رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في كتاب الربيع العربي استفادت مصر من خبرة تونس فيما يجب أن تفعله، واستفادت تونس من خبرة مصر فيما يجب أن تتجنبه.
(1)
لا يجادل أحد في أن الثورة التونسية في 14 يناير 2011 كانت ملهمة وكاشفة بالنسبة للمصريين، إذ لم تفتح أعينهم على فكرة الثورة فحسب، وإنما كشفت لهم عن أن نظام الاستبداد أضعف مما يظن كثيرون وأن قوة الشعوب فوق ما يتصورون. وهو التفاعل الذي فتح الباب لتبادل خبرات المقاومة بين الشباب التونسي وبين نظرائهم المصريين خلال ثورة 25 يناير التي استمرت 17 يوما. وقد شاءت المقادير أن يقرر التونسيون الانتهاء من وضع دستورهم في الذكرى الثالثة لانطلاق ثورتهم (اليوم 14 يناير) وأن يتزامن ذلك مع استفتاء المصريين على دستور جديد في اليوم ذاته. إلا أن تلك مصادفة لا توحي بأي تماثل أو دلالة. ذلك أن دستورهم صادر عن مجلس تأسيسي منتخب من الشعب، أما دستورنا فقد أعدته لجنة مختارة من السلطة، ثم إن دستورهم يرى النور في ظل وفاق وطني نسبي تحقق من خلال حوار القوى السياسية. أما الدستور المصري فإنه أعد في أجواء استقطاب حاد تقطعت في ظله سبل الحوار وتقدم فيه الأمن على السياسة.
استطرادا، وفي سياق المقارنة لا نستطيع أن نتجاهل عنصرا مهما ميَّز الثورة التونسية وأثر على مسارها، ذلك أن الجيش وقف على الحياد إزاءها منذ لحظاتها الأولى. الأمر الذي ترك الساحة بالكامل للسياسيين، الذين مارسوا في فضائها صراعاتهم وتجاذباتهم، التي لم تخل من شراسة وحدة في أغلب الأحوال، لكنها ظلت على أرضية السياسة وتحت سقفها. وذلك عنصر أساسي في المشهد لا ينبغي أن نغفل عنه. وهو ما لا يعنى أن الساحة التونسية كانت ممهدة وطريقها سالكا. لأنني أزعم أن الساحة كانت مسكونة بعوامل التقاطع وان الطريق كان شائكا ووعرا.
(2)
في الخلفية لا يفوت الباحث أن يلاحظ أن الخارطة السياسية التونسية التي تشكلت منذ الاستقلال في عام 1956 ارتكزت على عناصر عدة من بينها إضعاف الهوية الدينية للمجتمع الذي تمثل في تقليص ومحاصرة دور الزيتونة، الجامع والجامعة الذي ينافس الأزهر في العراقة والريادة التنويرية. ثمة عنصر آخر تمثل في ملاحقة وإقصاء الإسلام السياسي الذي كانت حركة النهضة رمزا له (تشكلت عمليا في سنة 1980)، خصوصا أن الحركة خرجت من عباءة الزيتونة وكانت معبرة عن التدين الوسطى الذي تبنته، وأغلب الظن أن ذلك الموقف من مخلفات مرحلة الاحتلال الفرنسي الذي دام 75 عاما، وكانت له تأثيراته الثقافية المتعددة، التي من بينها الانحياز إلى الفكر العلماني المخاصم للدين، بخلاف العلمانية البريطانية المتصالحة مع الدين. أيا كان الأمر فإن استمرار تلك السياسة الإقصائية طوال عهدي الرئيس الحبيب بورقيبة ومن بعده زين العابدين بن علي أحدث فراغا في الساحة التونسية تصدى لملئه وتمددت فيه التيارات الأخرى. فتنامت قوة الجماعات الليبرالية واليسارية والشيوعية المعتدلة منها والمتطرفة، وفي مقابلها انتشرت جماعات السلفيين والتكفيريين والمتصوفة وظهر التشيع في بعض الأوساط.
لم يكن النظام المستبد طاردا لقادة حركة النهضة فقط، لكنه أيضا كان طاردا للعديد من الشخصيات الوطنية، وهؤلاء وهؤلاء استقروا في بعض الدول الأوروبية (فرنسا وإنجلترا بوجه أخص). ومما أنجزوه في تلك المرحلة أنهم اتفقوا على صيغة للحوار والتفاهم فيما بينهم، في إطار ما سمى لجنة 18 أكتوبر للحقوق والحريات في عام 2006، التي ضمت ممثلين للنهضة وبعض الشخصيات الوطنية. هذا الفريق استطاع أن يشكل رؤية مشتركة حول عدد من القضايا الخلافية. وأصدروا في عام 2009 وثائق مكتوبة تضمنت رؤيتهم لثلاثة ملفات هي: العلاقة بين الدين والدولة ــ حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين ــ حرية الضمير والمعتقد. وهي العناوين التي احتلت مكانتها في نصوص الدستور التونسي الجديد.
