رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لأن حدث المناظرة بين مرشحي الرئاسة المصرية تاريخي واستثنائي بامتياز، فإنه يظل بحاجة إلى تحقيق وتدقيق فيما قيل وما لم يقل ليس فقط لكي نستوعب ونتفهم، ولكن أيضا لكي نستفيد ونتعلم.
ــ1ــ
لا أستطيع قبل أي كلام في الموضوع أن أتجاهل أمرين، الأول أنها التجربة الأولى في التاريخ المصري، في عام ٢٠٠٧ حدثت مناظرة بين مرشحي الرئاسة في موريتانيا، التي يقف فيها اثنان من مرشحي الرئاسة أمام بعضهما البعض لكي يعرضا نفسيهما على الرأي العام. صحيح أن تراثنا العربي حافل بمناظرات أهل العلم، ولهم في ذلك كتابات غنية، أذكر منها ما سجله الإمام أبو حامد الغزالي متعلقا بآداب المناظرة، في مؤلفه الشهير «إحياء علوم الدين». وتحدث فيه عن مناظرات الفقهاء والمقلدين من الشافعية والأحناف بوجه أخص، وحاول أن يبدد التلبيس في تشبيه المناظرات بمشاورات الصحابة، وأن يبين آفات المناظرة وما يتولد عنها من مهلكات الأخلاق، لأنها تدفع أطرافها إلى تتبع عورات بعضهم البعض وإشهار نقائصهم بالحق أو بالباطل، التماسا للانتصار في الرأي وكسبا للجاه والرياسة الدنيوية.
لم يعرف تاريخنا مناظرات أهل السياسة. خصوصا ما تعلق منها بشأن الرئاسة. ربما في أغلب الأحيان لأن تقاليد الاستبداد في بلادنا أشاعت بين الناس أن الرئاسة قدر مكتوب لأناس بذواتهم، لا شأن لها باختيار الناس أو قرارهم. ولأننا حديثو عهد بالتجربة، فإن ما يعتريها من نقائص وثغرات تصبح أمرا طبيعيا ينبغي أن نترفق به ونحتمله.
الأمر الثاني أن الذين قاموا بالتجربة من الإعلاميين والإعلاميات يستحقون التحية والتقدير، إذ أتاحوا لنا أن نعيش تلك اللحظات النادرة، التي نشاهد فيها رئيسا ــ أو مشروع رئيس ــ يؤخذ من كلامه ويرد ــ ولا يستقبل كلامه بحسبانه تنزيلا محصنا لا ينطق فيه صاحبه عن الهوى. وأي نقد للجهد الذي بذله أولئك الزملاء ينبغي ألا ينتقص مما قدموه، ولكنه يحاول أن يكمله ليحقق المراد من المناظرة بصورة أفضل وأوفى.
ــ2ــ
الانطباع الأول عن الأسئلة أن أغلبها جاء مثيرا للفضول بأكثر مما كان كاشفا عن السياسات ومثيرا للعقول. أما الانطباع الثاني أنها ركزت بدرجة عالية على الشأن الداخلي، وبدت متأثرة بحالة الانكفاء التي يعاني منها الإعلام المصري خصوصا بعد الثورة. والمسألتان بحاجة إلى بعض الشرح والإيضاح.
لقد بدت الأسئلة وكأنها ورقة امتحان مدرسي، ركزت على شخصية كل مرشح بأكثر مما ركزت على أفكاره وسياساته إزاء القضايا الكلية، ناهيك عن أنها تجاهلت بعض القضايا الحيوية في حين ألقت على المرشحين أسئلة حول الراتب الشهري والأزمة المالية والحالة الصحية والامتيازات المتوقعة، والتدخل في اختيار الوزراء وكيفية تشكيل لجنة الدستور والموقف من أحداث العباسية والتعامل مع الإضرابات الفئوية.. إلخ.
مثل هذه الأسئلة الأخيرة قد تقدم الشخص ولكنها لا تسمح لنا بأن نتعرف على أفكاره وتعامل برنامجه مع القضايا الكلية التي ترتبط بالمصالح العليا للوطن.
إن قضية الاستقلال الوطني لم تأخذ حقها في الحوار، رغم أنها تشكل جوهر السياسة الخارجية المصرية، ومعروف أن استقلال مصر منقوص على الصعيدين الإقليمي والدولي. فدورها في القرار العربي محدود للغاية. وليس سرا أن الجامعة العربية تديرها في حقيقة الأمر دولتان هما السعودية وقطر. كذلك فإن العلاقة بين مصر وكل من إسرائيل والولايات المتحدة، تتعامل معها مصر بحسبانها الطرف الأضعف الذي يتلقى بأكثر مما يقرر أو يبادر. واختزال العلاقة مع إسرائيل في التساؤل عما إذا كانت عدوا استراتيجيا يعد ابتسارا واجتزاء للملف الأساسي المتمثل في استقلال الإرادة والاهتداء بالمصالح الوطنية العليا في رسم السياسات وتحديد طبيعة العلاقات الخارجية.
