رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كم من الوطنيين على استعداد لتحمّل فكرة أن الشعب والوطن والمواطن مفاهيم دخلت عقولنا وقلوبنا مثلما دخل مطبخَنا "الكرواسان" وخبزُ "الباغيت" (La baguette) والبطاطا المقلية؛ أي في ركاب استعمار فرنسي رحّلْنا جسمَه وحافظنا على روحه بالحفاظ على الكثير من عاداته وأفكاره وقيَمه؟
أليس من الغريب أن يَدين الوطنيون العرب بتصورهم للشعب لمفكرين أوروبيين من القرن التاسع عشر، من بينهم الشعراء الرومانطيقيون الألمان، والأدباء الروس مثل تولستوي ودستويفسكي، ومفكرون يمينيون عنصريون فرنسيون أشهرهم موريس باراس (1862 - 1923) الذي أكثر من عبارات مدح وإطراء وتعظيم "البسطاء"، وهم في نظره من تتملكهم "غريزة الحق"، ومن يشكلون "مستودع الروح الوطنية الحقيقية"، و"أصحاب الفعل في مواجهة أصحاب القول من مثقفين وجامعيين لا خاصية لهم إلا الثرثرة الفارغة".
كم من سياسيينا يعرف أن لويس نابليون الذي حكم فرنسا تحت اسم نابليون الثالث (1852 - 1870) هو من اخترع التقنيات السياسية الحديثة، مثل خُطب تمجيد الشعب والتودّد لعامة الناس بزيارة القرى والأرياف واستقبالهم في القصر، وذلك في قطيعة مطلقة مع العرف الذي كان سائدا قبل الثورة الفرنسية، أي عُرف تودّد الشعب للحاكم والسعي لإرضائه وزيارته في القصر، لا لتلقي التكريم وإنما لأداء فروض الطاعة؟
باستعمال لغة العصر؛ يمكننا القول إن هذه الصورة للشعب تتنافى كليا مع صورته في "البرمجية" (Logiciel) التي تحكمت في عقولنا أربعة عشر قرنا. فهذه البرمجية التي ورثناها عن آبائنا وأجدادنا لا تَرى في أفراد المجتمع الإسلامي شعبا، أيْ جمع سيّد نفسه ومشرّع القوانين التي تحكمه، وإنما رعيّة أملها الوحيد راعٍ صالح، أمة مؤمنين تعيش في ظل أحكام القرآن وحده والحكم الذي أقرّه (الخلافة)؛ أما قيمة كل فرد فتُقاس بمدى تقواه وإيمانه وطاعته لوليّ الأمر.
منّا من لا يزال يرفض بقوةٍ البرمجية الحديثة، مُدينا ما حملت ولا تزال تحمل من تشويش عميق في مجتمعاتنا، إذ من الصعب التوفيق بين برمجيتين متناقضتين. لكن المعركة تمّ الحسم فيها لصالح تجديد لم ولن يتوقف، وكل الأمم مضطرة دوريا لتحيينٍ موجعٍ لبرمجياتها، سواء أحبت أم كرهت، نبع التغيير من داخلها أو من ضغط خارجي.
المشكلة ليست إذن الجذور الغربية وحتى الاستعمارية لمفهوم الشعب، ولكن ما آل إليه من استعمال في عالمنا العربي، بل وفي كل العالم الذي طبعته الحضارة الأوروبية على مدى القرنين الأخيرين، بطابع لن يمحى قريبا.
لننقّب تحت غشاء المفهوم الفضفاض عن المصرَّح به وعن المخفي، وسنكتشف كيف طوّحنا به في اتجاهين على طرفيْ نقيض: طرف ينضح ببقايا الرؤية القديمة وبأسوأ ما فينا، وطرف معاكس ينضح بأوهام العصر وبأخطر ما فينا.
بعد أيام من انتخابي من طرف المجلس التأسيسي رئيسا للجمهورية، على إثر انتصار ثورة 17 ديسمبر/كانون الأول المجيدة؛ دخل عليّ مختصّ في القانون الدستوري من عائلة عريقة ليقترح - حسب طلب المقابلة - أفكاراً بخصوص الدستور المقبل.
جلس الرجل أمامي وأنا ملتحف بِبُرْنُسِ وَبَرِ الإبل الذي كنت ألبسه قبل تعييني، وواصلت استعماله أثناء وبعد مغادرتي السلطة. حدّق فيّ ابن طبقة الأحياء الراقية لا يخفي مشاعره، ثم بادرني بنبرة غلب فيها الوجع كلَّ الخنوع الذي تربّت عليه طبقته أمام أي سلطة: "لم أكن أتصور يوما في حياتي أن شخصا مثلك سيجلس على هذا الكرسي".
المسكين! لم يتحمل صدمة رؤية رجل من "العامة" - لا يخفي ولا يخجل من أصوله - على كرسي الرئاسة، ولم يستطع للحظة السيطرة على طبقيته وعنصريته وجهويته التي كان يخفيها ربما حتى عن نفسه.