(3)
حين أجريت في 23 أكتوبر 2011 أول انتخابات نزيهة في تاريخ تونس لعضوية المجلس التأسيسي، جاءت النتائج مفاجئة للجميع، فقد نجحت أحزاب الاعتدال باكتساح، في حين أن سقوط حركات التطرف كان مدويا. إذ حازت حركة النهضة على أعلى نسبة من المقاعد (90 مقعدا من أصل 217) وحصدت أحزاب الاعتدال المقاعد التالية: حزب المؤتمر الذي يقوده الدكتور منصف المرزوقي 30 مقعدا ــ حزب التكتل الذي يترأسه الدكتور مصطفى بن جعفر 21 مقعدا ــ العريضة الشعبية 19 مقعداــ الحزب الديمقراطي التقدمي 17 مقعدا. أما الأحزاب الأخرى فقد تراوح تمثيلها بين مقعد واحد وخمسة مقاعد. ولم يحصل حزب العمال الشيوعي إلا على ثلاثة مقاعد فقط.
المفارقة أن المجموعات العلمانية واليسارية التي ظلت مهيمنة على الفضاء السياسي والإعلامي التونسي طوال العقود التي خلت لم تتجاوز حصد أي منها من المقاعد عدد أصابع اليد الواحدة. وهي ذاتها التي ملأت الشارع صخبا وضجيجا أثناء اجتماعات ا لمجلس التأسيسي.
تصرفت حركة النهضة بمسؤولية ورصانة في ترتيب الوضع بعد الانتخابات. فرغم أنها تتمتع بأغلبية مريحة في المجلس حيث الفرق بينها وبين حصة الحزب الذي يليها في الترتيب يربو على 60 مقعدا، إلا أنها قررت ألا تنفرد بإدارة الدولة، وحرصت على أن تعمل في إطار فريق أطلق عليه «الترويكا». فتولى رئيس حزب المؤتمر رئاسة الدولة، ورشح رئيس حزب التكتل لرئاسة المجلس التأسيسي وتولى الأمين العام لحركة النهضة رئاسة الحكومة. وتعد هذه من أبرز العوامل التي ميزت الأداء السياسي لحركة النهضة، الذي جاء مختلفا عن أداء حركة الإخوان حين تولت السلطة في مصر. وفي سياق المقارنة أيضا نلاحظ أن صيغة الترويكا التونسية عبرت عن مفارقة أخرى. ذلك في حين أن حركة النهضة عقدت ما يشبه التحالف السياسي مع حزبين معتدلين أحدهما له صبغة ليبرالية أو علمانية والثاني له ميول يسارية. فإن الإخوان في مصر اعتمدوا في تحالفهم على فصائل التيار الإسلامي والسلفيين في مقدمتهم. وصار التحالف الأول رافعة للحكم في حين أن الثاني صار عبئا عليه. ليس ذلك فحسب، وإنما احتفظت حركة النهضة بمسافة إزاء السلفيين، وانتقدتهم ثم دخلت في مواجهة مع جناح العنف فيهم (أنصار الشريعة مثلا) واعتبرتهم مجموعة إرهابية بعد الاشتباكات المسلحة التي وقعت معهم. وفي وقت مبكر (في 21/3/2012) نشرت صحيفة «لوموند» الفرنسية مقالة ناقدة للسلفيين للسيد على العريض وهو من قياديى النهضة وقد عين وزيرا للداخلية ثم رئيسا للوزراء لاحقا. وفي مقالته قال إنهم ليسوا جميعا دعاة عنف، لكن النموذج المجتمعي الذي يدعون إليه خطير وضيق الأفق.
(4)
ما يحدث في كل مراحل الانتقال التي تعقب الثورات جرى في تونس، خصوصا تعثر الأداء جراء حداثة العهد بالتجربة وتوقف النمو الاقتصادي، مع شيوع الانفلات الأمنى. الأمر الذي لا يلبي توقعات المواطنين وتمنياتهم، وهى الأجواء التي استثمرتها جماعات المعارضة ومنظمات المجتمع المدني التي لم تنجح في الانتخابات وفي مقدمتها الاتحاد العام للشغل. وانضم إلى هؤلاء وهؤلاء بقايا النظام القديم والقوى التي استفادت منه. واختارت قوى الرفض والاحتجاج أن تواجه «الترويكا» من خلال الإضرابات والتظاهرات والاعتصامات. ولعبت وسائل الإعلام دورا مهما في ذلك، وهى التي تهيمن على أغلبها القوى التقليدية ورجال الأعمال من أثرياء النظام القديم.
