رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما أن تصل المكان، حتى تتفاجأ بأكواب الشاي الورقية تملأ الأرض، يلقيها بعض المارة دونما اكتراث فور انتهائهم من احتساء مشروبهم المفضل وهو(الكرك)، ذلك المشروب المؤلف من الشاي والحليب وبعض البهارات والذي استمد اسمه من اللغة الهندية، وأصبح شربه ثقافة عامة لدى المجتمع القطري والخليجي عموماً، وسلوكا متأصلا لدى كافة شرائح المجتمع، إلا أنه متهم من قبل أخصائيين التغذية بأنه سبب من عدة اسباب للسمنة التي يعاني المجتمع من ارتفاع معدلاتها.
أما المكان فهو وللمفارقة الساحة التابعة لأحد الأندية الرياضية، حيث تنتشر في تلك البقعة الصغيرة سيارات بيع الطعام والمقاهي المتنقلة، (فود تراك)، فعوضاً عن أن يكون هذا المكان مخصصاً لأنشطة رياضية، او أنشطة تجارية متعلقة بالرياضة، استثمرت بعض الأندية المساحات المحيطة بها بتأجيرها لأصحاب المطاعم المتنقلة، في خطوة يعتبرها كثيرون ترسيخا للعادات الغذائية والأنماط السلوكية السلبية والخاطئة.
وبالرغم من الجهود المضنية التي تبذلها الدولة في سبيل تعزيز أسلوب حياة صحي وتشجيع اتباع نمط غذائي متوازن والحث على ممارسة الرياضة كأسلوب حياة مستمر، نجد أن الهجمة الشرسة من قبل شركات تصنيع الأغذية او المطاعم ومشاهير وسائل التواصل الاجتماعي وحتى الناس أنفسهم دون وعي منهم بذلك، أدت الى إضعاف النتائج المرجوة من الإجراءات التي تتخذها الدولة في سبيل مكافحة السمنة وما يرتبط بها من أمراض، فهل تكفي الجهود المبذولة في صد تلك الهجمة الشرسة والتي تقف وراءها رؤوس أموال ضخمة، وشركات ومؤسسات عابرة للقارات؟، أم إن الأمر يتطلب اتخاذ إجراءات أكثر صرامة وحلولا مختلفة بهدف توعية الناس بالمخاطر المترتبة على اتباع أنماط غذائية واستهلاكية خاطئة والحد من تأثر تلك العادات؟.
تشير إحصائيات منظمة الصحة العالمية لعام 2014 إلى أن الأشخاص المصابين بالسمنة في دولة قطر يشكلون نسبة تجاوزت الـ 40%، في حين تجاوزت نسبة الأشخاص الذين يعانون من زيادة الوزن 78.1% بحسب الاحصاءات نفسها، في حين تعد السمنة السبب الخامس والرئيس للمخاطر الصحية على المستوى العالمي، كما انها سبب للإصابة بجملة من أخطر الأمراض كسرطان القولون، وسرطان الثدي، إلى جانب الإصابة بالسكري من النوع الثاني، وبناءً على إحصائيات منظمة الصحة العالمية فإن من بين عشرة أشخاص في قطر هناك 7 أشخاص مصابون بزيادة الوزن، و3 من بين 10 أشخاص مصابون بالسمنة.
وقد حذرت إحصائيات وزارة الصحة والاتحاد الدولي لمرضى السكري من ارتفاع نسبة الاصابة بمرض السكري في قطر خلال السنوات الأخيرة، خاصة للأطفال الاقل من 14 سنة، كما حذر الاتحاد الدولي من إصابة ربع المواطنين بالسكري بحلول عام 2030.
وأمام هذه الحقائق يتبادر الى الذهن سؤال جوهري، عن جدوى الجهود المبذولة في مكافحة السمنة والامراض المرتبطة بها، وهل يجب علينا كحكومات وافراد ومؤسسات مجتمع مدني بذل مزيد من الجهود؟ أم تغيير الاستراتيجيات المتبعة لمواجهة هذه المخاطر؟.
جهود وزارة الصحة العامة
تبذل الدولة عبر وزارة الصحة العامة جهودا مضنية للحد من ظاهرة السمنة وخفض معدلاتها، إدراكاً منها لخطورتها على الفرد والمجتمع، حيث يتكبد العالم سنوياً 700 مليار دولار بسبب السمنة، وفي إطار تلك الجهود أنشأت الدولة مؤخراً المركز الوطني لعلاج السمنة التابع لمؤسسة حمد الطبية لتدعيم جهود مكافحة السمنة، في حين أجرى قسم جراحات الأيض والسمنة التابع للمؤسسة منذ افتتاحه في عام 2011، آلاف العمليات الجراحية التي تهدف للقضاء على السمنة كالتكميم وتحويل المسار وغيرها من التدخلات الجراحية، وفق أحدث التقنيات وآخر ما توصل له العلم في هذا المجال، إلا أن تلك الجهود يقوضها طوفان جارف من العادات الغذائية الخاطئة والنمط المعيشي المقاوم للتغيير.
