رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الولايات المتحدة الأمريكية بلغت شأواً عظيماً، مادياً وتكنولوجيا، بيد أنها تنحدر في ذات الوقت نحو دَركٍ سحيقٍ أخلاقياً وقيميّاً.. فهل يجوز لنا التعبير عن واقع العنصرية المتنامي في أمريكا بهذا الوصف خاصة أنه صادر من مؤسسة مفصلية مثل مؤسسة الشرطة؟ ولماذا تجددت الاعتداءات على السود بل تكاثرت وتعدّدت في عهد أول رئيس أمريكي أسود؟ مع الإشارة لقول مختص اجتماعي أمريكي يدعى هانت، بأن ظاهرة عنف الشرطة الممارَس على السود لها جذورها وخلفياتها قائلا: "لدينا رئيس أسود لكن معظم الأمريكيين السود يعانون حاليا من سوء الأحوال الاقتصادية أكثر مما كانوا عليه قبل 20 عاما"، إنهم مهمشون في جميع مجالات الحياة.
إن خطورة الظاهرة تكمن في صعوبة وصف تفاعلاتها بالحوادث المعزولة، كما يفعل السياسيون حين يعمدون للتقليل من شأن أمر أو إخفاق يُسألون عنه، ذلك لأن ثلاث حوادث قتل مفجعة استهدفت مواطنين سودا عزلا في ثلاث ولايات "ويسكنسون" و"ميسوري" و"نيويورك"، خلال بضعة أسابيع. فالشرطة المعنية بحماية القانون هي الجاني والمجرم، أليس هذا دركا سحيقا؟ ولا يقتصر عنف الشرطة ضد المواطنين السود على مدينة بعينها، فالاعتقالات التي تستهدف السود تزداد وتيرتها، رغم أن البيض يرتكبون مخالفات مماثلة وربما أكثر.
آخر الحوادث المؤلمة كانت الإثنين الماضي حين قتل ضابط شرطة أمريكي- وهو أبيض- من مدينة أتلانتا بولاية جورجيا مواطنا أمريكيا أسود عاريا وأعزل، مما أثار اتهامات بعنصرية قوات الأمن الأمريكية في التعامل مع الأقليات عموماً. وتكرار حوادث القتل بهذا التتابع أضعف من المبررات والحجج التي دفع بها رجال الشرطة، وقال متحدث باسم الشرطة إن الضابط المتهم قابل الضحية في موقف سيارات تابع لأحد المجمعات التجارية وهو عارٍ تماما، مشيراً إلى أن الرجل ركض نحو الضابط الذي تراجع وطلب من الرجل أن يتوقف قبل أن يطلق عليه الرصاص مرتين.. وأكثر ما وضع الشرطة في حرج، تقرير وزارة العدل الأمريكية الذي قطعت به قول كل خطيب والذي أشار إلى أن شرطة فيرجسون في ولاية ميسوري وسلطات المدينة تمارس نمطاً من التمييز العنصري واستخداماً مفرطاً في القوة ضد الأمريكيين السود. وأشار وزير العدل إلى أن التقرير أثبت انتهاك كل من الشرطة والسلطات في المدينة المذكورة الحقوق الدستورية للسكان السود بشكل روتيني وممنهج، وممارستهما تمييزا عنصرياً بحقهم. الأمر الذي أدى لاستقالة مدير مدينة فيرجسون الذي كان يتولى المنصب منذ (8) سنوات عقب نشر هذا التقرير الدامغ وهو أعلى سلطة تنفيذية غير منتخبة في المدينة وتعد هذه الاستقالة هي الثانية في فيرجسون حيث استقال قبله أحد القضاة على خلفية نفس تقرير. وتشير الإحصاءات إلى مدى انتشار الوباء، حيث بلغت نسبة حالات التفتيش في صفوف السود في فيرجسون 92% ووصلت نسبة الاعتقالات في أوساط سائقي السيارات من السود إلى 93%، في العام 2013، وذلك رغم أن الشرطة وجدت أن عدد المخالفات التي ارتكبها البيض (34%) أكثر بكثير من تلك التي ارتكبها السود (22%).
وغير الشرطة وفي إطار العنصرية الممنهجة هناك ما يعرف بـ"منظمة فرسان الإمبراطورية الجديدة في الولايات المتحدة" العنصرية تطالب رجال الشرطة الأمريكية البيض بتصفية الزنوج ومن ثم "تطهير" الأراضي الأمريكية منهم على حد زعمها، وتشن المنظمة حملة دعائية منذ الشهر الماضي على السود.. وتتهم المنظمة رجال الشرطة بأنهم لا يطاردون السود ولا يلاحقونهم، كما كانوا يطاردون اليهود في القرون الوسطى. ورصدت هذه المنظمة العنصرية جائزة مالية ضخمة للضابط الأمريكي المتهم بقتل الشاب الأسود "مايكل بروان" بل وصف الموقع الرسمي للمنظمة الشاب القتيل بأنه مجرد واحد من السود الأشرار؟!
والعنصرية غير أنها كراهية غير مبررة وبدون أسباب، هي اعتقاد بأن هناك فروقًا وعناصر موروثة بطبائع الناس فقط لانتمائهم لجماعة أو لعرق ما وبالتالي تبرير معاملة الأفراد المنتمين لهذه الجماعة بشكل مختلف اجتماعيا وقانونيا.. المدهش أنه بعد نصف قرن على القمع الوحشي لمسيرة دخلت التاريخ من أجل المطالبة بالحقوق المدنية بقيادة القس الأسود مارتن لوثر كينج، دعا الرئيس باراك أوباما الأسبوع الماضي، أمام آلاف الأشخاص المحتشدين في مدينة سلما بولاية الأباما، إلى مواصلة النضال لمكافحة التمييز العنصري في الولايات المتحدة. وداعيًا أيضًا إلى رفض المنطق القائل بأن "العنصرية اختفت".. وقال أوباما منفعلا: "لسنا بحاجة لتقرير فيرجسون لمعرفة أن هذا الأمر ليس صحيحا"، في إشارة إلى تقرير وزارة العدل سالف الذكر.. وجاءت الحوادث الأخيرة متزامنة مع الذكرى السنوية الخمسين للمسيرة من أجل الحقوق المدنية للسود أو ما يعرف بـ"الأحد الدموي" الذي شهد اشتباكات عنيفة بين رجال الشرطة البيض والأمريكيين السود عام 1965، وهي اشتباكات أسفرت لاحقا عن إصدار قانون يقضي بحق الأمريكيين السود في التصويت.
السؤال هو: هل تحطم حلم مارتين لوثر كينج؟ في خطبته الشهيرة المعروفة باسم "لدي حلم" تحدث القس المغدور، داعية الحقوق المدنية الشهير عن حلمه لأطفاله الأربعة، الذين سوف يعيشون يوما ما في دولة، لا يحكم فيها على أساس لون بشرتهم وإنما شخصهم وأفعالهم.. ومارتن لوثر ولد في 15 يناير عام 1929. وتم اغتياله في 4 أبريل 1968 بواسطة متطرف أبيض، وهو زعيم أمريكي من أصول إفريقية، وناشط سياسي إنساني، دفع حياته ثمنا لمطالبته بإنهاء التمييز العنصري ضد السّود.. في عام 1964م حصل على جائزة نوبل للسلام، وكان أصغر من يحوز عليها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4254
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3180
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1119
| 28 سبتمبر 2026