رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
للنجاح الاقتصادي شروط، أهمها المثابرة واعتماد السياسات المناسبة وتنفيذها بدقة. من أهم ملامح الاقتصاد الصيني اليوم التغيرات المستمرة المدفوعة من القطاع الخاص، خاصة من الأعمال المبدعة الجديدة. سمحت الحكومات الصينية لقطاع الأعمال بالازدهار عبر تأمين المناخ السياسي والقانوني كما المؤسساتي المناسب. تميز الصينيون مؤخرا في الإبداع الحقيقي بعد سنوات من الجمود الذي سببته العقائد السياسية الشمولية المطبقة منذ الأربعينيات. في الثمانينيات، كان الصينيون فقراء والشركات صغيرة، اذ لم يكن بالإمكان توريث الثروة أو نقلها عبر الأجيال. تغيرت الشروط القانونية بفضل وعي القيادات، مما سمح للصينيين بتحقيق النجاح المادي الفردي وحتى تجميع الثروات. في سنة 2010، كتبت مجلة "فوربس" أن هنالك 64 مليارديرا صينيا دون هونغ كونغ التي تضم وحدها 25 مليارديرا. وقعت الصين في المركز الثاني من حيث العدد وراء الولايات المتحدة التي ضمت 403 مليارديرات، أي %40 من المجموع العالمي. هنالك أكثر من 4 آلاف ناطحة سحاب في شنغهاي. توسع حجم الوحدة السكنية للفرد في الريف الصيني من 13.5 متر مربع في سنة 1989 إلى 31.6 في سنة 2007.
استثمرت الحكومات الصينية في البنية التحتية والاقتصادية لتسهيل عمل الشركات. اعتمدت السياسات الاقتصادية التي حققت الاستقرار الضروري للاستثمارات والنمو، خاصة تلك التي وضعت في عهد "دينغ سياو بينغ". لم تعرف الصين أزمات مالية كالتي عرفها الغرب، لا في حدتها ولا في عمقها وامتداداتها. من الأسباب الأساسية للحماية أنه من غير المسموح للمؤسسات المصرفية والمالية أن تعتمد المخاطر التي سببت إفلاسات كبيرة لها ولعملائها في الغرب. القوانين الصينية تقيد أعمال المصارف في حجم قروضها وأدوات الأعمال، مما يجنبها كما الاقتصاد عموما الخسائر الكبرى. هنالك من يقول إن القوانين تحكم الولايات المتحدة الأمريكية، بينما الشعب هو الذي يحكم الصين.
ما هي المشاكل الأساسية التي ما زالت تعاني منها الصين؟
أولا: الفساد الذي يمتد إلى كافة مؤسسات الدولة. يؤثر الفساد سلبا على سوء توزيع الدخل والثروة بين الطبقات الشعبية. في مؤشر "الشفافية الدولية"، تقع الصين في المرتبة 75، أي وراء البرازيل وإيطاليا وغانا ودولة إفريقيا الجنوبية، مما يشير إلى عمق المشكلة وصعوبة بل ضرورة المعالجة. النجاح الاقتصادي لا يمكن أن يشمل كل طبقات المجتمع بوجود فساد مبني حكما على الاستغلال والغش وسوء معاملة المواطن.
ثانيا: في مؤشر "التنافسية" الذي يصدره سنويا مؤتمر دافوس في آخر الشهر الأول من كل سنة، تقع الصين في المرتبة 26 وراء كوريا الجنوبية وإسرائيل وماليزيا وحتى تايوان الصينية. يبنى المؤشر على عوامل عدة، منها البنية التحتية للدولة، كما البنية الفوقية، ومنها الصحة والتعليم. هنالك مشكلة في القطاع الصحي في جانبيه، أي من ناحيتي العرض والطلب. هنالك ضرورة لتطوير خدمات التأمين من ناحية الطلب وبناء مستشفيات ومستوصفات وعيادات حديثة ومتطورة من ناحية العرض حتى يتحقق التوازن.
ثالثا: الطاقة والبيئة وترابطهما، إذ إن الصين هي من أكبر المستهلكين للطاقة في العالم ومن المتوقع أن يرتفع استهلاكها لها بدءا من سنة 2020، حيث تصبح الاقتصاد الأكبر في العالم. لم توقع الصين على العديد من الاتفاقيات البيئية التي تفرض عليها احترام شروط النظافة البيئية المهمة لسلامة المواطن ومستقبل الشعب.
رابعا: رغم تحقيق نمو سنوي كبير بلغ 10.4% في سنة 2010 وانحداره إلى ما فوق 7% فيما بعد، ما زالت الصين تكبر في وقت مرضت خلاله الاقتصادات الغربية بسبب الأزمات وسوء الإدارة والمغامرات المالية التي فاقت الحدود والمنطق. تبقى نسب البطالة المعلنة في حدود 4% والتضخم 3%، لكن الفقر ما زال موجودا وعميقا وهنالك طبقات شعبية لم تستفد بعد كما يجب من النمو المدهش المتواصل. يبقى ميزان الحساب الجاري فائضا بسبب الصادرات، بينما يقع عجز الموازنة في حدود مقبولة جدا لدولة بحجم الصين، يرتفع الاحتياطي النقدي إلى مستويات مرتفعة حتى بالمقارنة مع الدول الغنية.
