليسا مجرد أدوات تكتيكية، بل قوة قادرة على قلب موازين المواجهة، وكسر الفوارق مع المنتخبات الكبرى، وفرض الندية الحقيقية بعيدًا عن سطوة الاسم أو التاريخ.
1443
| 05 يوليو 2026