وأمام تلك المعطيات، وبالنظر إلى أسلوب الحياة الذي تعيشه المجتمعات الحديثة، وما يترتب عليه من سلبيات كثيرة أبرزها مرض العصر "السمنة"، نجد أن الكثير ممن يعانون من السمنة يلجؤون في محاولتهم للقضاء عليها لاتباع الحميات الغذائية والرجيم، حيث يتوقع أن يبلغ حجم السوق العالمي للحمية الغذائية بحلول عام 2024(253) مليار دولار، في مقابل ذلك خلصت دراسة أجرتها جامعة كاليفورنيا، الى أن معظم أنظمة الحمية القاسية تفشل في تحقيق هدفها، ووفقا للدراسة فقد بينت النتائج أن من يتبعون حمية غذائية يفقدون من 5 إلى 10% من وزنهم في أول ستة أشهر، الا ان ثلثي متبعي الحميات الغذائية استعادوا وزناً أكبر مما فقدوه خلال 4 إلى 5 سنوات.
ولذلك يرى كثير من الخبراء والمتخصصين في مجال علاج السمنة أن التدخل الجراحي للقضاء على السمنة لا يعد خياراً ترفياً زائداً عن الحاجة، بل هو أمر ضروري وخيار مثالي كحل أخير للقضاء على هذه المشكلة، وحتى مع الأخذ بالاعتبار المخاطر المترتبة على التدخل الجراحي الا أن المخاطر المترتبة على السمنة والأمراض المرتبطة بها أكبر بكثير وينبغي النظر لها بجدية وعدم الاستهانة بها.
ولكن قبل أن نحكم على التدخل الجراحي بأنه الحل الأمثل والطريق الأقصر لبلوغ الهدف المطلوب والولوج إلى عالم الرشاقة، ينبغي أن نطرح سؤالاً مهماً وهو: هل يعد التدخل الجراحي حلاً مثالياً ومستداماً للقضاء على مشكلة السمنة؟ وللأسف فإن الإجابة على هذا السؤال هي"لا"!، فعلى الرغم من أن التدخل الجراحي يساعد المريض للوصول الى هدفه المنشود، الا أنه لا يقدم ضمانة بأنه لن يعود لاكتساب ما فقده من وزن مرة اخرى بعد مدة في ظل استمراره بممارسة عاداته الغذائية الخاطئة، فالشواهد أمامنا كثيرة لمن أجروا عمليات التكميم وغيرها من الجراحات، ثم ما لبثوا ان استعادوا أوزانهم مرة أخرى، اذا ما الحل؟.
تعد العمليات الجراحية الرامية للقضاء على السمنة وسيلة مساعدة وليست حلاً دائماً، فمع استمرار المريض بعد إجرائه للعملية في تناول الأغذية الغنية بالسكريات عالية السعرات الحرارية، والوجبات السريعة فضلاً عن عدم ممارسة الرياضة بشكل منتظم والاستمرار في اتباع اسلوب حياة سيئ، سيعود لا محالة الى سيرته الأولى، فالعملية الجراحية هي وسيلة تساعد مريض السمنة على تغيير نمط حياته الى الأبد وتحسين جودة حياته بشرط إدراكه لذلك ورغبته الجادة في تحقيق التغيير، ودون إجراء هذا التغيير والتعويل على الجراحة فقط فإن الجهود التي بذلها المريض مصيرها الى الفشل وستذهب سدى.
وأمام تلك الإشكالية المعقدة والحلقة المفرغة، ينبغي علينا النظر لهذه القضية بجدية أكبر، ودعم الجهود التي تبذلها الدولة للقضاء على السمنة وخفض معدلاتها في المجتمع، وعدم القاء اللوم على مريض السمنة واعتباره سببا لما هو فيه وتصويره كشخص كسول يرفض الحلول المطروحة أمامه، باتباع حمية غذائية وممارسة الرياضة فقط بتلك البساطة، فالسمنة مشكلة عالمية منتشرة انتشاراً كبيراً وهي نتيجة حتمية لنمط الحياة الذي نعيشه، كما انها مرتبطة بأبعاد نفسية وسلوكية عديدة، ولذلك ينبغي تضافر الجهود لإيجاد حلول ناجعة لهذه المشكلة، والا تبقى جهودا متفرقة فهذا يبني وذاك يهدم.