يذكر في هذا الصدد أنه خلال أول سنتين من عمر الثورة صدر أكثر من عشرين صحيفة جديدة وتأسست ست قنوات تلفزيونية خاصة وسبع محطات إذاعية. وهذه المنابر كلها تحولت إلى أدوات في التجاذب والصراع السياسي.
خلال تلك المواجهات كان النموذج المصري حاضرا في خلفية الحراك التونسي. حيث تشابهت التظاهرات في الشوارع والاعتصامات أمام بعض مؤسسات الدولة. واختلفت أحجامها تبعا لاختلاف أعداد السكان في البلدين (تونس أكثر من عشرة ملايين ومصر 90 مليونا). فالتظاهرات هناك كان يخرج فيها عدة مئات بالكاد، والمعتصمون أمام المجلس التأسيسي كانوا يتوزعون على خيمتين أو ثلاث. لكن تلك التحركات كانت تربك العاصمة وتصور في الإعلام المصري باعتبارها حشودا كبيرة.
هذه المرحلة تحتمل عدة قراءات من زوايا مختلفة، يهمني منها الكيفية التي تفاعلت بها حركة النهضة سواء مع حراك الشارع أو مع التجاذبات التي جرت في المجلس التأسيسي الذي كان وضع الدستور الجديد على رأس مهامه. إذا بدا من مجمل الأداء أن ثمة قرارا استراتيجيا دعا إلى ضرورة إنجاح تجربة تأسيس الجمهورية الثانية حتى إذا كان ذلك على حساب النهضة وخصما من حصتها ودورها. الأمر الذي يعيد إلى أذهاننا جدل الجماعة والوطن الذي أثير في مصر.
(5)
حين تم اغتيال شكري بلعيد أحد المعارضين البارزين في بداية عام 2013 خرجت المظاهرات الاحتجاجية فتمت الإطاحة بأول حكومة منتخبة، وتراجعت حركة النهضة خطوة إلى الخلف حين تنازلت عن وزارات السيادة للمستقلين، وحين وقع اغتيال معارض آخر هو محمد البراهمي في الشهر السابع من العام ذاته، تجددت تظاهرات الغضب وطالب البعض بحل المجلس التأسيسي وشطب المسار الديمقراطي، فإن الحركة قبلت بالتخلي عن الحكومة بأسرها رغم أنها مدعومة من البرلمان. وقبلت بتشكيل حكومة تكنوقراط يشكلها خبراء مستقلون يشرفون على إجراء الانتخابات القادمة، ومن ثم فإن النهضة صاحبة الأغلبية والشريك الأكبر خرجت من الحكومة في حين بقى شريكاها في رئاسة الدولة ورئاسة المجلس التأسيسي، ولإنجاز تلك الخطوة والاتفاق على رئيس الحكومة دخلت النهضة في حوارات استمرت شهرين مع الرباعية التي مثلت المجتمع المدني (اتحاد الشغل ــ اتحاد الصناعة والتجارة ــ نقابة المحامين ــ رابطة حقوق الإنسان). المرونة التي مارستها قيادة النهضة في إدارة الدولة تبنتها أيضا في مناقشات الدستور الجديد داخل المجلس التأسيسي. إذ قبلت باستبعاد النص على أن الشريعة مصدر أساسي للقانون، وبرر ذلك الشيخ راشد الغنوشي رئيس الحركة بقوله إن الشريعة تفرقنا والإسلام يجمعنا، ونحن مع الإجماع وليس الفرقة. وبنفس المنطق الحريص على التوافق جرى تمرير النصوص المتعلقة بدور النساء ومساواتهن بالرجان في الحقوق والواجبات، وتلك المتعلقة بحرية الاعتقاد والضمير... الخ.
هذه المواقف التي عبرت عن التمسك بالتوافق والمرونة جاءت تجسيدا لسعة الأفق والانحياز إلى إعلاء مصلحة الوطن وتقديمها على مصلحة الحركة، في الوقت ذاته، فإنها استلهمت دروس النموذج المصري وتجنبت الوقوع في أخطاء الإخوان. وقد أشار إلى ذلك الشيخ راشد الغنوشي في مقالة له نشرتها عدة مواقع في الخامس من شهر يناير الحالي كان عنوانها: النموذج التونسي ثبت فصح.