فجأة تذكرت قصة حدثت لوالدي وهو طالب في أربعينيات القرن الماضي في جامع الزيتونة المعمور، رواها لي بين استهزاء وغضب لم يخفت عقودا، مفادها أنه سأل في حلقة الدرس شيخا معروفا من أعرق الأصول الحضرية عن مسألة ما، فردّ عليه الشيخ بحدّة وقد انتبه للهجته البدوية: يا ابني لماذا لا تعود لصحرائك ترعى الجمال وتترك العلم لأهله؟
كان الشيخ وطبقته في تلك الأيام يقسّمون ما نسميه اليوم الشعب إلى الخاصة والعامة، وهذه الأخيرة مكوّنة أساسا من النازحين إلى العاصمة طلبا للرزق أو للعلم، ويسمونها "الآفاقيين" أي الآتين من الآفاق البعيدة، من أراضي الجفاف والفقر.
اختفى هذا المصطلح من القاموس لتستبدله خاصّةُ اليوم - وقد أطلقت على نفسها اسم "النخبة"- بألفاظ أخرى للتعريف بعامة التونسيين، أو بفقراء منطقة بعينها؛ مثل: "القعر" و"الحفتاريش" و"البلغار" و"الزرنات" و"الأباش" والـ"08". أخيرا طلعت علينا نائبة في البرلمان السابق بلفظ "من وراء البلايك"، أي من وراء علامات الطريق التي تشير إلى قرى لا يعرفها إلا من ابتلوا بالولادة والعيش فيها.
في كل قُطر عربي تجد مصطلحات تنضح بنفس الاحتقار؛ وقد يكون المصطلح المصري "الغلابة" أثراها، فهو يجمع في كلمة واحدة معانيَ ثلاثة تصف عامة الناس بأحسن وصف: الأغلبية... المغلوبة على أمرها... الغالبة بإذن الله عندما تنتفض لحقوقها. وفي الماضي عرّفَت نفسُ "النخبة" هؤلاء الغلابة بالرعاع والسوقة والدهماء.
الطريف في الأمر أن تسمع البعض في تونس يحدثونك عن الأغلبية التي ينتمون إليها بتسميتها "الشعب الكريم" من باب السخرية، لأن المغلوب يقلد الغالب - كما يذكر ابن خلدون- حتى في نظرته لنفسه التي يراها عبر عينَيْ الغالب. وهنا طُرفة على سبيل المثال: في إطار سياسة فتح القصر الرئاسي للمواطنين؛ أحدثتُ برنامجا لزيارة أطفال المدارس كل يوم أحد للقصر، واستضافة سكان الأحياء الشعبية والأرياف للغداء معي كل يوم جمعة.
وأذكر أن المسؤولة عن البرنامج زلّ لسانها في أحد الاجتماعات عندما وصفت ضيوف الجمعة - مستعملة كلمة فرنسية- بأنهم "الشعب الصغير" (Le petit peuple)، وهو المصطلح الذي تستعمله "النخبة" الفرنسية بنفس الازدراء. لم تحافظ على منصبها إلا باعتذار مليء بالحرج، وخاصة لأنها كانت تؤدي مهمتها مع "الشعب الصغير" بكثير من التفاني.
وتبقى اللغة - ماضياً وحاضراً- أحسن دليل على العقليات والمواقف المخفية أحيانا بمهارة؛ فكلمة "الشعب الكريم" أو "الشعب الصغير" - ناهيك عن المصطلحات الأكثر فجاجة وعدوانية - تحيل إلى شعب تدنّسه "النخبة" وهي ترميه بكل القاذورات المعنوية، تعيّره جهرا أو سرّا بجملة من الخصائص التي تتخيّلها جزءاً من طبعه ومن طبيعته، مثل الجهل والكسل وقلة الأدب والخشونة والبلادة.
إنها بالطبع صورة مفبركة لا وجود لها إلا في مخيّلة مريضة، لكن "النخبة" بأمسّ الحاجة إلى تعهدها وإشاعاتها حتى بين ضحاياها، وهي تبريرها الوحيد لاستحواذها على القدر الأكبر من الثروة والسلطة والاعتبار، والأمر لا يكون مقبولا إلا إذا كان وضع هؤلاء "الغلابة" نتيجةَ هذه الخصائص لا نتيجةَ ظلم وعنف وقمع للأقلية.
الخلاصة أننا نجد أنفسنا - ونحن نقلب مفهوم الشعب - أمام صورتين وهميتين له؛ إذ لا يوجد عاقل يؤمن لحظةً بأن أغلبية البشر العاديين تستأهل احتقار النخبة المتمكنة، أو أنها تستأهل تأليه النخبة الساعية للتمكن.
والسؤال الذي يفرض نفسه بعد كل هذا الكلام: هل هناك شعب موضوعي شوّهته هذه الصور النمطية وهل يمكننا معرفته دون أن نضيف للوهمَين وهماً جديدا؟ نعم؛ هذا الشعب الحقيقي موجود ويمكننا معرفته بدقة، خاصة أنه يصنع تاريخنا الحديث تحت أعيننا، إنه ما أسميه شعب المواطنين... وللحديث بقية.
المصدر: الجزيرة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3426
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3195
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1236
| 01 أكتوبر 2026