رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

جمعان عبدالله السعدي

مساحة إعلانية

مقالات

111

جمعان عبدالله السعدي

لم يكن رحيلاً عابراً

14 يوليو 2026 , 02:00ص

في صباح الأحد، حين قرأت خبر النعي، لم أشعر أنني أقرأ عن أمير سابق. شعرت أنني أقرأ عن جزء من طفولتي يُطوى إلى الأرض.

أنا من جيل لم يعرف قطر إلا وهو يبني. جيل كبر على صوته في الافتتاحات، وعلى اسمه في كل مؤسسة وُلدت أمامنا، من جامعة إلى مستشفى إلى قناة غيّرت طريقة نظر العالم إلينا. لم نكن نسميها “إنجازات” ونحن صغار، كانت بالنسبة لنا هي الحياة نفسها، هي الطبيعي، هي الشيء الذي ظننا أنه كان موجوداً منذ الأزل. وهذه، أظن، أعظم شهادة يمكن أن تُقال في رجل: أن يجعل من استثنائه شيئاً عادياً، حتى يخيّل لمن جاء بعده أن الأمور كانت هكذا دائماً.

لم أُقابله يوماً. لا أملك ذكرى شخصية أرويها، ولا موقفاً عابراً أتباهى به. وربما هذا ما يجعل حزني عليه مختلفاً؛ فهو حزنٌ على رجل لم يعرفني، لكنه صنع البلد الذي عرفني فيه. صنع الشوارع التي مشيت فيها، والمدرسة التي تعلمت في صفوفها، والاسم الذي أحمله بثقة حين أقول إنني قطري في أي مكان في العالم.

الأمير الوالد لم يكن يشبه صورة الحاكم كما تُرسم في الكتب: بعيداً، محاطاً بالهيبة وحدها. كان حضوره أقرب إلى حضور الأب الذي لا تراه كثيراً، لكنك تعرف أن البيت واقفٌ بفضل قراراته. وهذا نوع من الحب لا يُصفَّق له في اللحظة، بل يُكتشف بعد سنوات، حين تكبر وتفهم حجم ما بُني، وحجم المجازفة التي أخذها رجل واحد على عاتقه في بلد صغير وسط جيران كبار.

اليوم نودّعه، لا كخبر في نشرة، بل كصفحة من سيرتنا الشخصية تُقفل معه. الأعلام تنكّس، والحداد يُعلن، والبيانات تُقرأ. لكن الأصدق من كل ذلك هو هذا الشعور الهادئ الذي يعبر بلا صوت في قلب كل قطري اليوم: أن رجلاً غيّر مصير بلد بأكمله، ثم رحل بهدوء لكنه باق في قلب كل قطري بقاء سيرة نفتخر ونرويها للأجيال عن رجل كان أمة

رحمك الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، ما بنيتَه أكبر من أن يُروى، وأصدق من أن يُنعى بكلمات فقط.

مساحة إعلانية