رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
طرحت تداعيات الأزمة السورية خاصة بعد المجازر الأخيرة في الحولة والقبير وما سبقها من أعمال قتل وحشية ضد المدنيين تساؤلات عديدة بشأن حقيقة الموقف الروسي حيال تلك الأزمة، وهل موسكو تقف على الحياد أم هي منحازة بصور مطلقة للنظام السوري الذي لولا الدعم اللوجستي والعسكري الروسي وكذلك الدعم الإيراني السياسي والمعنوي والاقتصادي لما استمر بشار الأسد في مكانه يوما واحدا بعد اندلاع الثورة السورية؟
ويحق لنا مباشرة وبدون تناول الحيثيات والبراهين والأدلة أن نقول إن روسيا تخلت عن موقف المحايد واتجهت بقوة إلى الانحياز ضد رغبة الشعب السوري الذي يئن من جراء مجازره اليومية وضحاياه ومصابيه. وكان حري بروسيا التي تريد العودة بقوة إلى لعب دور استراتيجي عالمي لتعويض ما فاتها من ادوار، أن تقف بجانب الشعب وليس النظام حتى تخلق نظرة إيجابية في العلاقات الدولية، ولا تستغل الموقف لترتفع عالميا على حساب ضحايا أبرياء.
ومن الواضح أن روسيا تنتقم من الأمم المتحدة والولايات المتحدة وأوروبا بسبب انتصاراتهم في ليبيا ومن قبلها في الأزمة اليوغسلافية والتي انتهت باتفاق دايتون الشهير والذي رفضته روسيا بشدة لأنه وقف إلى جانب جميع الفرقاء خاصة البوسنة ضد المجازر الصربية والتي دعمتها موسكو آنذاك أيضا لأنها أرادت لصربيا السيطرة على كافة أنحاء الاتحاد اليوغسلافي السابق.
فروسيا تريد انتهاز الفرصة لتفرض موقفها في الأزمة السورية ويبدو أنها سعيدة للغاية وهى تستقبل كل يوم مسؤول دبلوماسي دولي يحاول خطب ودها للاستجابة إلى الخطة الدولية ودفع بشار الأسد نحو ترك السلطة طواعية والكف عن قتل وتعذيب شعبه وتلبية مطالب خطة كوفي أنان. ولكن هيهات، فروسيا وبدلا من أن تشارك في خطة إعداد ترتيبات ما بعد الأسد، تتهرب من مسؤولياتها الدولية وتدعي أنها "مسألة مبدأ".. أي مبدأ تدافع عنه سوريا وهى ترى القاتل والضحية ولا تتدخل بينهما، ثم تزعم أن غياب الأسد يعني نشر الفوضى وعدم الاستقرار في سوريا، ثم تدعي أيضا أنه من الأفضل أن يكون التغيير بيد السوريين أنفسهم وألا يفرض عليهم من الخارج.
في حقيقة الأمر، أن الكرملين نجح في أن يجعل من نفسه لاعبا رئيسيا في اللعبة السورية، وهو هنا يحاول تعويض انتكاساته في الأزمة الليبية ومن بعدها اليمن، ولا يهم موسكو هنا استياء أوروبا والمجتمع الدولي والأمم المتحدة وأمريكا بسبب تواطؤ روسيا مع قوات الأسد، في الوقت الذي لم تتعرض موسكو لاعتراضات من جانب الدول العربية بسبب هذا التواطؤ بسبب المشاكل العربية الجمة التي تحول دون توجيه سهامهم إلى الدب الروسي، ويبدو أن بالموضوع بعض المواءمات السياسية، إذ ربما يرى العرب أن لروسيا منفعة لاحقة ولذلك فهم لا يريدون إغضابها في الوقت الراهن حتى وإن كانت تساهم بقدر لا بأس به في زيادة أعداد القتلى السوريين، فالطيران والقذائف والصواريخ روسية الصنع.
ويبدو أن الروس لا يكترثون بما يحدث حولهم، فهم أسرى نظرية أزمة الشيشان عندما تعرضوا لانتقادات دولية جمة بأنهم يستخدمون القوة المفرطة لإجهاض هجمات الثوار الشيشانيين، ولذلك فإن هناك قناعة داخل المجتمع الروسي أيضا وليس فقط على مستوى الكرملين بان ما يصوره الغرب ووسائل الإعلام بشأن بشاعة الموقف في سوريا ما هو إلا أكاذيب يرددها الإعلام الغربي للتأثير على الشعوب عندما تتخذ قرارات جادة للتدخل العسكري في سوريا لمناصرة الثوار.