إن النجاح الذي حققته حركة النهضة في تطبيق ما يمكن أن نسميه فقه أو فن التنازل يستدعى سؤالا يستحق أن نفكر فيه مليَّا في مصر هو: ما هي حدود التنازل الممكنة التي يتعين القبول بها للحفاظ على الثورة ولأجل استعادة المسار الديمقراطي؟ ذلك أن الإقدام إذا كان يحتاج إلى شجاعة، فإن الأمر أكثر دقة حين يتعلق بالتنازل لأنه لكي يحقق المصلحة العليا المرجوة يتعين أن تمتزج الشجاعة فيه بقدر معتبر من الحكمة، كى لا يصبح التنازل تطوعا بالانتحار. وتلك معادلة صعبة تلعب الأجواء المحيطة دورا في تعقيدها أو تيسيرها.
الزواج مشروع حياة وليس مناسبة للاستعراض
لم يعد الزواج، عند شريحة من الشباب، مجرد خطوة نحو الاستقرار وبناء أسرة، بل تحوّل في بعض الحالات... اقرأ المزيد
513
| 16 أبريل 2026
صخب في حضرة العزاء!
• تتشابه المجتمعات في كثير من عاداتها وتقاليدها، وتختلف في تفاصيل ثقافتها التي تميزها عن غيرها؛ في أفراحها... اقرأ المزيد
321
| 15 أبريل 2026
شذرات من حصاد الغرور
رحلة مع حصاد الغرور، كتاب نفيس خطَّه الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، وأتى بروائع النُّصح والتنبيه والإرشاد للفرد... اقرأ المزيد
225
| 15 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
كما أن أخطر عدو للإنسان هو ذلك العدو الذي يلبس ثوب الصديق، فإن أخطر الأفكار عليه تلك التي تتسلل إليه في صورة التعقل والتريث بينما هي في حقيقتها عين العجز، ومن بينها وأخطرها فكرة التسويف وإرجاء الأعمال والمهام لوقت آخر يكون أكثر مناسبة. قديمًا كانوا يقولون: "أنذرتكم سوف سوف"، ذلك لأن التسويف آفة هادئة لا تحدث جلبة، تعمل في الخفاء لتنخر في إرادة المرء وعزيمته، ولا تزال به حتى تجعله كتلة من نوايا مؤجلة وأحلام معلقة. الخطر كل الخطر، أن يكون التسويف ليس مجرد عارض طارئ، بل أن يكون نمطًا في التفكير يتجذر في النفس، ويتغذى على مخاوف الإنسان من الإقدام، ويستمد قوته من وهم انتظار الوقت المناسب، وهنا مكمن المأساة، فذلك الوقت غالبا لا يأتي، لأن التأجيل هنا ليس بناء على دراسة وتدقيق وحسابات واقعية، وإنما هو هروب مُقَنَّع من مواجهة الواقع والتعاطي معه، وما يستثقله الإنسان في يومه لن يكون خفيفا على كاهله غدًا، ولذا يقول الإمام أبو حامد الغزالي: "المسوف المسكين لا يدري أن الذي يدعوه إلى التسويف اليوم، هو معه غدًا، وإنما يزداد بطول المدة قوة ورسوخًا". المتعلق بأذيال "سوف"، لا يؤجل العمل فحسب، بل يؤجل نضجه ونجاحه وسعادته، ولا يزال به التسويف يومًا بعد يومًا حتى يجد نفسه في محطته الأخيرة دون أن يدرك شيئًا من أحلامه. وليس بالضرورة أن يكون التسويف وليد الكسل والركون والدعة، بل هو في بعض أو كثير من الأحيان وليد الخوف من الفشل أو من النقد أو مما يترتب على النجاح ذاته. ومن مظاهر الزحف الناعم لفكرة التسويف، توهم الإنسان ضرورة توافر كل الظروف المثالية والأدوات الكاملة حتى يشرع في العمل، وهذا خطأ بيّن، فالظروف إنما تكتمل بالعمل نفسه والشروع فيه بالمتاح من الإمكانات والأدوات، بل العمل هو السبيل إلى إيجاد المكملات مع مرور الوقت. وربما أخطر أضرار التسويف، أنه يفسد