رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إن أقل القليل وخواص الخواص هم الذين يدركون لعبة الديمقراطية وما حفها ويلصق بها من مخاطر في حين نرى الأكثرين يتغنون بشعار هذه الديمقراطية التي انتشرت في العالم وكأنها المخلص الوحيد للشعوب من معاناتها لتدخلها في حديقة السعادة الغناء، وذلك اعتمادا على ما تتحفها من الحرية العامة والمساواة بين الأفراد واحترام الإنسان وتكريمه باعتباره واحدا من الشعب الذي يجب أن يكون مصدر السلطات جميعا بالفعل والممارسة لا بالقول والنظر فقط، وهذا ما يجب أيضا أن يساوق تعريف الديمقراطية التي هي حكم الشعب بوساطة الشعب من أجل الشعب كما يقولون ولكن هؤلاء الكثيرين ممن باتوا يلمسونه في عالم التطبيق الواقعي في الحياة غربا وشرقا وشمالا وجنوبا قد وصل جلهم إلى الحقيقة التي لا معدل عنها وهي أن هذه اللعبة في جميع العالم، خاصة الثالث منه إنما يستخدمها الساسة لشرعنة تسلطهم على رقاب الشعوب وبنسب مختلفة ربما تصل في بلادنا إلى 99% فقط! يستوي في ذلك من يحكمون بالملكية والوراثة والجمهوريون المزيفون الذين صاروا يتعشقون الوراثة أكثر من أصحابها والعسكريون المتسلطون غالبا والذين لا يفقه أكثرهم ألف باء السياسة مما يعود بنا لإقرار الحقيقة التي فرضت ويجب أن تفرض نفسها وهي استبدال الشورى بالديمقراطية، إذ الشورى نظام إلهي منبعه الوحي الذي يستلهم منه المشرعون الفقه والفكر الواعي الذي هو الأقرب للصواب على حد قول هارون الرشيد رحمه الله "من شاور كثر صوابه" وقول سقراط: "شاور الجميع" ولأنه كما يقول المثل العربي "المشورة عين الهداية" وقد استبد برأيه من خاطر بالبعد عن الشورى، كما قال علي رضي الله عنه وكما في الحديث الشريف (ما تشاور قوم إلا هداهم الله لأرشد أمورهم واعتبر الإسلام أن كل ذلك من واجبات الحكومة بتطبيق مبدأ الشورى والإفادة به من الرجال والنساء، وضرب الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم والتابعون والسلف الصالح أحسن المثل في ذلك عبر التاريخ سلما وحربا، وأقاموا هذه الشورى على أسس عتيدة ليس فيها فوضى ولا غوغائية وعشوائية بل هي شورى حقيقية معتبرة تشمل الجميع لتحقيق العدل القومي والإنساني، منطلقين من توجيه الله لرسوله (وشاورهم في الأمر)، "آل عمران: 159"، والمدح الذي أثنى به على المؤمنين (وأمرهم شورى بينهم)، "الشورى: 38"، وهذه سورة كاملة في كتاب الله بهذا الاسم نفسه تعظيما لحق هذه الشورى وتنويها بضرورتها للحياة، ولكن وللأسف الشديد فقد بات من ينقد الديمقراطية السالبة التي أهلكت الحرث والنسل والتي هي أقرب إلى الدم قراطية بفتح الدال لا كسرها يعتبر متشدداً يسبح ضد تيار حريات الشعوب وحقوقها بل لم يسلم هذا المصلح حتى من بعض الإسلاميين غير اليقظين.