لم نعرف شيئا عن موقف المرشحين إزاء التجمعات الإقليمية العربية، المغاربية أو الخليجية. ولا إزاء الجارتين السودان وليبيا، ولا إزاء القضية الفلسطينية التي تحل ذكرى نكبتها اليوم (الثلاثاء 15 مايو). ولا إزاء الدولتين الكبيرتين تركيا وإيران.. (ثم التعرض لإيران في سؤال عابر).
حتى الشأن الداخلي، فإن ملفات عديدة لم يتم التطرق إليها. لم نسمع شيئا عن قضية مصيرية مثل التنمية في مصر، مرتكزاتها ومقاصدها. لم يتطرق أحد إلى كيفية استثمار الطاقات البشرية الكبيرة في البلد وكيفية توظيفها للتأكيد على التنمية الذاتية، التي توظف خبرات البشر وإمكانات البلد المتوفرة لتكون الأساس في تحقيق النهضة المرجوة، قبل أي لجوء إلى الاستدانة والاقتراض من الخارج، خصوصا أن انطلاقة الداخل تشكل أكبر عنصر لجذب استثمارات الخارج، وإمكاناتها بلا حدود في مجالات الزراعة والصناعة والسياحة.
لم تتعرض المناقشات ــ ولم يلق سؤال ــ حول قضية البطالة المتفاقمة، والتي يتحدث عدد غير قليل من الخبراء عن أنها وصلت في صعيد مصر إلى 50٪ من السكان، الأمر الذي يجعل من البطالة لغما داخليا شديد الانفجار. فآثارها الاجتماعية خطيرة والتداعيات التي تترتب عليها مخيفة، حتى وجدنا شبابا باتوا يفضلون المغامرة باحتمال الموت في البحر لكي يصلوا إلى شواطئ أوروبا، بدلا من أن يعيشوا بلا أمل في مصر. ويظل مستغربا ألا يتطرق الحديث عن أولئك الملايين من البشر، الذين هم ثروة حقيقية إذا أحسن استثمارها، في حين اعتنت الأسئلة بمسألة كشوف العذرية (رغم أهميتها) والتعامل مع الموضوع القانوني للإخوان.
قضية البيئة الملوثة في مصر تم تجاهلها أيضا، رغم ما تمثله من أهمية بالغة بالنسبة لقضيتي التنمية والصحة العامة، ناهيك عن أنها أصبحت تحتل موقعا متقدما في تحديات العصر التي تحتشد لأجلها الدول ولا تتوقف المؤتمرات التي تعقد لمواجهتها كل حين.
ــ3ــ
تغييب مثل هذه القضايا الحيوية أضعف موضوعية الحوار، الأمر الذي لم يتح لنا أن نتعرف بشكل جاد على سياسات وبرامج المرشحين إزاءها. من ناحية أخرى فإن الإجابات التي قدمت على الأسئلة الموجهة حققت اتفاقا حول تمثيل الجميع في لجنة وضع الدستور وحول فرض الضرائب التصاعدية والالتزام بالحد الأدنى والأعلى للأجور. وذلك شيء طيب لا ريب، لكن الأمر لم يخل من ملاحظات سلبية أخرى، منها على سبيل المثال:
ــ أن المرشحين تبادلا الاتهامات الشخصية، إذ عمد السيد عمرو موسى إلى تخويف المشاهدين من الدكتور أبوالفتوح باعتباره إخوانيا سابقا، فما كان من الأخير إلا أن رد عليه مذكرا بانتمائه إلى نظام مبارك، الأمر الذي يصنفه ضمن الفلول. وإطلاق هذا التراشق لم يكن في صالح عمرو موسى، لأنه حين رمى أبوالفتوح بأنه «إخوانجي» فإنه استخدم فزاعة نظام مبارك، في حين أن ذلك الاتهام لم يعد مشينا في الوقت الحاضر، إلا أن تصنيف عمرو موسى ضمن الفلول مما يشينه ويسيء إليه بعد الثورة. وفي كل الأحوال فقد بدا عمرو موسي هاربا من ماضيه ومنكرا له، أما أبوالفتوح فقد بدا معتزا بماضيه الذي اعتبره رصيدا له في انخراطه مع الثورة.
ــ حاول عمرو موسى وهو يخوف من إسلامية أبوالفتوح أن يكرس إقصاء التيار الإسلامي، في حين أن أبوالفتوح حرص على إقامة المصالحة بين التوجه الإسلامي والديمقراطية. من ثَمَّ فإن الأول قدم نفسه باعتباره رئيسا لبعض المصريين، في حين أن الثاني أراد أن يقنعنا بأنه رئيس لكل المصريين.