علاقة المرء بالزمن، فيصبح الزمن لديه مساحة للاستنزاف وليس موردًا يتم استثماره والانتفاع به، فالمسوّف إنما يبدد الأيام في التأجيل والانتظار، ومع ذلك تراه إذا ضاق الوقت يندفع اندفاعًا مضطربًا إلى العمل، لا يحقق نتائج مرضية، فيضيع على نفسه تلك الفسحة التي كان بمقدوره أن يبدأ فيها العمل في روية وتؤدة واتزان. وعندما تتسع رقعة هذه الآفة في المجتمع، فإن ذلك المجتمع قد يفقد تدريجيًا قدرته على المبادرة، فتصبح الأعمال والمشروعات الإصلاحية رهينة التسويف، فتتراكم المشكلات، ويغدو الإصلاح بعدها أكثر كلفة وأشد صعوبة، وهكذا يتحول التسويف من سلوك فردي سلبي إلى مرض اجتماعي. مواجهة آفة التسويف تبدأ بمواجهة شجاعة للنفس ومصارحة شفافة معها، يواجه المرء نفسه بأوجه القصور لديه، والإلحاح عليها بالسؤال: لماذا التسويف؟ ويستحضر حقيقة أن اليوم الذي يمر على الإنسان يذهب ببعضه ويقربه إلى منيّته. وهنا يأتي دور الفعل الصغير الذي يكسر دائرة التسويف، فالتسويف لن يُهزم بالأماني والنوايا، وإنما بحركة أو خطوة ولو صغيرة حتى وإن تكلّف الإنسان قبولها وأرغم نفسها عليه وأتاها كرهًا، فالبداية في حد ذاتها بداية انتصار واسترداد لزمام النفس، علمًا بأن متعة الإنجاز لها ما بعدها، فهي تستنهض شغف الإنسان بتحقيق هذه اللذة مرات ومرات حتى يصبح الإنجاز وكسر التسويف عادة يعلن بعدها انتصاره في كل مرة. وإن من الخديعة الكبرى أن يستعين الإنسان على "سوف" بـ "سوف" أخرى، فيؤجل محاولات كسر التسويف، بل التحرر من هذا القيد مسألة قرار آني، فيكون الآن هو الوقت المناسب، وليس الغد أو الغد الذي يليه، فالحياة تُعاش في حاضرها لا في الوعود المستقبلية التي قد لا يسمح بها العمر ويضيق لها الوقت. وعندما يتحرر المرء من أسر التسويف، ويتذوق لذة الإنجاز والمبادرة والمسارعة، يدرك أن الوقت المناسب الذي كان ينشده لم يكن يومًا بعيدًا عنه كما توهّم، وإنما كان الوقت المناسب دائما في داخله ينتظر منه أن يوقظه.
3438
| 11 أبريل 2026
-«على خط النار» توثيق مهم لمرحلة دقيقة واستثنائية عاشتها دولة قطر - الهجمات الإيرانية شملت كل مناحي الحياة المدنية والمنشآت ولا علاقة لها بالقواعد العسكرية - يحسب لدولة قطر هذه الشفافية في تدفق المعلومات بما فيها قاعدة العديد القطرية - «الجزيرة» أتاحت الفرصة كاملة للطرف الإيراني المعتدي ليطرح وجهة نظره - قطر الدولة الوحيدة التي استُهدِفَت بجميع التهديدات الجوية الإيرانية - إيران استهدفت منشآت الغاز في رأس لفان قبل استهداف منشآتها للطاقة -إيران تكافئ قطر بإرسال 64 صاروخاً باليستياً و12 طائرة مسيّرة في اليوم الأول فقط! -الهجمات الإجرامية استهدفت مصادر تموّل بها قطر مساعداتها الإنسانية في مختلف بقاع الأرض ما عرضته قناة الجزيرة مساء الجمعة ليس مجرد فيلم وثائقي عابر، بل يمثل توثيقا مهما لمرحلة دقيقة واستثنائية عاشتها دولة قطر والمنطقة بأسرها، تعرضت خلالها لاعتداءات عسكرية من قبل إيران بصورة أثبتت الشواهد أنه معد لها بصورة مسبقة. * برنامج «ما خفي أعظم» في حلقته «على خط النار» بات يمثل مرجعاً توثيقياً لوقائع استثنائية عرضها بكل شفافية ومهنية، وكشف