إن أصل مصطلح كلمة الديمقراطية لاتينيا هو ديموس أي الشعب وكراتوس أي السلطة فهي سلطة الشعب فأين سلطة الشعب يا جماعة التي اعتبرها مدره الإسلام مصطفى صادق الرافعي أقوى من الحكومة كما اعتبر أن الحق أقوى من القوة. إن هذه الديمقراطية الغربية والعربية والإسلامية الرسمية المعاصرة لا تبني مرتكزاتها في الغالب إلا على الوصاية المفروضة على الشعوب المقهورة وبمركزية للحكم لا نظير لها على حد ما نراه ونعاني منه بأمثلة لا تحصر أمثلة توضح لكل ذي عينين أن الشعوب تابعة كالقطيع ويجب أن تسير في سعير الأيديولوجيات الفاشية والدكتاتوريات المتفننة وتصطلي بنارها وأن هذه الديمقراطية السلبية لا تعني سوى الانتخابات الشكلية، ومع ذلك فأكثرها مزور ويخدم أجندة إقليمية وخارجية ولا يمكن أن يعبر الحاكم فيه والنواب عن أشواف وحاجات وعواطف الشعب وأن الحزب التابع له هو سيد الموقف عموما وهذا ما كان يراه ريتشارد جاي سابقا في الغرب وهو ما يجري الآن في بلادنا، حيث إن هذه الديمقراطية لا تدعو إلى التفاؤل في ظل نمو البيروقراطية وتضخم أجهزة الحكم وتزايد اعتماد الجماهير على الدولة وحدها في تسيير شؤون الحياة متوصلا إلى نتيجة انقراض عوامل حكم الشعب بعد ذلك على ما نقله الدكتور بشير زين العابدين في مقاله بمجلة السنة العدد "106 ص 57" مردفاً أن الكثيرين من أعضاء مجلس العموم البريطاني مثلا يعترفون أنهم لا يملكون أي سيطرة لاتخاذ القرارات لأن زمامها أصبحت بيد قيادة الحزب بالتحالف مع الشركات العملاقة والاستخبارات السرية وامبراطورية الإعلام وبالطبع فهذا يصدق على أمريكا في الغالب وعلى أحزاب حكومات العرب التي يأتي بعض رجالاتها إلى الحكم معدما ثم يثري ثم يكون هامورا يمتلك الكنوز من عرق هذه الشعوب البائسة المسكينة ويا ويل من ينبس ببنت شفة، إذ ليس له إلا أن يساق إلى ما سيق إليه يوسف الصديق نبي الله إلا أن يوسف لم يصب عليه العذاب صبا ولم تستخدم نحوه أبشع تقنيات التعذيب بلا هوادة وفي هذا الغضون تأتي وثائق موقع "ويكي ليكس" بأرقام هائلة لفضح ديمقراطية أمريكا والغرب فيشهد شاهد من أهلها على ديمقراطية الدم في العراق وفلسطين وأفغانستان خصوصا وفي العالم عموما لأن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، هؤلاء الناس الذين لا يريدون خيرا ومكسبا إلا لأنفسهم كاليهود المعادين لكل ما ليس منهم وإنه وكما قال هيكل الخبير على قناة الجزيرة الأسبوع الماضي إن إسرائيل إلى زوال بأفعالها الإجرامية فإن أمريكا ألعوبتها والغرب المترصد بنا لن يفلحوا مستقبلا كما يدعون بحضارتهم مهما زخرفوا خطاباتهم البراقة الجوفاء كالطبل الفارغ وهذه هي سنة بقاء الأمم وزوالها ولن تتخلف وفي هذا كل الدافع لنا كي نستأنف دورنا الزاهي الذي أسس مجدنا من جديد، وإذا كان بعض المفكرين يرون تشابها بين دولة الاستسلام والدولة الديمقراطية كالتركيز على مكانة الأمة وحكامها وكالاشتراك بمعاني المساواة أمام القانون وحرية العقيدة، وكذلك الفصل بين السلطات فإن ثمة نقاط خلاف أشد من التشابه وأهمها أن الشعب في الديمقراطية محصور جغرافيا وهو ما يعني القومية والعنصرية، بينما الإسلام نظام إنساني لا تعصب فيه ولا عنصرية، وكذلك فإن هدف الديمقراطية مادي بحت في حين أن هدف الإسلام يجمع الدنيا والآخرة وأيضا فلا ننسى أن سلطة الديمقراطية مطلقة حتى لو خالفت النظام الأخلاقي كإعلان الحرب واستعمار الشعوب الأخرى كما وقع ويقع اليوم وكذلك السماح باسم حرية الفكر والتعبير للانتقال إلى حرية الكفر والتحقير حتى لأخص المقدسات شخصا وموضوعا كالرسول محمد صلى الله عليه وسلم وكتاب الله والحضارة العربية والإسلامية، وكذلك إباحة الشذوذ مثلا وتقنينه مع أنه يخالف الجبلة الإنسانية بينما نجد حرية الإسلام مقيدة بالشريعة وصالح العباد والأخلاق راجع في هذا كتاب الأخلاق السياسية لمحمد زكريا النداف "ص 437-439"، فعلينا أن نعي هدف وجودنا في الحياة وألا تنطلي علينا الحيل باسم الديمقراطية وإني لأقول: إذا كنا نرى ملايين البائسين هم من حصاد هذه الديمقراطية بل ملايين قتلى الحروب فكيف إذا لم تكن ديمقراطية؟!
