رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أصابني في مقتل الحكم الذي صدر يوم الأربعاء الماضي. كنت قد عدت إلى منزلي بعاصمة المحروسة منهكا من نهار عمل طويل ومضن. سارعت بفتح جهاز الحاسوب المحمول الضخم نسبيا وقرأت خبر الحكم الذي أصدرته محكمة الجنايات المصرية ببراءة عدد من كبار رموز نظام حسني مبارك في قضية موقعة الجمل الشهيرة التي وقعت في الثاني من فبراير 2011 أصابني بذهول وهو ما لاحظته على ابنتي الطالبة بالجامعة وسألتني: ما الذي أصابك وغير ملامح وقسمات وجهك؟
طلعت مني صيحة فزع: براءة القتلة. من القاتل إذن؟ سمعت زوجتي الصيحة سارعت بتفسير الأمر لها. فوافقتني على ذهولي.هل يكفي الذهول؟ هل قضاؤنا فقد البوصلة؟
لا أظن لكنه حكم من قبل بالبراءة على ستة من مساعدي وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي في قضية قتل الثوار الشهيرة بينما حكم فيها على مبارك والعادلي بالسجن المؤبد ليس بسبب توافر الأدلة على إصدارهما أوامر بالقتل ولكن نظرا لعدم قيامهما بالحيلولة دون وقوع القتل كما برئ العشرات من ضباط الشرطة في قضايا قتل ثوار!؟
واللافت أن الحيثيات التي تستند إليها أحكام القضاء تقوم على ضعف الأدلة وتهافت شهادات الشهود وغياب اليقين لدى القضاة أنفسهم حول مسؤولية المتهمين في أعمال القتل ولكن اللافت أيضا أن ثمة قتلى وشهداء قضوا نحبهم في ثورة يناير منذ بدء انبثاقها وحتى وقت قصير قبل انتهاء الفترة الانتقالية التي استمرت زهاء العام والسبعة أشهر.
وفي قضية موقعة الجمل تحديدا تبدو الوقائع شديدة الوضوح. فقد كانت أغلب القنوات الفضائية تبثها على الهواء مباشرة منذ ظهيرة الأربعاء الموافق الثاني من فبراير وحتى ما بعد طلوع شمس اليوم التالي. وشخصيا كنت أتابعها وفي ضوئها حددت موقفي النهائي من نظام مبارك وانحزت إلى خيار سقوطه بعد قدر من التعاطف تشكل وانتابني عقب استماعي لخطاب مبارك في الليلة السابقة للواقعة.
من قتل الثوار في موقعة الجمل والذين تزيد أعدادهم عن المائة غير المئات من الجرحى؟
في ضوء الحكم الأخير فإن رموز نظام مبارك لا صلة لهم بالواقعة. إذن من الذي مارس القتل سواء بالرصاص الحي أو باستخدام الجمال والخيول والحمير أيضا فضلا عن إلقاء زجاجات المولوتوف من البنايات المجاورة للميدان؟
هل ينحاز المرء إلى خانة المطالبين بتطهير القضاء وهو الشعار الذي رفعه أهالي شهداء الثورة بعد صدور الحكم بتبرئة ستة من أكبر مساعدي الحبيب العادلي في قضية مبارك خلال شهر يونيو المنصرم والذين كانوا يتلقون التعليمات وينفذونها أم يطالب بتغيير قواعد اللعبة التي مازالت قائمة على ما أسسه نظام مبارك نفسه والتي استفاد هو ورجاله منها؟
الناس خرجت إلى الشارع مساء الخميس ويوم الجمعة الفائتين مطالبة بضرورة المحاسبة والنيابة العامة أعلنت براءتها من القضية. فهي لم تكن شريكا في التحقيق في وقائعها وإنما ترك الأمر لقضاة تحقيق بوزارة العدل. ورغم ذلك دفع النائب العام الدكتور عبد المجيد محمود الثمن بعد إقصائه من منصبه وتعيينه سفيرا لمصر لدى الفاتيكان وهو ما قوبل بالارتياح من قبل أوساط واسعة في الشارع المصري. وإن كان قد رفض تنفيذ القرار متمسكا بمنصبه وفق ما يتيحه له القانون. لكن هل المعضلة في النيابة العامة وأجهزة التحقيق أم أنها تكمن في بعض مؤسسات الدولة العميقة التي مازالت تخفي الأدلة والمستندات الحقيقية التي من شأنها أن تظهر الحقائق الدامغة فيما يتعلق بالإجابة على السؤال اللغز: من قتل الثوار؟
الرئيس محمد مرسي شكل منذ فترة لجنة قضائية جديدة للتحقيق وفي وقائع قتل الثوار تمهيدا لإعادة محاكمة مبارك ورموزه ولكنها حتى الآن لم تفرغ من أعمالها وطلبت فترة زمنية جديدة ريثما تعثر على المزيد من الأدلة والوقائع الجديدة وهو ما يستوجب تطبيقه على قضية واقعة الجمل حتى لا يهدر دم شهدائها الأبرار والذي كان يراق على مرأى من الأبصار. أبصار الجميع.
بعد ثورة يناير ثمة قدر غير مسبوق من الحرية. الكل يتحدث وينتقد ويوجه سهامه إلى أعلى سلطة في الدولة ولكن المعضلة أن العدالة مازالت غائبة أو مغيبة بفعل فاعل فمن المسؤول عن هذا الغياب؟
في تقديري أن السلطات التي تولت أمور البلاد عقب الثورة لم تتعامل مع أحوال البلاد بروح ثورية بل تعاملت مع الوقائع بروح تقليدية مستندة إلى القوانين السائدة وهي في معظمهما كانت مصنوعة ومخصصة لحماية النظام وأركانه ورموزه "كبارهم فقط" حيث يمكن التضحية بصغارهم وتلك مسؤولية الثوار أنفسهم الذين تركوا المشهد مكتفين بسقوط رأس النظام وبعض من معاونيه وابتهجوا بما شكلوه من ائتلافات سرعان ما اشتدت انقساماتها وخلافاتها فذهبت ريحها.