عن مجموعة من الحقائق التي دحضت المزاعم الإيرانية التي كانت تسوّق أن الاستهداف كان موجها لما تدعيه كذباً «القواعد العسكرية الأمريكية «، بينما الواقع أثبت أن الهجمات الإيرانية شملت كل مناحي الحياة العامة: المدنية والحيوية والمرافق والمنشآت والبنى التحتية للدولة والمجتمع. يحسب لدولة قطر هذه الشفافية في تدفق المعلومات، بما فيها تناول «قاعدة العديد» القطرية، وتسليط الضوء على كل الاماكن التي تعرضت للهجمات الإيرانية، ويحسب لقناة الجزيرة أيضا أنها لم تنظر فقط بعين قطرية للاعتداءات التي تعرضت لها قطر، حتى لا يقال إنها «جاملت قطر»، بل أتاحت الفرصة كاملة للطرف الإيراني المعتدي بطرح وجهة نظره من خلال استضافة متحدث بوزارة الخارجية الإيرانية، وهو أمر قد لا يكون مألوفا كذلك أن تعطي مساحة من الرأي لمعتد بطرح وجهة نظره، التي قابلها سعادة الدكتور ماجد الأنصاري مستشار رئيس الوزراء والمتحدث الرسمي لوزارة الخارجية القطرية بسرد الحقائق، بعد أن دحض أكاذيب الجانب الايراني، وفند ادعاءاته الباطلة، وعراه أمام المشاهدين. * أن يكون الاستهداف الإيراني لدولة قطر منذ الوهلة الاولى - وتحديدا بعد 10 دقائق - لهجوم أمريكي اسرائيلي تعرضت له، فهذا يطرح تساؤلات عن نوايا إيران المبيتة تجاه قطر والخليج عموما، فكيف تحققت إيران من المعلومات، وكيف استطاعت تمييز أن هذه الهجمات انطلقت من قطر، على الرغم من كل التأكيدات التي صدرت من دولة قطر قبل أن تبدأ الحرب، بأنها تنأى بنفسها عن هذا الصراع، ولن تسمح باستخدام أراضيها وأجوائها، وليس هذا فقط، بل إن قطر كانت منخرطة في دعم إيجاد حل عبر الحوار للخلاف الإيراني الأمريكي، وحتى اللحظات الأخيرة كانت قطر تدفع نحو منع نشوب حرب بالمنطقة، فإذا بإيران تكافئ قطر بإرسال 64 صاروخا باليستيا و12 طائرة مسيّرة في اليوم الاول فقط (بداية عملية الاستهداف) من مجموع 537 هجمة جوية تعرضت لها قطر طوال أيام الحرب، وكانت قطر الدولة الوحيدة التي استهدفت بجميع التهديدات الجوية من صواريخ باليستية إلى طائرات مسيرة إلى صواريخ مجنحة وانتهاء بطائرات مقاتلة سوخوي 24. * ومن تابع حلقة البرنامج شاهد بوضوح أن الهجمات العسكرية الإيرانية تركزت على المناطق العامة في قطر: مرافق مدنية وحيوية، مطار حمد الدولي، منشآت طاقة ومياه، بنى تحتية، فنادق، مناطق سكنية، من ذلك على سبيل المثال منطقة لوسيل السكنية، الحي الأرجنتيني (نسبة لمشجعي منتخب الأرجنتين خلال كأس العالم 2022 بالدوحة الذين سكنوا فيه)، المنطقة الصناعية، شوارع رئيسية، ومناطق حيوية أخرى.. فما علاقة كل هذه المرافق والمنشآت بالمزاعم الإيرانية الجوفاء بأنها تستهدف قواعد عسكرية أمريكية..؟!! فهل هذه أهداف أمريكية أم منشآت قطرية ومن الذي تضرر بالفعل قطر الدولة والشعب أم أمريكا؟! بل إن ايران استهدفت منشآت الغاز في رأس لفان في قطر قبل أن يتم استهداف منشآتها للطاقة من قبل إسرائيل، التي قامت قطر بإدانة استهدافها، وإذا بنا في المساء تقوم إيران بمكافأة قطر باستهداف منشآتها للغاز في حقل الشمال !! * هذه الهجمات الإجرامية نتج عنها إصابات بشظايا وسقوط حطام في مناطق سكنية لمواطنين