لابد من صهر الشعوب حقيقة في بوتقة ديمقراطية غير التي نراها وسمها ما شئت إلا أن حكم الله بالشورى أولى بالصواب ولعل هذا ما نبه إليه جان جاك روسو سابقا من أن العبودية تسيطر على الشعب بعد انتخاب نوابه وما صرح به جوزف شمبتر محذرا: يروق للسياسيين استخدام الديمقراطية للجماهير فتحبها لكنها هي التي تمنحهم فرصة تجنب المسؤولية وسحق خصومهم باسم الشعب فأين العقلاء؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع ارتفاع أسعار العقارات وتزايد الاعتماد على التمويل العقاري، أصبح قرار التمويل من أهم القرارات المالية التي يتخذها كثير من الأسر والمستثمرين. وخلال السنوات الماضية سمعت رأيين متناقضين يتكرران كثيراً. الأول يقول: لا تشترِ عقاراً بالتمويل أبداً. والثاني يقول: احصل على أكبر تمويل ممكن، فالعقار سيدفع التمويل عنك. والحقيقة أن كلا الرأيين قد يكون خاطئاً. فالتمويل العقاري ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً، بل هو أداة مالية. وقد يساعدك على بناء الثروة إذا استخدمته بحكمة، وقد يتحول إلى عبء طويل الأمد إذا استخدمته بلا حساب. في السوق القطري يواجه كثير من المستثمرين قراراً مهماً عند شراء عقار استثماري: هل أدفع كامل قيمة العقار من مالي الخاص أم أستخدم جزءاً من التمويل البنكي؟ لنفترض أن لديك 5 ملايين ريال. أمامك خياران: إما شراء عقار بالمبلغ كاملاً، أو دفع 2.5 مليون ريال واستخدام تمويل بقيمة 2.5 مليون ريال. في الحالة الأولى تكون المخاطر أقل لأنك لا تتحمل التزامات تمويلية، لكن معظم أموالك ستكون مجمدة داخل العقار. ويعتقد كثير من الناس أن شراء العقار نقداً هو الخيار الأكثر أماناً في جميع الأحوال. ورغم أن تجنب التمويل يقلل المخاطر المالية، فإن بعض المستثمرين المحترفين يرون أن تجميد كامل السيولة في أصل واحد قد يكون نوعاً آخر من المخاطرة. فالمستثمر الذي يضع جميع أمواله في عقار واحد قد يجد نفسه غير قادر على الاستفادة من فرصة استثمارية أخرى، أو مضطراً لبيع العقار في وقت غير مناسب إذا احتاج إلى السيولة. ولهذا فإن الهدف ليس تجنب التمويل بأي ثمن، ولا الحصول على أكبر تمويل ممكن، بل تحقيق التوازن بين الأمان المالي والمرونة الاستثمارية. أما في الحالة الثانية فستحتفظ بنصف أموالك، مما يمنحك مرونة أكبر لمواجهة الطوارئ أو استغلال فرص استثمارية أخرى. وفي أحيان كثيرة لا يكون التمويل وسيلة لشراء عقار أكبر، بل وسيلة للاحتفاظ بسيولة يمكن أن يحتاجها المستثمر لفرص أخرى أو لمواجهة ظروف غير متوقعة. فالحفاظ على قدر مناسب من السيولة قد يكون بنفس أهمية تحقيق عائد جيد. هنا تظهر فكرة الرافعة المالية (Leverage)، وهي استخدام الأموال المقترضة لتحسين كفاءة استثمار رأس المال. ولنفترض أن العقار يحقق دخلاً سنوياً صافياً قدره 300 ألف ريال، أي بعائد يبلغ 6٪ من قيمة العقار. وإذا كانت تكلفة التمويل نحو 100 ألف ريال سنوياً، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. فإذا اشتريت العقار نقداً، فإنك استثمرت 5 ملايين ريال لتحصل على 300 ألف ريال سنوياً، أي بعائد يبلغ 6٪. أما إذا دفعت 2.5 مليون ريال فقط واستخدمت تمويلاً