ولذلك رأينا موسكو تقلل من أهمية ما ينشر يوميا بشأن المجازر والقتل الجماعي لتستعيد بذلك مخزونها من العقل الجمعي الروسي الذي يؤكد أن هجمات الثوار الشيشان كادت تقض مضاجع الدولة الروسية العريقة لولا التدخل القوي من قبل الجيش الروسي.. وهو ما تربطه موسكو بالوضع في دمشق، فهم يتصورون أن المعارضة ما هي سوى جماعة مرتزقة تحاول زعزعة استقرار سوريا وإزاحة بشار الأسد عن سدة الحكم تلبية لرغبة الغرب وأمريكا في إحداث التغيير الشامل في المنطقة.
ولذلك نجد كثير من المسؤولين الروس يتعامون عما يجري داخل سوريا ويلقون مسؤولية استمرار العنف على قوات المعارضة السورية والدول الأجنبية. وهنا يقول مسؤول روسي إن الغرب وأمريكا تبعث بالمتطرفين والمتشددين بمختلف أنواعهم سعيا وراء تحقيق أهدافهم الخاصة، ثم يحذر من كارثة ستشهدها منطقة الشرق الأوسط بأكملها إذا تدخلت قوات دولية دون تفويض من مجلس الأمن.
تداعيات الأزمة السورية تطال الرئيس الروسي نفسه فلاديمير بوتين، حيث إن لديه أسبابه الداخلية القوية التي تدفعه التمسك بموقف بلاده من الأزمة. والسبب أن سلفه ديمتري ميدفيديف فشل في مواجهة المتشددين داخل الحكومة الروسية بسبب قراره عدم التحرك للحيلولة دون التدخل الغربي في ليبيا، مما أدى إلى سلسلة متتابعة من الأحداث بلغت ذروتها بمقتل العقيد معمر القذافي، الذي كان هو الآخر حليفا لروسيا. وينطوي قبول تنفيذ خطة انتقالية في سوريا على مخاطرة بأن يلقى بوتين مصيرا مماثلا لميدفيديف، كما سيعني أيضا التراجع عن موقف ما زال يحظى بتشجيع أوساط السياسة الخارجية الروسية.
الغريب أن بوتين يعلن وبملء فيه أن بلاده تتبع سياسة تعزيز الأمن العالمي ولديها التزام أخلاقي كبير للدفاع بقوة عن مواقفها خاصة وان دروس الحرب العالمية الثانية مازالت مفيدة وأن "احترام سيادة الدول" ضمانة مهمة لعدم اندلاع الحرب مرة أخرى وذلك في إشارة تحذير للجهود الغربية لتغيير النظام في سوريا. وبعد موقف بوتين يخرج علينا وزير خارجيته سيرجي لافروف بزعمه أن روسيا لا يمكن أن تقول للأسد "ارحل". بيد أن الذي لم يفصح عنه الدبلوماسي الروسي ان بلاده ستخسر المشتريات السورية الضخمة من الأسلحة الروسية، وكذلك نظام يعتمد على موسكو في كل شيء، وإذا انهار هذا النظام لوقعت منظومة الدومينو بالكامل.. وسيرجي لافروف يستغل هنا بعض المعطيات الحقيقية ولكنها لا تمثل الكثير بالنسبة للمعارضة السورية مثل أنها تلقى تمويلا من الخارج، وهو الأمر الذي يصوره الروس على أن أطرافا أجنبية تمول "مرتزقة سوريين" وتدعم قوى متطرفة لتحقيق أهداف جيوسياسية.
ربما يبدو في الوقت الراهن أن فكرة دعم موسكو لإزاحة الأسد من سدة الحكم صعبة نوعا ما، ولكن ثمة بعض السيناريوهات التي طرحها الروس أنفسهم وتتعلق في أن للدبلوماسية الروسية خطة لخروج سلمي للأسد يجري التخطيط لها بعناية على أن يقتنع الشعب السوري وحده بأنه هو الذي حقق هذا الهدف.. ويدعم هذا التوجه أن موسكو وبوتين يعلمان تماما أن الأسد بات يفقد مستقبله السياسي وانه راحل لا محالة، وبالتالي يمكن الترويج للفكرة المشار إليها لكسب ثقة النظام السوري المقبل وعدم قطع العلاقة مع دمشق التي تعد بحق بيضة ذهب للروس.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2532
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2292
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1188
| 11 أكتوبر 2026