كان من الضروري المسارعة بإصدار قوانين ثورية تنسجم مع روح الخامس والعشرين من يناير لتكشف عن القتلة فورا وتعاقب الفاسدين وتقصي العابثين بمقدرات الوطن على مدى ثلاثة عقود هي من أشد سنوات مصر عتمة وقهرا واستبدادا.
كان من الضروري تشكيل المحاكم الثورية بديلا عن المحاكم التي أصابها الترهل بكل تجلياته بما يحول دون براءة القتلة والفاسدين بل وتقضي وفق محددات العدالة الثورية على حالة الشك التي باتت تسكن نفوس العباد تجاه رجال مؤسسة القضاء.
إن الثورات حالة استثنائية في تاريخ المجتمعات وهي تندلع لتحدث تغييرا جذريا شاملا فيها وهو أمر لا يقتصر على تغيير البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية وإنما القضائية والقانونية أيضا. حدث ذلك في الثورة الفرنسية والثورة الروسية والثورة الأمريكية وفي ثورة الثالث والعشرين من يوليو المصرية المجيدة التي قادها الزعيم الثوري الحقيقي جمال عبد الناصر والتي لم تخذل شعبها في إحداث التغيير الفوري الذي يشعر بثماره خلال فترة وجيزة فقد أنجز قانون الإصلاح الزراعي في الشهر الثالث بعد قيامها ووزع قائدها عبد الناصر عقود التمليك على الفلاحين فتفاعلت على الفور رسائلها كخطوة أولى على طريق العدل الاجتماعي ثم انطلقت المحاكمات وفق قانون ثوري أطلق عليه قانون الغدر لتطهير مؤسسات وهياكل الدولة من رموز حقب الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي وجاءت برموز من الطبقة المتوسطة الحاصلين على أعلى الدرجات العلمية وصعدت بهم إلى المناصب المهمة لتطبيق مشروعها في النهضة الحقيقية التي رسمت ملامح المحروسة من جديد وصاغت انطلاقتها. صحيح وقعت بعض التجاوزات لكنها طبيعية وفق محددات المرحلة الثورية وكانت أقل التجاوزات في تاريخ الثورات بل وصفت ثورة يوليو بالبيضاء.
ما أود قوله هو أن ثورة الخامس والعشرين من يناير- رغم مضي عامين عليها - لم تحدث مقاربة حقيقية مع أشواق البشر خاصة فيما يتعلق بمطالب العدالة الاجتماعية والعيش. مازال الناس يئنون تحت وطأة المعاناة اليومية فضلا عن غياب العدل الذي من شأنه أن يعيد حقوق الشهداء وحقوق الوطن فمليارات الجنيهات عصية على الاسترداد وكثير من الرؤوس خارج السجون أو هي في طريقها للخروج بسبب فساد القوانين وتغييب وليس غياب الأدلة وأشياء كثيرة تشعرني أن فعل الثورة مازال بعيدا عن أحلام الناس.
هل الرئيس مرسي مسؤول؟ كنت أجيب عن نفس السؤال في برنامج بالتلفزيون الحكومي في اليوم الأخير للمائة اليوم الأولى من بداية حكمه وقلت بالحرف بالطبع هو مسؤول فهو أعلى سلطة في البلاد فضلا عن كونه وعد الناس بتقديم حلول لأخطر خمس مشكلات تتعلق بالخبز والأمن والنظافة والمرور والوقود وللأسف ما تحقق منها ضئيل للغاية بل إن بعضها تفاقم وهو ما صار موضع شكوى جماهيرية ولكن للإنصاف قلت أيضا هي معضلات لا يكفيها مائة يوم بل هي في حاجة إلى عشرة أعوام على أقل تقدير لكن ما يهم هو الإشارات الأولى للحكم الجديد والتي لم تنبئ بعد عن قدرة على النفاذ إلى قلوب وأشواق البشر مكتفية ببعض المشاهد التي تقف عند حد البكاء على اللبن المسكوب غير أنها لا تحاول أن تعيد اللبن إلى الكوب أو تقوم بإنتاج لبنها الخاص.
السطر الأخير:
أحبو إليك
أنت غاية عشقي أم سر وجودي ؟
نهران بعينيك يصبان الشعر بفنجاني
تأسرني الشمس الجالسة بكفيك
يكفيني أيا رفيقة روحي
أن أنثر حبك بأركاني
يعالج وجعا
يضفي البهجة بأزماني
عودي عفية القلب
متوهجة الوجدان
عودي لحقول كتابتي
أزهري ثمرا بأفناني
انتفاضة أم هبة في فلسطين..؟
ثمة من يحاول أن يقلل من الحراك الشعبي المدهش في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة بوصفه مجرد هبة جماهيرية... اقرأ المزيد
395
| 11 يناير 2016
أحوال الأمة في العام 2016
بعد ساعات قليلة، نعانق العام الجديد 2016 وثمة تساؤل يدق الرؤوس: هل سنشهد أحوالا مغايرة لأحوالنا في العام... اقرأ المزيد
449
| 28 ديسمبر 2015
ليبيا .. الخروج من دائرة الوجع
ينطوى الاتفاق السياسي الذي وقع عليه الفرقاء الليبيون بمدينة الصخيرات المغربية يوم الخميس الماضي, على رغبة حقيقية في... اقرأ المزيد
325
| 21 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8769
| 27 أكتوبر 2026
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
5178
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3831
| 30 أكتوبر 2026