رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الرئيس الراحل هوغو شافيز كان معجبا بعبدالناصر، هذا ما صرَّح به لإحدى الفضائيات العربية مبيناً أنه وطيلة حياته العسكرية في الجيش كان يتمثل بالزعيم العربي.
في الواقع إن مظاهر كثيرة يتشابه فيها الزعيمان: فمن حيث السياسة الخارجية وبخاصة تجاه الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل. أو في السياسات الداخلية وموقف كل منهما تجاه الفقراء والمحرومين في بلاده. أو من حيث التوجه نحو السياسات الاقتصادية اليسارية.حتى في الموت فثمة مظاهر مشتركة بين جنازتيهما.هذا الحشد الجماهيري الواسع ودموع الملايين من الناس تنهمر على الوجوه في حزن نابع من القلب، إضافة إلى الحزن الشعبي التلقائي في الوطن العربي والعالم بالنسبة لعبد الناصر، وفي أمريكا اللاتينية وعلى صعيد دول عديدة لشافيز.
الفلسطينيون كما الأمة العربية افتقدوا شافيز رئيساً صديقاً للقضايا الوطنية العربية وبخاصة تجاه القضية الفلسطينية. ولذلك كان الحزن الفلسطيني والعربي عارماً على الرئيس الراحل، فلا يمكن أن يُنسى طرد شافيز للسفير الإسرائيلي من كراكاس واستدعاؤه للسفير الفنزويلي من تل أبيب أثناء العدوان الصهيوني على قطاع غزة في عامي 2008 ،2009 وهو الذي طالب بمحاكمة قادة إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية.
فنزويلا في زمن الرئيس الراحل أصبحت دولة قوية معروفة في كل أنحاء العالم، فالرئيس الذي يعشق الديمقراطية وصناديق الاقتراع، آمن بها مبدأ أساسياً للتغيير في فنزويلا.. جابه الولايات المتحدة ولم يخش حصارها مثلما تصرفت تجاه جزيرة الحرية في كوبا. التي لا تزال محاصرة للعام الستين على التوالي.
شافيز شقّ طريقه التغييري وسط الأنواء والعواصف؛ حارب البطالة والفساد والجهل والمرض والعجز، واهتم بالرعاية الصحية والتعليم ونشر مبادئ العدالة والمساواة واحترام حقوق الإنسان والتقدير للشعب، أحب شعبه وعمل على تحقيق مصالحه، فبادله شعبه وشعوب أمريكا اللاتينية كل هذا الحب والوفاء والاحترام.
تمرد شافيز على الأعراف السائدة في عالم القطب الواحد؛ فعلى صعيد الدول في أمريكا اللاتينية وفي الجمهوريات التي أطلقت عليها واشنطن "جمهوريات الموز". واعتبرتها حديقتها الخلفية. فمارس سياسة يتحدى فيها واشنطنـ، هذا الاشتراكي المسكون بالعدالة والعداء للاستعمار بكل مظاهره وأشكاله كان قائداً مُلهماً للعديد من دول أمريكا اللاتينية. وبصناديق الاقتراع وصل الاشتراكيون والتقدميون إلى السلطة؛ في البرازيل حيث أدى التغيير السياسي والاقتصادي إلى قفزة نوعية بالنسبة لوضع هذا البلد على الصعيد العالمي.
ساعد شافيز على التغيير في كل من الأورغواي وبوليفيا وغيرهما من الدول.امتلك أفضل العلاقات مع كوبا ومع الزعيم فيديل كاسترو، وهو كرر تجربة سلفادور الليندي في تشيلي وإن كانت بطريقة مختلفة.
لقد بدت كل من واشنطن وتل أبيب بعد وفاة شافيز، وكأنهما بانتظار هذه اللحظة، فالناطق الرسمي باسم كل منهما أعرب عن أمله في عودة العلاقات مع فنزويلا إلى سابق عهدها في العهد الجديد. لكن من المشكوك فيه عودة علاقات كاراكاس مع هاتين الدولتين إلى سابق عهدها، فخليفة شافيز نائبه نيكولاس مادورو هو من تلاميذ مدرسة النهج الشافيزي وسيظل وفياً إليها، وهو بعد شهر سيخوض الانتخابات وغالباً ما سيكون في مواجهة المعارض هنريكي كابريليس الذي صرح للصحفيين بعد وفاة الرئيس "بأن شافيز كان خصماً وليس عدواً "هذا رغم أن شافيز كان يوجه إليه أوصافاً قاسية.
غالباً سيظل النهج الشافيزي قائماً ليس في فنزويلا فحسب، وإنما في أمريكا اللاتينية. فبرغم أن الفترة التي قضاها شافيز في الحكم لا تتجاوز (14) عاماً. لكنها تجربة انزرعت في عمق الشعب الفنزويلي. فهي تمثلت في السياسة الخارجية، وفي التطبيقات الاقتصادية فقد قامت على امتلاك الدولة لمؤسسات القطاع العام الأساسية؛ ومن أهمها البترول، الذي تضاعف أسعاره في السنوات الأخيرة، الأمر الذي أسهم في مساعدة شافيز على المضي قدماً في إصلاحاته الاقتصادية، وهي إصلاحات أصبحت في موقع متقدم ومن الصعوبة بمكان عودتها إلى الوراء.