ومقيمين مدنيين بينهم طفلة قطرية، لكن بفضل من الله ثم الأجهزة الأمنية التي سيطرت على الموقف وحافظت على الأمن والاستقرار، وظلت حياة الناس اليومية تسير دون تغيير أو إرباك، وهو أمر تحرص القيادة الحكيمة لهذا الوطن العزيز أن يظل الإنسان هو الأولوية ويتصدر الاهتمام في كل شيء مواطنا كان أو مقيما. * البرنامج أكد المؤكد وهو استهداف منشآت مدنية واستراتيجية تمس حياة الناس وتضرب الاقتصاد الوطني، الذي يعد أحد مصادر رزق الشعب القطري، وأحد المصادر التي تموّل بها دولة قطر مساعداتها الإنسانية في مختلف بقاع الارض خاصة المنكوبين من أبناء أمتنا، الذين لطالما كان لقطر أياد بيضاء بالوقوف معهم في نكباتهم وآلامهم، وسعت إلى تضميد جراحهم، ثم تأتي إيران لتقصف مصادر هذا الخير الذي يفيض ليس فقط على شعب قطر والمقيمين فيها، بل خير ذلك وصل لشعوب أمتنا في بقاع الارض. * لقد حمى الله هذا الوطن بفضل منه أولا، ثم لجاهزية المنظومة الدفاعية والأمنية التي حمت الأرواح والمرافق والمنشآت والمناطق السكنية بالدولة، وتصدت لأكثر من 90% من الهجمات العسكرية، فكان الفخر لنا جميعا بأن لدينا ليس فقط أجهزة ومعدات وتقنيات عسكرية عالية الكفاءة، بل قبل ذلك لدينا الرجال الذين يحمون الوطن، وبكفاءة عالية نفخر بهم أداء وإخلاصا وتفانيا وتضحية.. هذا هو الاستثمار الحقيقي الذي تؤكد عليه القيادة الرشيدة باستمرار، وسخرت من أجله كل الإمكانات، ولله الحمد أثبت قدراته وجدارته في المواقف وعند الأزمات، ليؤكدوا من جديد أن الوطن له رجال يحمونه ويفدونه بكل غال، وأنهم يسيرون على خطى رجالات الوطن على الدوام. * ثم إن يقظة الأجهزة الأمنية التي كشفت خلايا التجسس الإيرانية منذ 2024 دليل على أن هناك أعمالاً مبيتة من قبل إيران ، رغم أن قطر كانت تنظر لإيران على أنها جار ، وعملت على إنقاذه وإخراجه من أزماته السياسية مع المجتمع الدولي أكثر من مرة ، وتمكنت عبر حوارات مضنية من تحقيق اختراق في التوصل لصفقة تبادل لسجناء بين طهران وواشنطن والإفراج عن أموال إيرانية مجمدة تقدر ب 6 مليارات دولار لدى أمريكا ، لكن بالرغم من ذلك وبدلا من أن تعزز علاقاتها وتثمن هذا الجميل الذي حققته لها قطر ، كان رد الجميل من قبل إيران هو زرع الخلايا التجسسية في قطر ! * كل الهجمات الإيرانية على دولة قطر أثبتت أن المتضرر هي الدولة وسيادتها وأمنها واقتصادها وتنميتها ودورها القيادي والريادي وسكانها مواطنين ومقيمين، وأن ما تدعيه إيران محض افتراء وكذب وعار تماما عن الصحة. سمعنا في إيران على مدار سنوات طوال شعارات ضد أمريكا، لكننا رأينا صواريخها تتساقط على قطر..!! لقد كانت الحرب منذ البداية حرب امريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، ولم تكن قطر أو الخليج طرفا فيها، بل سعت قطر لمنعها عبر مساع ودعم الوساطات لحوار بين إيران وأمريكا، لكن إيران أقحمت قطر والخليج في هذه الحرب دون مبرر. إنها حربكم يا إيران مع أمريكا وإسرائيل، فلماذا يتم استهداف قطر ودول الخليج بهجمات عسكرية على مرافق مدنية ومنشآت حيوية ومناطق سكنية بذرائع واهية وادعاءات باطلة وافتراءات كاذبة أنها «مصالح أمريكية»؟!