لباقي المبلغ، فسيتبقى لك 200 ألف ريال بعد تكلفة التمويل. وبما أنك استثمرت 2.5 مليون ريال فقط من أموالك الخاصة، فإن العائد على رأس مالك يرتفع إلى 8٪. وهنا تظهر قوة الرافعة المالية (Leverage). فهي ترفع العائد على أموالك عندما يكون عائد العقار أعلى من تكلفة التمويل. فالسر الحقيقي يكمن في الفرق بين عائد العقار وتكلفة التمويل أو القرض العقاري. إذا كان العقار يحقق عائداً صافياً قدره 6٪ بينما تبلغ تكلفة التمويل أو القرض العقاري 4٪، فقد يكون الاقتراض قراراً منطقياً. وهذه الفكرة ليست نظرية فقط، بل يمكن ملاحظتها في كثير من العقارات الاستثمارية في السوق القطري. فبعض العقارات تحقق عائداً صافياً يتراوح بين 5٪ و6٪ سنوياً، وعندما تكون تكلفة التمويل أقل من ذلك، قد يكون استخدام تمويل معتدل أكثر كفاءة من تجميد كامل رأس المال في أصل واحد. أما إذا كان العقار يحقق 5٪ بينما تكلفك الأموال الممولة 5٪ أو أكثر، فإن فائدة التمويل تصبح محدودة، وقد يتحول التمويل من أداة استثمار إلى عبء مالي. أولاً: لا تجعل نسبة التمويل مرتفعة أكثر من اللازم. وفي السوق القطري لا تتجاوز نسبة التمويل العقاري للأفراد عادة 75٪ من قيمة العقار. ومع ذلك، يفضل كثير من المستثمرين العمل ضمن نطاق يتراوح بين 50٪ و 70 ٪ لأنه يوفر هامش أمان أكبر. ثانياً: لا تبن قرارك على أفضل الاحتمالات. ثالثاً: احتفظ بسيولة احتياطية. رابعاً: انتبه لمدة السداد. فالتمويل طويل الأجل يخفض القسط الشهري لكنه يرفع إجمالي تكلفة التمويل. وهنا يجدر التمييز بين نظرة البنك ونظرة المستثمر. فالبنك ينظر إلى دخلك وقدرتك الشخصية على السداد. أما المستثمر الناجح فينظر إلى قدرة العقار نفسه على خدمة التمويل. وفي النهاية، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. لكن القاعدة الذهبية تبقى بسيطة: استخدم التمويل عندما يكون العقار قادراً على خدمة التمويل، لا عندما تكون أنت مضطراً لخدمة العقار. فالتمويل العقاري لا يصنع الثروة وحده، بل يصنعها حسن استخدامه. وقد يكون وسيلة فعالة لبناء الأصول، لكنه قد يتحول إلى عبء مكلف عندما يسبق الحماس دراسة الأرقام.
4836
| 28 يونيو 2026
سؤال تقليدي نسمعه كل بداية سنة دراسية ونهايتها: ماذا سيدرس ابنك أو ابنتك بعد الثانوية؟ السؤال الأعمق والأخطر: هل أعددتهما طوال اثني عشر عاماً من التعب والسهر والإنفاق والبناء والتربية في مراحل الدراسة ليعرفا ماذا يريدان من الحياة أصلاً؟ كثير من الأسر تعيش لحظة إعلان نتائج الثانوية وكأنها نهاية رحلة طويلة وبعدها تُطفى الشموع بينما الحقيقة أنها بداية أخطر مرحلة في حياة الأبناء بل الإنسان. فاختيار التخصص الجامعي ليس مجرد تعبئة رغبات في موقع إلكتروني، وليس قراراً عابراً تحدده درجات القبول أو أسماء الكليات اللامعة، بل هو رسم للخريطة التي ستقود الإنسان إلى مستقبله العلمي والمهني وربما إلى جزء كبير من سعادته أو معاناته وبناء شخصيته. هنا يجب أن يقف كل أب وأم مع أنفسهم وقفة صادقة جادة ماذا أعددنا لأبنائنا طوال سنوات الدراسة؟ هل اكتفينا بمتابعة الدرجات والاختبارات؟ أم أننا ساعدناهم على اكتشاف قدراتهم الحقيقية وميولهم ومواطن قوتهم وضعفهم؟ هل جلسنا معهم لنتحدث عن المهن والتخصصات والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم؟ أم تركناهم يختارون تحت تأثير الأصدقاء أو الموضة الاجتماعية أو صورة ذهنية قديمة لم تعد تناسب زمننا؟ إن طالب الثانوية اليوم لا يقف أمام مفترق طريق عادي، بل أمام خريطة حياة كاملة. ولذلك عليه أن يرى بمن يقتدي؟ وماذا أحب؟ وما المهارات التي أتميز بها؟ وما التخصصات التي سيحتاجها العالم بعد عشر سنوات؟ وما الفرق بين الرغبة المؤقتة والقدرة الحقيقية؟ وهي أسئلة لا يجوز أن يواجهها وحده. كما أن المسؤولية لا تنتهي بمجرد دخول الابن أو الابنة إلى الجامعة. فبعض الأسر تتعامل مع القبول الجامعي وكأنه شهادة انتهاء لدورها التربوي، بينما الواقع يقول إن سنوات الجامعة من أكثر المراحل حاجة إلى المتابعة والتوجيه والاحتضان. فالطالب يعيش وسط عالم متلاطم الأمواج وتيارات فكرية متسارعة، وضغوط اجتماعية، ومؤثرات رقمية، ومحتوى يسطّح الوعي ويشوّش الأولويات. فهل نترك أبناءنا ضحايا لموجات المراهقة المتأخرة وتقلبات المرحلة؟ أم نستمر في مرافقتهم بالحوار والنصح والمتابعة؟ هل وضع قدمه في المكان المناسب؟ أم يحتاج إلى إعادة تقييم أو دعم أو تعديل مسار قبل أن يضيع عليه العمر في طريق لا يشبهه؟ ولعل من أكبر التحديات التي نعيشها اليوم أن كثيراً من المؤسسات تعاني من فجوة بين التخصص والعمل. فكم من موظف يحمل شهادة في مجال ويعمل في مجال آخر لا يمت لتخصصه بصلة!! وكم من سنوات أُنفقت في دراسة لم تتحول إلى خبرة أو قيمة مضافة!! لذلك أصبح العالم أكثر حاجة إلى التخصص وكذلك إلى التخصص الدقيق، ثم إلى التحديث المستمر للمعرفة والمهارات. لقد تغير العالم بصورة لم تكن متوقعة. أحداث كبرى وأزمات دولية وصراعات وتحولات اقتصادية وتقنية أعادت رسم خرائط النفوذ والوظائف والفرص. أصوات كانت هامشية أصبحت مؤثرة، وقطاعات كانت مزدهرة تراجعت، ومهن لم تكن موجودة قبل سنوات أصبحت اليوم من أكثر المهن طلباً. وهنا يأتي دور ولي الأمر الحقيقي. ليس دور الموجّه الرسمي ولا المرشد المهني، بل دور الأب والأم والأخ والأخت. كن مثل مذيع الأرصاد الجوية الذي يقف أمام الخريطة يضيء مناطق الفرص، ويحذر من مناطق الخطر، ويشرح اتجاه الرياح القادمة. لا تمشِ الطريق بدلاً من ابنك، لكن ساعده على رؤية الطريق بوضوح. فالأبناء لا يحتاجون دائماً إلى من يختار عنهم، بقدر حاجتهم إلى من يُخيرهم بوعي وبما قد لا يرونه، ويمنحهم البوصلة قبل أن يبحروا في بحر الحياة الذي يزداد عمقاً وبُعد كل يوم
4527
| 29 يونيو 2026
يتحدث الناس كثيراً عن القيادة، وعن صناعة القرار، وعن إدارة التغيير، وعن كيفية الوصول إلى المناصب القيادية، لكنهم نادراً ما يتحدثون عن جانب لا يقل أهمية عن كل ذلك، وهو: متى وكيف يرحل القائد؟