رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لكل منا مشوار حياة لا يشبه غيره، ودرب لا يماثله درب، ونحن أولاً وأخيراً أصحاب الاختيار مذ ملكنا القدرة على الاختيار، الدرب مفتوح، وكلنا نركض في طرقات الحياة الوسيعة بكل زهونا، وشبابنا، وقوتنا، وقدرتنا، نجمع مالاً، نحوز مناصب رفيعة، نملك ما نريد وما لا نريد، تغدق علينا السماء نعماً كثيرة مع نعمة الصحة، فنوجه أغلى ممتلكاتنا لكل ما يزيدنا بعداً واغضاباً للمحبوب مغدق النعم! يوسوس شياطين الإنس والجن فيضلون كل المأسورين تحت لحظة ضعف، فينسى المأسورون المستعذبون طعم الذنب غداً الذي فيه من الهوان ما خطر على قلب بشر، وتستعبدنا الأهواء فلا نكاد نتصور فكاكاً منها وقد أخذت بتلابيب نفوسنا الضعيفة، الإغراءات لا تنتهي، وزخارف الدنيا وبهرجها يقول تعال، ونلبي طائعين، نغوص في الطين، لا يردنا عن الغي تأنيب، ولا موعظة، ولا وجل، ولا خوف من زلزلة ميزان قد يثقل ليكون النعيم، وقد يطيش معلنا الضيعة الصاعقة، "غارقون، غارقون، غارقون، تائهون، نائمون، غافلون، مغيبون في غياهب الجب، والزمان يركض"، وخلف الزمان زمان، ويد الهوى تشدنا إلى دروبها، وكلما توغلنا في البعد عن درب النور استسهلنا المخالفة فلم نأبه بما نقول أو نفعل في دائرة تجمعنا بناس الكوكب فضيعنا حقوقا، وغدرنا، وكذبنا، وخنا أماناتنا، وخلفنا عهودا ووعودا، وظلمنا النفس فأوردناها ما لا تطيق، وتفلتت السنون ونحن غارقون في الغي، راضون بأن يعلو فينا الطين على النور، طويلاً ظل الحال على ذلك المنوال حتى هزته لحظة يقين لا يدري المرء فينا ما الذي حركها ومن أين أتت، هل كانت عندما فقدنا حبيباً ففجعنا أن نواريه التراب، أم عندما فتح المرء عينيه بعد طول نوم ليجد نفسه غريبا على كوكب بارد أعطاه كل شيء إلا شعور الأمان، أم كانت تلك الهزة رحمة من الله العالم بالعصاة المحبين الذين تغلبهم شقوتهم فيعصون، لكن قلوبهم ما مات فيها حبه أبدا، ولا كفرت يوما بأنعمه، ببساطة تزلزل لحظة اليقين من عاش عمرا حزينا يفتقد طعم الفرح رغم كل ما حاز وملك، ومن عاش في أسر المعاصي طويلاً مرة يَعِدْ، ومرة يُسوِّفْ، حتى استيقظ النائم في الجب على يده خاوية فارغة من ادخارات الخير ليسكن صدره حزن لا يفارقه، وتنتفض الروح المسكينة باحثة عن مصدر يفك عن الصدر ضوائقه، وعن القلب أغلاله، وعن العين نورها وقد أعشاها طول المكث في إظلام طويل بلا نهار، وتهفو الروح الفقيرة للغنى الحقيقي، والفرح الحقيقي، والأمان الحقيقي، فتحن إلى البيت البعيد حيث الأمان، كل الأمان وتجد السير مع السائرين الذين تركوا خلفهم نعيمهم الدنيوي الذي ما زادهم إلا شقوة، والهاهم وأبعدهم عن غفوة، مجرد غفوة براحة.
اليوم يعود التائهون عن أنفسهم ليقفوا على صعيد عرفات الطاهر يغسلون بالدمع أوزارهم، وطينهم، ووقعاتهم، ويشكون لربهم ما كان من قساوة قلوبهم التي أبعدتهم عن الحبيب وكنفه، اليوم يقف على صعيد عرفات كثيرون يريدون فكاكاً من قبضة الشهوات واغواء الدنيا، وعذاب الروح التي لا يهدأ نحيبها بعد زلزال الهزة وقد ندموا على ما كان من تفريط فتكرم المحبوب بستر العيوب، ومحو الذنوب، وتجلى في المشهد المهيب يقول لعباده أنا الغفار لمن يتوب، أنا الستار لكل العيوب، ويا سعد من ستر الله عيبه.
** طبقات فوق الهمس
* أما من واقف على عرفة اليوم يدعو ربه من قلبه أن يصلح الله الأمة ويزهق روح الانتقام ليسلم الإنسان من ظلم الإنسان، ما من واقف على عرفة يدعو بزوال الغمة.
* رغم العيد، حزن فارع في قاهرة المعز يطل من الوجوه، والبيوت، والشرفات، والشوارع، والأبواب، والشقوق، حزن يقول بكل الوجع أنا حزين!
* رغم عقم المواساة لأنها لا تجدي والمصاب جلل، والقلوب مكلومة بقطوع وجروح لا تلتئم نواسي الأرامل، والأيتام، وقلوب أمهات فقدن قطعاً من قلوبهن ومازال حزنهن حارقاً لا يهدأ.
** بطاقة معايدة
* يا زفتك للجنة يا فستانك
يا سابقة خطابك لعرس جنانك
لو سلم القلب الجميل للفضفضة
ما تكلميش الجنة عن أوطانك
إحكي لحورية عن عريسها الجي
اسمه على جبينه الشهيد الحي
ومتغلطيش وترددي سيرة وطن
بيبوس ولاده بالرصاص الحي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4386
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4041
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
1482
| 07 مايو 2026