رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

نعيم محمد عبد الغني

نعيم محمد عبد الغني

مساحة إعلانية

مقالات

3066

نعيم محمد عبد الغني

القاضي عمليق

14 يوليو 2014 , 01:34ص

اتباع الهوى أمر ممقوت بصفة عامة، وقد حذر القرآن منه، فقال: "ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله"، وحذر الله نبيه داوود بأن يحكم بين الناس ولا يتبع الهوى، فقال: "يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله".

ولكن التاريخ سطر لنا عن قضاة اتبعوا أهواءهم، فحدث فساد عظيم وضرر كبير، إذ القضاء أمان العلاقات الاجتماعية بين الناس.

إن مهمة القاضي جليلة وعظيمة، فهو موقع عن الله، وبه يفصل بين الدماء والأموال والأعراض، وعليه أن يجتهد اجتهادا مبنيا على علم وورع وخوف من الله تعالى.

أذكر هذا وأنا أقرأ في أيام العرب في الجاهلية، حيث مررت بموقف يدل على أن القاضي الظالم يثير غضب الخصوم ويجعل الناس يكرهونه ويمقتونه ويكيدون له، وهذا ما حدث في يوم جديس من أيام الجاهلية، حيث كانت العرب العاربة (طسم) اليمامة في وقتهم جو؛ وكان الملك عليهما رجل من طسم يقال له عمليق، وكان غشوماً ظلوماً. وكان سبب فنائهما أن عمليقا أتته ذات يوم امرأة اسمها هزيلة بنت مازن مع زوج لها اسمه ماش، وكان قد طلقها وأراد أخذ ولده منها، فترافعا إليه ليحكم بينهما، فقالت هزيلة: أيها الملك هذا ابني حملته تسعاً، ووضعته دفعاً، وأرضعته شفعاً، ولم أنل منه نفعاً حتى إذا تمت أوصاله، واستوت خصاله، أراد أن يأخذه مني قهراً ويسلبنيه سراً، ويترك يدي منه صفرا. فقال الزوج: قد أخذت المهر كاملاً، ولم أنل منك طائلاً، إلا ولدا جاهلاً، فافعل ما كنت فاعلاً. فأمر الملك أن يجعل الولد في غلمانه، فقالت هزيلة:

أتينا أخا طسم ليحكم بيننا ... فأبرم حكماً في هزيلة ظالما

لعمري لقد حكمت لا متورعاً ... ولا فهماً عند الحكومة عالما

ندمت فلم أقدر على متزحزح ... وأصبح زوجي عاثر الرأي نادما

إن القاضي في هذا الموقف حكم بالهوى، ولم يفند حجة الطرفين، ليحكم بناء على أحقية كل منهما في الحضانة، ولكنه نزع ولدهما منهما وضمه إلى غلمانه، فصار بذلك ابنهما الحر عبدا، وكان أهون على أحدهما أن يضم إلى الآخر من أن يكون عبدا مملوكا، ولذا وصمته المرأة بالجهل وعدم الورع وندمت هي وزوجها على أن ذهبا إليه.

ثم تمادى هذا القاضي في غيه لما سمع هذه الأبيات وأقسم أنه لا تهدى عروس في جديس لبعلها حتى يكون هو الذي يبدأ بها قبل زوجها.

وإنه لقضاء جائر آخر أن يقوم هذا الملك بانتهاك الأعراض وهو الموكل بحفظها والقضاء فيها، ولكن هذا الغشوم نهايته سوداء فسيقضى عليه وسيفنى ملكه بسبب امرأة حرة اسمها عفيرة، التي أهديت إلى بعلها وهي أخت الأسود بن عفار سيد جديس، ويقال: إن اسمها الشموس، فحملت إلى عمليق، فلما افترعها وخلى سبيلها خرجت على قومها في دمائها، شاقة جيبها عن قبلها ودبرها وهي تقول:

لا أحد أذل من جديس ... هكذا يفعل بالعروس

ثم قالت تحرض جديساً على طسم:

أيصلح ما يؤتى إلى فتياتكم ... وأنتم رجال فيكم عدد الرمل

إلى آخر ما قالت.

فاجتمعت جديس، فقال لهم الأسود بن عفار، وكان مطاعاً فيهم: لتطيعني فيما آمركم به أو لأتكئن على سيفي حتى يخرج من ظهري. قالوا: فإنا نطيعك. قال: إن طسما ليسوا بأعز منكم، ولكن ملك صاحبهم هو الذي يذعننا إليهم بالطاعة، ولو امتنعتم منهم لكان لكم النصف. قالوا: إن القوم أكثر منا عدداً وعُدداً. قال: إني صانع طعاماً فأدعوهم إليه، فإذا جاءوكم متفضلين في الحلل نهضنا إليهم بأسيافنا. فقالت عفيرة لأخيها: لا تفعل! فإن الغدر ذلة وعار، ولكن كاثروا القوم في ديارهم فتظفروا أو تموتوا كراماً. قال: بل نمكر بهم فنكون أمكن منهم. تم صنع الأسود طعاماً وأمر قومه أن يخترطوا سيوفهم ثم يدفنوها في الرمل. ودعا عمليقا وقومه، فلما أتوا استثارت جديس السيوف وشدوا عليهم، فما أفلت منهم إلا رياح بن مرة، ففر إلى حسان بن تبع، فاستغاث به وأخيره بما صنعته جديس بطسم، فوعده النصرة، ثم نادى حسان في حمير بالمسير وأخبرهم بما صنعت جديس بطسم؛ فقالوا: وما جديس وطسم؟ قال: هما أخوان. قالوا: فما لنا في هذا من أرب.

وهكذا انتهت قصة هذا الغاشم الذي فني وأفنى معه قومه الذين لم يثوروا عليه ويقفوا في وجه ظلمه، فكان عاقبة أمرهم خسرا، وصحبتهم لعنات التاريخ في كل حين، وإلى لقاء آخر إن شاء الله.

مساحة إعلانية