، ففي عالم الإدارة، كما في الحياة، ليست كل الفضائل مرتبطة بالبدايات فكما أن هناك حكمة في قبول المسؤولية، هناك حكمة لا تقل أهمية في مغادرتها. والحقيقة أن كثيراً من القادة يتعلمون كيف يصعدون السلم الوظيفي، لكن قلة منهم يتعلمون كيف ينزلون عنه في الوقت المناسب، ولهذا نشهد أحياناً مسؤولين أبدعوا في بناء الإنجازات، ثم أضاعوا جزءاً من إرثهم لأنهم تأخروا في اتخاذ قرار الرحيل. إن فلسفة الرحيل لا تقوم على الهروب من التحديات، ولا على الاستسلام للضغوط، ولا على البحث عن الراحة، بل تقوم على فهم عميق لطبيعة المنصب نفسه، فالمنصب في جوهره ليس ملكية شخصية، وإنما أمانة مؤقتة، وهو وسيلة لتحقيق غاية، وليس غاية في ذاته، وعندما تتحول المحافظة على المنصب إلى هدف مستقل، يبدأ الخلل في التفكير مهما كانت المبررات. ومن أكثر الأخطاء شيوعاً أن يربط القائد بين استمراره الشخصي واستمرار نجاح المؤسسة، وكأن المؤسسة لا تستطيع أن تستمر إلا بوجوده، وهذه القناعة، مهما حسنت النوايا، تتعارض مع جوهر العمل المؤسسي الذي يقوم على استدامة الأنظمة لا استدامة الأشخاص، لذا فإن القائد الحقيقي لا يقاس فقط بما أنجزه أثناء وجوده، بل أيضاً بقدرته على إعداد المؤسسة للحياة بعد مغادرته، فكلما كانت المؤسسة قادرة على الاستمرار والنمو بعد رحيل قائدها، كان ذلك دليلاً على نجاحه لا على تراجع أهميته. وفي تجربتي الإدارية الممتدة على مدى عقود من العمل، بدا لي أن هناك أربع لحظات تستحق التأمل قبل اتخاذ قرار البقاء أو الرحيل. الأولى: عندما تتسع الفجوة بين المسؤولية والصلاحية، فليس من العدل أن يتحمل الإنسان نتائج قرارات لا يشارك في صنعها، كما أنه ليس من الحكمة أن يبقى في موقع لا يملك فيه أدوات التأثير الكافية لتحقيق ما يراه صواباً. الثانية: عندما يصبح الحفاظ على الموقع أهم من تحقيق الرسالة، ففي هذه اللحظة يتحول المنصب من وسيلة للعطاء إلى غاية بحد ذاته. الثالثة: عندما يشعر القائد أن ما يقدمه للمؤسسة أصبح أقل مما يمكن أن يقدمه شخص آخر يأتي برؤية جديدة وطاقة مختلفة، فالتجديد ليس انتقاصاً من السابقين، بل سنة من سنن التطور المؤسسي. أما الرابعة: وهي الأخطر، فهي عندما يصبح البقاء عبئاً على القيم التي يؤمن بها الإنسان، وعبئًا على المسيرة والكرامة المهنية، تلك اللحظات يكون فيها الرحيل أكثر انسجاماً مع المبادئ من الاستمرار. وليس المقصود من ذلك أن يرحل القائد عند أول خلاف، أو أول عقبة، أو أول شعور بالإحباط، فالقيادة في جوهرها مواجهة للتحديات وتحمل للمسؤوليات، لكن المقصود أن يدرك أن قيمة بقائه لا تقاس بطول مدته، وإنما بقدرته على إحداث الأثر. لقد رأيت في مسيرتي المهنية أن بعض الناس يغادرون مناصبهم فيتركون فراغاً مؤقتاً، ثم تمضي المؤسسة في طريقها، بينما يترك آخرون وراءهم ثقافة عمل، ومنهجاً في الإدارة، ومؤسسات أكثر قوة مما كانت عليه قبل مجيئهم، وهؤلاء لم يغادروا حقيقة، لأن أثرهم بقي حاضراً بعد رحيلهم، ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه بين الحين والآخر هو: هل ما زال بقائي هو الخيار الأفضل للمؤسسة؟، فإذا كان الجواب نعم، فليستمر بكل عزيمة، وإذا كان الجواب لا، فليغادر بكل كرامة. وكما أن على القائد معرفة متى يتقدم إلى الأمام، فعليه معرفة متى يفسح الطريق لغيره دون ضجيج، ودون أن يحمل في قلبه إلا الامتنان للتجربة، والدعاء بالتوفيق لمن يكمل المسيرة، تلك هي فلسفة الرحيل، تغادر فيبقى الاحترام، تترك الموقع ويبقى الأثر، تنتهي المسؤولية ويبقى الرضا.
3393
| 01 يوليو 2026