على الصعيد الداخلي فالشافيزية قامت على احترام حقوق الإنسان في فنزويلا، وعلى تطبيق الديمقراطية. فالرئيس شافيز استفاد كثيراً من فترة سجنه بعد قيادته لانقلاب عسكري فاشل، واجه الاستعمار من صناديق الاقتراع معتمداً على الجماهير الشعبية وعلى ما يؤمن به من قيم عناوينها: الحرية والعدالة والكرامة. والثروات من أجل خدمة الشعب، أولاً وأخيراً.. ومن أجل الارتقاء بالوطن.لذا رغم الكره الشديد من قبل واشنطن لشافيز لم تستطع التسجيل عليه أي مآخذ. ولا تمكنت من اتهامه بالدكتاتورية.
لكل ذلك فإن الشافيزية لها ما يدعهما ويساعد على استمرارها. وبأنها لن تكون مرتبطة بشخص الرئيس شافيز. بالقدر الذي هي فيه نهج أثبت صحته وصوابيته على صعيد التطبيق الفعلي.كل ذلك لا يكفي كي تستمر الشافيزية: فهي وإن امتلكت حزباً يعتنق أيديولوجية تعبر عن نفسها بالمثل التي طبقها الرئيس وهو: الحزب الاشتراكي الموحد لفنزويلا، لكنها بحاجة إلى التغلغل كمعتقد أيديولوجي بين غالبية الشعب الفنزويلي وشعوب أمريكا اللاتينية ويتوجب أن تخرج من دائرة الارتهان بشخص الرئيس أو نائبه. وإن استمرت لمرحلة فما هي الضمانات لاستمراريتها مستقبلاً؟.. من قبل تصورنا أن الناصرية لن تكون مرتبطة فقط بوجود شخص الرئيس عبدالناصر وذلك لوجود الحزب الذي هو "الاتحاد الاشتراكي العربي" والذي تبين بعد تسلم السادات لمنصب رئاسة الجمهورية: أن الاتحاد الاشتراكي العربي كان بناء هشاً، لا يفرض معتقداته على الرئيس. بل الأخير هو الذي يقولبه كيفما يشاء. بالسياسات التي انتهجها السادات على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية على المستويين الداخلي والخارجي مثّل ردّة حقيقية عن كل السياسات التقدمية الناصرية.لذلك نتمنى على الشعب الفنزويلي وقيادة الحزب النضال من أجل تحويل تطبيقات الرئيس الراحل شافيز وسياساته إلى نهج أيديولوجي معتنق يتبناه الحزب الاشتراكي الموحد لفنزويلا. حزب يعتمد على الجماهير الفنزويلية الواسعة التي تؤمن تماماً بهذا النهج وهذه المدرسة، فلا يمكن الاتكاء على تراث وتجربة الرئيس شافيز والقول بأن المستقبل وحده سيكون كفيلاً بالمحافظة عليها والدفاع عنها.
الشافيزية مثل الناصرية تجاوزت الإطار المحلي. لتنتقل إلى العديد من دول الجوار.ليس أدل على ذلك من وصول حكّام يساريين تقدميين إلى العديد من دول أمريكا اللاتينية. وبذلك اغتنت هذه التجربة بتجارب شعوب أخرى مجاورة، وهذا يصب في مجرى تسهيل ترسيخها كتجربة وكنهج.المطلوب أيضاً من القيادة الفنزويلية الجديدة: عدم ترك ثغرات تتسلل منها واشنطن ودول محلية عديدة أخرى مهيأة للانقضاض على التجربة الشافيزية. لأن أعداء هذا النهج حريصون وسيظلون يعملون من أجل القضاء على التجربة في مهدها، تماماً مثلما قضوا على المكتسبات التي كان الرئيس عبدالناصر قد حققها للشعب المصري.
هوغو شافيز سار على هدى خطى فيديل كاسترو. وجيفارا. وباتريس لومومبا. ونيسلون مانديلا، وعلى طريق عبدالناصر. وأحمد بن بله. وكل الثائرين ليس على صعيد دولهم فحسب، وإنما على صعيد آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
يكفي شافيز فخراً أنه دخل التاريخ من أوسع أبوابه كابن بار للشعب الفنزويلي ولشعوب أمريكا اللاتينية. وللشعوب التي ناضلت لسنوات طويلة من أجل حريتها واستقلالها وتقدمها الاجتماعي. وسيظل رحيل شافيز خسارةً لا تعوض.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
1920
| 15 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
1347
| 16 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1164
| 11 أكتوبر 2026