ــ حين سئل الاثنان عن مبرر انتخاب كل منهما، قال موسى إنه تبوأ مناصب عدة وخبراته كثيرة، وأن مصر في أزمة الآن وبحاجة إلى رجل دولة (مثله) فاهم للعالم ومدرك للظروف المحيطة، ولم يحدثنا عن السياسة التي سيتبعها في تعامله في ذلك العالم الخارجي، أما أبوالفتوح فقد اعتبر نفسه رمزا لاصطفاف الجماعة الوطنية، حيث يشترك في تأييده الليبراليون واليساريون والإسلاميون. فبدا من الإجابتين أن الأول يصوب نظره نحو الدولة والثاني يصوبه نحو المجتمع.
ــ استلفت نظر كثيرين نفور عمرو موسى من الأغلبية التي صوتت لصالح التعديلات الدستورية، وحين اعتبر أن الذين قالوا «لا» هم الثوار الحقيقيون ــ وهو منهم ــ في إشارة إلى أن الـ77٪ الذين أيدوا التعديلات يقعون في مربع الثورة المضادة. وبدا ذلك تجريحا من جانبه للأغلبية التي يطلب تأييدها!
ــ قال موسى إن مصر دولة فقيرة وأن المطالب الفئوية التي تكاثرت بعد الثورة لا تختلف كثيرا عن الذين يحاولون حلب بقرة نضب لبنها. وتلك قراءة لا تعول كثيرا على التنمية الداخلية كما تهون كثيرا من شأن غنى البلد بثروته البشرية وموارده الاقتصادية. وهذه الرؤية لا ترى حلا لمشكلة التنمية في مصر سوى الاعتماد على الاستثمار الأجنبي والقروض الخارجية.
ــ كان الاختلاف واضحا بين المرشحين حول الموقف إزاء الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، فأبوالفتوح رفض الاستجابة لأي تأثيرات خارجية على سياسة مصر الخارجية، واعتبر إسرائيل عدوا يهدد الأمن القومي المصري. أما موسى فأكد أن سياسته لن تغضب الولايات المتحدة، وأن إسرائيل خصم لا يحبه المصريون. وكرر مرتين أنها ليست عدوا، فبدا الأول تعبيرا عن منطق وموقف الثورة المصرية، أما الثاني فقد بدا ملتزما بخطوط السياسة التي التزم بها نظام مبارك.
ــ4ــ
كان عمرو موسى أكثر عدوانية وتوترا، في حين بدا أبوالفتوح أكثر هدوءا وتماسكا. ومع ذلك خرج المرشحان متعادلين تقريبا رغم الهنات هنا وهناك، بحيث يتعذر القول بأن أحدهما اكتسح الآخر. وهذا ما شهدت به وكالات الأنباء الأجنبية التي تابعت المناظرة، إلا أن الاستقطاب كان واضحا في بعض معالجات الصحف المصرية. فقرأنا في أوساط العلمانيين تهليلا لصالح عمرو موسى وحفاوة بالغة بما قاله وهجوما مقذعا على «أبوالفتوح» استند إلى جذوره الإخوانية. وذهب أحد الكاتبين في هجائه لأبوالفتوح إلى القول بأن موسى وجه إليه ضربة قاضية وأخرجه من سباق الرئاسة في أول جولة للحوار.
لم يخل الأمر من هجاء لموسى، استعاد موقفه في مؤتمر دافوس حين انسحب رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان من المنصة احتجاجا على منعه من الرد على تجاوزات وأغاليط شمعون بيريز رئيس إسرائيل، لكن عمرو موسى الذي كان جالسا بالقرب منه تردد في التحرك ثم بقى في مقعده بعد إشارة من الأمين العام للأمم المتحدة. وغمز آخرون في مكافأة نهاية الخدمة التي منحت له عند مغادرته منصبه في الجامعة العربية، والتي طلب المندوب السعودي زيادتها إلى 5 ملايين دولار في اجتماع مجلس الجامعة، وهو مبلغ لم يكافأ به أي أمين عام آخر في تاريخ الجامعة العربية، حيث كانت القاعدة أن يكافأ بمبالغ في حدود نصف مليون دولار فقط.
هذه الأصداء كانت من تداعيات تركيز التراشق والحوار حول الأشخاص. ولم تكن بعيدة عنها إشارة جريدة «الشروق» في عدد السبت 12/5 إلى أنه خلال فترة الاستراحة التي تخللت المناظرة فإن موسى طلب فنجانا من القهوة الأمريكية، أما أبوالفتوح فقد اكتفى بفنجان من القهوة التركية، الأمر الذي تصيده بعض الخبثاء واعتبروه إشارة لها دلالتها السياسية. مرحبا بالتراشق المهذب بين المرشحين للرئاسة، وبشقاوة وتخابث المتابعين، طالما أننا نتقدم على طريق تأسيس معنى الديمقراطية بديلا عن مصر مبارك.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2648
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1057
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
696
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
17505
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3924
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3381
| 30 أكتوبر 2026