خامسا: رغم نجاح الصين في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إليها، إلا أنها لا تحصل إلا على المرتبة 91 في مؤشر "سهولة الأعمال" الذي يصدره سنويا البنك الدولي. تقع وراء سيريلانكا وزامبيا وتركيا وغيرها. تتأخر الصين كثيرا في العديد من القوانين، منها ما يرتبط بتأسيس الشركات الجديدة ورخص البناء والقوانين الضرائبية وغيرها. يشير هذا الواقع إلى الفرص الكبيرة التي ما زالت متوافرة أمام الصين في حال قررت تحديث قوانينها أو الأهم منها.
تشير كل التوقعات إلى تفوق الاقتصاد الصيني على الغربي وفوزه بالمركز الأول في سنة 2020، فمن أين يأتي هذا النمو؟ ما هي مصادره والدوافع له؟ يقول الاقتصادي "روبرت فوغل" إن النمو ينبع من التراكم السريع للإنجازات التقنية، من تحول اليد العاملة من قطاعات ذات إنتاجية منخفضة إلى أخرى ذات إنتاجية عالية كما من الاستثمارات السخية في الإنسان. يقول الاقتصادي "غريغوري شاو" في كتابه "تفسير الاقتصاد الصيني" إن المصادر هي متعددة، علما بأن الصين غنية اليوم وبالتالي دوافع التغيير تصبح أقل من الماضي. هنالك طبقة سياسية حاكمة تخشاه خوفا من المخاطر التي يحملها التغيير والتي يمكن أن تعرقل المسيرة الناجحة حتى اليوم. هل ما يحصل اليوم في الصين يعتبر "أعجوبة اقتصادية" كما وصفها البنك الدولي في كتابه الشهير عن شرق آسيا. يقول "شاو" إن ما يحصل مع الصين منذ فترة شبيه بما حصل في اليابان قبل وبعد الحرب العالمية الثانية وكما حصل مع الصقور الأربعة بدءا من الستينيات إلى الثمانينيات، أي مع هونغ كونغ الصينية وسنغافورة وتايوان الصينية وكوريا الجنوبية.
تطور الصين ليس أعجوبة ويرتكز على التقدم في الميادين التالية:
أولا: تطور البحث في العلوم والتكنولوجيا، بحيث تسبق الصين معظم الدول المنافسة. لا يهم إذا كانت الاستثمارات محلية أو غربية، المهم أنها تنبع من الداخل الصيني ومن خبراء محليين ومستوردين يستفيد منهم الاقتصاد. ترتكز الصين على رأسمال إنساني مميز ومؤسسات تعمل في اقتصاد لم ينضج كليا بعد، أي ما زال يحتاج إلى الكثير، مما يشير إلى أن فرص التقدم تبقى كبيرة.
ثانيا: النشاطات الأدبية والفنية والثقافية، إذ لا يمكن لدولة عظمى أن تتجاهل هذا الجانب الذي يؤثر على الجوانب الأخرى. هنالك وعي صيني كبير لأهمية الآداب التي تعطي جوا مناسبا لتقدم العلوم والإنتاج والإبداع في كل القطاعات.
ثالثا: بالتزامن مع التقدم في العلوم والفنون، ستصبح الصين أغنى أكثر فأكثر مع الوقت، وبالتالي ستستثمر في الخارج أكثر مما يعزز نفوذها الاقتصادي والسياسي الدولي. سيتحقق ذلك بالتزامن مع التطور السياسي الديمقراطي الذي تجاهلته الصين في السابق أو لم تعطه الأهمية التي يستحقها لأسباب معيشية واقتصادية.
لا شك أن الصين أصبحت غنية اليوم بسبب تراكم السياسات الصحيحة ومنها السكانية. الصينيون متعلمون أكثر بكثير من الماضي وبالتالي قادرون على الاختيار بين الجيد والسيئ، أي بين الاستثمارات المربحة أو الفاشلة. ينتقل الصينيون تدريجيا وبنجاح من التعلم إلى الإنتاج والإبداع في العلوم والتكنولوجيا والتربية. يتحرك القادة الصينيون اليوم بحرية أكثر حتى الذين ليسوا في أعلى الهرم. العصر الذهبي الصيني قادم حتما، ليس فقط في الاقتصاد وإنما في مختلف الحقول.
يرتكز التقدم على القوانين والمؤسسات الجديدة كما على التحسن في الميدان الأخلاقي ولو ببطء، مما يشير إلى استمراريته لمدة غير قصيرة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3426
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3228
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1245
| 01 أكتوبر 2026