3045
| 12 أبريل 2026
بين أساطير الآلهة القديمة وحكايات الملوك القدام، يبرز اسم «هرمز» كواحد من اساطير الأسماء التي عرفتها الممرات المائية في التاريخ. فمن هو «أهورامزدا» إله الحكمة في بلاد فارس، إلى صدى المعارك الفاصلة بين القادة، لم يكن هرمز مجرد اسم لمضيق أو جزيرة، بل كان عنواناً لحضارة ربطت الشرق بالغرب، وصاغت بعبق بخورها وتجارتها ملامح العالم القديم. يرى بعض المؤرخين مثل «خداداد رضاخاني» أن التسمية تعود لترجمة محلية هي «هُرموز» وتعني «مكان التمور» نظراً لكثرة أشجار النخيل في المنطقة. كما تربطه بعض المصادر بالقائد الساساني الذي واجهه خالد بن الوليد في معركة «ذات السلاسل» وقتله فيها. اليوم، لا يكاد يخلو تحليل سياسي أو اقتصادي من ذكر هذا المضيق، الذي تحول من «مكان للتمور» بحسب تسميته المحلية القديمة، إلى أخطر شريان حيوي يضخ الحياة في شرايين الاقتصاد العالمي. جغرافياً، يتخذ المضيق شكلاً منحنياً يشبه رقم ٧، ويمتد بطول يصل إلى ١٦٠ كيلومتراً، بينما يضيق في أضيق نقطة له ليصل عرضه إلى حوالي ٣٤ كيلومتراً فقط. تتقاسم السيادة عليه دولتان رئيسيتان؛ حيث تقع سواحله الشمالية تحت سيادة إيران، بينما تطل سلطنة عمان عليه من جهة الجنوب عبر شبه جزيرة مسندم. وتكمن الأهمية الاستراتيجية في أرقامه المذهلة؛ إذ يتدفق عبره حوالي ٢١ مليون برميل نفط يومياً، ما يمثل ٢٠% من استهلاك السوائل البترولية العالمي، بالإضافة إلى خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم. إلا أن هذا الثقل الاقتصادي يواجه اليوم تحديات جيوسياسية معقدة في ظل «الهدنة الهشة» التي أعقبت التوترات العسكرية الأخيرة. فالمشكلة الكبرى تكمن في كون الهدنة الحالية تكتيكية وليست استراتيجية؛ حيث لا تزال إيران تفرض سيطرة عسكرية مشددة وتُلوح بإغلاق المضيق مجدداً. هذا الواقع فرض « تسييساً « للممر المائي، تمثل في محاولات فرض نظام ملاحي خاص وتفتيش السفن، مما يهدد استقرار السيادة البحرية ويخلق حالة تأهب دائم للقوى الدولية لتأمين حرية الملاحة. اقتصادياً، تسببت هذه الاضطرابات في صدمة عرض تاريخية، أدت لارتفاع تكاليف الشحن بنسبة ٢٥% وطول مدة الرحلات البحرية. ورغم استقرار أسعار النفط مؤقتاً، إلا أن الثقة الاستثمارية في المنطقة لا تزال مهتزة. وهنا برزت الحكمة السياسية والاقتصادية لدول الخليج العربي، التي تبنت استراتيجية «صفر مشاكل» والوقوف على مسافة واحدة من أطراف النزاع، إدراكاً منها بأن الانجرار للحرب سيعني دمار خطط التنمية في المنطقة. ولأن الارتهان لممر مائي واحد يمثل مخاطرة وجودية، بدأت دول الخليج في صياغة مخرج استراتيجي يعتمد على «الاستقلال الدفاعي والبدائل اللوجستية». هذا المخرج لا يعتمد على الدول الكبرى فحسب، بل على تعزيز التحالفات البينية وكسر «حصرية المضيق» عبر التوسع في أنابيب النفط والسكك الحديدية التي تربط حقول الإنتاج بموانئ خارج الخليج، مثل الفجيرة والدقم وصحار، وصولاً إلى موانئ البحر الأحمر. هذا التحول يُفرغ سلاح «إغلاق المضيق» من قيمته الاستراتيجية والضغط الابتزازي على المدى الطويل. إن إدارة هذه الأزمات تسلط الضوء على طبيعة «مجلس التعاون الخليجي»، الذي أثبت مرونة عالية كتكتل تنسيقي يحترم السيادة الوطنية للدول الأعضاء. ورغم تعثر مشاريع اندماجية كبرى مثل «العملة الموحدة» لأسباب سيادية واقتصادية وتقنية، إلا أن المجلس نجح في تحقيق «تكامل وظيفي» في ملفات الأمن والطاقة والربط الكهربائي، مما منحه القدرة على مواجهة التهديدات الوجودية ككتلة واحدة متماسكة. ختاماً، يظل «هرمز» أكثر من مجرد مضيق جغرافي؛ إنه الاختبار الحقيقي لصراع الإرادات بين القوى العالمية وتطلعات الاستقرار الإقليمي. وبينما تظل الروايات حول تسميته جسراً يربط الماضي بالحاضر، تبقى الحكمة الخليجية في إدارة هذه الأزمات هي الضمانة الوحيدة لمنع تحول هذا الممر المائي من شريان للحياة والتجارة إلى ساحة للصراعات الصفرية. إن الحفاظ على تدفق الطاقة عبر هذه البوابة الضيقة ليس مصلحة اقتصادية فحسب، بل هو ضرورة وجودية للأمن والسلم الدوليين في عالم لا يحتمل المزيد من الهزات. حيث يتحتم التفكير الجدي من دول مجلس التعاون الخليجي في التقدم الى الأمام عبر التنفيذ الفعلي لاتحاد دول المجلس في اتحاد فدرالي على مستوى وزراء الدفاع والخارجية على الأقل.
1152
| 12 أبريل 2026