لابد ان تطرح وزارة الصحة العامة خطة وطنية متكاملة بالتنسيق مع كافة الجهات الرسمية وغير الرسمية، وإشراكها في وضع حلول جادة لهذه المشكلة وتنفيذها على ارض الواقع، وعدم الاكتفاء بالخطوات المتخذة لمواجهة الاستهلاك المفرط للأغذية المصنعة والأغذية عالية السعرات الحرارية والوجبات السريعة، خصوصا إذا ما اخذنا بعين الاعتبار النشاط المحموم والترويج المفرط لأنماط استهلاكية خاطئة، تعتمد عليها الصناعة الغذائية لتسويق منتجاتها، بجانب الدور السلبي الذي تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي ومشاهيره في نشر ثقافة سلبية في التعامل مع الغذاء كوسيلة للمتعة والترفيه، لا كحاجة انسانية بيولوجية، وعلينا ألا نتوقع سهولة تغيير قناعات الأفراد وتصحيح تصوراتهم أمام هذه الهجمة العكسية الشرسة والمستمرة بمجرد القيام بتصغير البطون دون تغيير العقول.
ينبغي إعادة النظر في الاشتراطات والمواصفات والمقاييس المتعلقة بالأغذية، فكثير من الدول الاوروبية على سبيل المثال، تصنف بعض المنتجات الغذائية على أنها أغذية غير صالحة للاستهلاك الآدمي، لذلك فمن الأجدر بنا لمكافحة شبح السمنة إعادة النظر في منتجات قد تكون هي السبب وراء جملة من الأمراض التي يعاني منها المجتمع. فضلاً عن ضرورة إعادة النظر في القوانين والتشريعات المتعلقة بالأنشطة التجارية المتخصصة في مجال الأغذية، وعدم قصر الرقابة الغذائية على جوانب النظافة والجودة دون تشديد الرقابة والتدقيق في مكونات المنتجات الغذائية نفسها ومدى ملاءمتها لنا وتأثيرها على صحتنا، هذا فضلا عن ضرورة إعادة النظر في الطريقة التي يتم بها التسويق والترويج للأغذية وعدم ترك الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام الآلة الدعائية والحملات الإعلانية الشرسة، وترك الحبل على الغارب للمطاعم وشركات الأغذية لتطعمنا وتطعم ابناءنا ما يملأ جيوبهم دون تحمل مسؤولية تجاه ما يملؤون بطوننا به.
وعلى سبيل المثال لا الحصر تقوم مطاعم الوجبات السريعة بإغراء الزبون بزيادة حجم الوجبة مقابل زيادة طفيفة في السعر، الأمر الذي يشجع على تناول مزيد من السعرات، وقد بينت دراسة امريكية أن السعرات الحرارية في البطاطس المقلية التي تقدمها مطاعم الوجبات السريعة احتوت في عام 1950، على 210 سعرات حرارية، في حين انها بلغت في عام 2003، 610 سعرات حرارية! والأمر كذلك بالنسبة للمشروبات الغازية، ولذلك فقد قامت بعض الدول بمنع مطاعم الوجبات السريعة من تقديم هذا العرض ومضاعفة حجم الوجبة، وقد يرى البعض أن هذه الخطوة تحد من حريتهم وتتدخل في خياراتهم، الا أن المخاطر التي تترتب على استمرار هذا الوضع أكثر جدية من مسألة حرية الاختيار، وخلال جائحة كورونا تم اتخاذ عدد من الاجراءات التي تحد من حرية تنقل الأفراد وتلزمهم بعدد من الخطوات، الأمر الذي يُعتبر مقبولاً بالنظر الى المخاطر التي تهدد المجتمع جراء انتشار الوباء، فسلامة المجتمع أكثر أهمية من حرية الاختيار لأفراده، والسؤال هنا هو: الا تعد السمنة أشد خطراً وأكثر فتكاً وأكبر تكلفة على الدولة؟ ما يحتم علينا النظر لهذه القضية بجدية أكبر، والقيام بإجراءات اكثر صرامة، وسن قوانين تحد من تغول مطاعم الوجبات السريعة واغراءاتها، سعياً للحد من انتشار السمنة والقضاء عليها قبل أن تقضي علينا.
العلم يموت بصمت... فمن يسمع؟
في زمنٍ تاهت فيه المعايير، واختلطت فيه القيم، نقف اليوم على مفترق طريق خطير؛ طريقٍ يُرفع فيه الجهل،... اقرأ المزيد
69
| 30 يناير 2026
أهمية دور الشرطة المجتمعية فى المدارس
دور الشرطة المجتمعية مهم فى تحقيق الأمان لأولياء أمور الطلاب والمراهقين بالأخص، نظراً لبعض الحالات الاجتماعية المتعددة، فالاعتراف... اقرأ المزيد
69
| 30 يناير 2026
روبلوكس ضد الواجب.. تربية قطر تحسم اللعبة
تدخل لعبة «روبلوكس» إلى حياتي فجأة بلا استئذان، مثل ساحرٍ رقميٍّ يلوّح بعصاه فيختفي الواجب ويتبخر التركيز، ويبدأ... اقرأ المزيد
51
| 30 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
2427
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
1983
| 28 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
714
| 25 يناير 2026