رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قال تعالى " ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ " ( سورة الحديد – 7 )
قاعدة عظيمة في التربية المالية، تقضي بأن الملك لله سبحانه وتعالى وأن المال هو مال الله وما أنت أيها العبد إلا مستخلف عليه لينظر الله ماذا أنتم صانعون به وكيف تنفقونه وفيما تنفقون؟
والأصل في الإنفاق في هذا السياق هو البذل والانفاق في وجوه الخير وفيما يرضي الله تعالى. والاعتدال والتوسط في الانفاق وعدم الاسراف والتبذير أو البخل والتقتير، فالاعتدال في الإنفاق أحد السلوكيات الغائبة ضمن نطاق بعض الأسر القطرية، فالآباء لا يبذلون الجهد الكافي لغرس أسس وقواعد التربية المالية السليمة في نفوس أبنائهم فينشأ الأبناء على مقولة " اطلب تطاع ولو فوق المستطاع "
وهذه نتيجة طبيعية للإفراط الزائد في الدلال وعدم التفكير بمستقبل هذا النشء الذي سوف يكون جزءا من بناء مجتمع كامل يحتاج إلى العقول المدبرة والمتزنة نفسيا.
ولقد سادت مظاهر الاسراف مؤخراً بشكل لافت وساهم معظم مشاهير التواصل الاجتماعي في انتشارها بشكل مخيف ومهدد لأخلاقيات المجتمع حيث لم يعد ذلك المشهور يطمح في الشهرة وكفى ! بل تأججت رغباته وتنامت بعد أن تذوق طعم النشوة من أجور الدعايات والإعلانات التي يصدرها للشباب المتعطش لأي طُعمٍ جديد.
ويجري السباق بين هؤلاء على مبدأ من ينقل الصورة الأكثر إثارة وتأثيراً أولاً !! فهذا مطعم جديد وذاك مقهى يكاد يبدأ أول يوم له في السوق وهذا آخر يقدم قائمة طعام محدثة وهنا مجموعة مقاهٍ ومطاعم مصاحبة لفعالية ما، فتربح المقاهي والمطاعم وتخسر الأخيرة !!
إن سطوة هؤلاء جعل بعض الشباب عبيدا لبطونهم ولشهواتهم وقيد تفكيرهم " بكروشهم " لذا ترى الشباب - وقد وجدوا في المطاعم والمقاهي أحضان الأم الدافئة - ينتقلون بين مقهى وآخر ويتجولون في الشوارع والساحات التي تتسابق في جذبهم بمقاهيها المشهورة والعالمية.
وقد نلاحظ ازدياد مشاريع المقاهي بشكل واسع ومطرد غير معهود وذلك نزولا عند الطلب المتزايد لمثل هذه المشاريع التي روج لارتيادها مشاهير التواصل الاجتماعي بشكل أقرب الى الهوس !! فأصبحت طقساً مقدساً ورمزاً للتطور والحياة العصرية وجزءًا لا يتجزأ من حياتهم " الستايل "!!
وقد ساهم الفراغ الثقافي والروحاني لدى البعض في نمو حالات الهوس بالأشياء وبما يطلق عليه " الهبات " التي يتنافس إليها بعض أصحاب المشاريع كأفكار للتسويق والترويج عن منتجاتهم. واللافت للنظر انهم قد شطحوا في تفكيرهم فتجرأوا على تنفيذ بعض الأفكار الهزلية والتهكمية استهزاءً وسخرية بالعقول الجوفاء. ولا أعجب من ذلك فمن استخف بذاته قل تقدير الآخرين له !!
كما يساهم العامل المادي بالدور الكبير في تغذية مثل هذه الظواهر المتفشية مؤخراً. حيث يبدد بعض الشباب معظم الراتب في الخروج مع الأصحاب لارتياد المقاهي ونحوها.
ولا ينتهي الأمر بزيارة مطعم أو مقهى كل يوم ! إذ لا يمكن لهذا أن يشبع شغفهم المتصاعد حيث عليهم تلبية كافة الأذواق والرغبات أنهم محكومون بلائحة أوجدوها لأنفسهم لإرضاء كافة الميول. ويعتبر حشو حساباتهم بالصور والفيديوهات لإرسال رسائل مبطنة لمتابعيهم مطلباً جوهرياً لا يمكن تجاهله إذ يختلف اختيار الأماكن باختلاف الغرض من تلك الرسائل!! ولربما تُصادف نفس الأشخاص الذين التقيتهم في مطعم في مشيرب منذ قليل يتناولون القهوة في مقهى في الحزم!! ثم بجانب كشك في الوسيل!!! ناهيك عن تناول الايس كريم في اللؤلؤة وبعده كوب من " الكرك " في كتارا قبل العودة إلى المنزل !!!
مخطط يومي يتيح لهم توثيق تنقلاتهم وتداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي، فالإشباع هنا له ابعاد فسيولوجية وسيكولوجية بالغة يجب أخذها في عين الاعتبار.
وعلى نقيض مقولة " نحن نأكل لنعيش لا نعيش لنأكل " فلا غرابة إذا ارتفع معدل نسبة السمنة ليصبح 70% من السكان !! فالسلوكيات الخاطئة في التعامل مع المعطيات السابقة محفز ومنشط على شيوع السمنة وتناميها يوماً عن يوم.
إن القضية أكبر وأعمق من ذلك بكثير فهذه سلوكيات عبثية وعادات متوارثة تلتصق بالفرد ناتجة عن قصور في الوعي المجتمعي وفشل في إدراك معنى التطور الحضاري واختلال ثقافي عززته قيم رخوة ومثل معكوسة !!
ولعلك تتساءل معي كيف ستسهم هذه الشريحة ذات القيم الجوهرية المشوهة والتي تفتقر إلى حس المسؤولية في بناء وطن يسعى لارتقاء سلالم المجد والرفعة ويحافظ على مكان له في مصاف الدول المتقدمة فكريا وثقافياً وأخلاقياً ؟؟
فالإنسان هو أساس القوة واللبنة الأولى في الرقي وازدهار المجتمعات. لذا يتعين على كل منا أن يقيَم ممارساته ويرفع من وعيه فيقبض على عاداته وسلوكياته السلبية فيصلحها ويبدأ في تحسين ذاته وتنميتها، فسلوكنا هو نتاج أفكارنا ولكي نغير سلوكياتنا يجب أن نغير في أفكارنا فالأفكار ركيزة من ركائز التقدم ورفعة المجتمع فإما أن تساعد في نمو المجتمعات أو تكون عائقاً أمام هذا التطور. وحريٌ بالأسرة أن تلعب دورها بشكل أكثر كفاءة في تشكيل القيم التي يترعرع عليها الفرد لترفد الوطن بعناصر يعتمد عليهم في بناء نهضته وتقدمه فلن نستطيع التغلب على هذه السلوكيات والظواهر السلبية إلا بتكاتف جهود الأفراد والأسرة ودور المنظمات الاجتماعية والثقافية في التوعية المجتمعية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4263
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3207
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1128
| 28 سبتمبر 2026