رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
المشهد المتحقق الآن في ميدان رابعة العدوية وميدان النهضة وكل الميادين في مصر مشهد لم يسبق لمصر أن عاشته في تاريخها كله إلا في ثورة يناير.
في لحظات محددة تتمرد الشعوب علي ذاتها، وتلفظ كل حالات الخور والخوف، وتستدعي كل أنواع الصلابة والشجاعة من تاريخها، ويتحرر وجدانها من كل خوف حتى ولو كان الموت ذاته.
*ثقافة جديدة نشأت في الميدان وبدأت تحتل مساحتها اللائقة بالشعب المصري في عقول ووجدان أبنائه، وهي ثقافة تخلصت مفرداتها من كل أنواع الخوف من السلطة بما فيها الرصاص الحي، بل هي تستهين به، وتسقط مهابته، وتراه وسيلة الباطل في بطشه وتسلطه وطغيانه، وتسخر من القاتل السفاح -تأمل تلك المفردات-.
*(هي تكة وبس، رصاصة ومش حتحس. اقتل واحد اقتل مية، مش حنسيبها للحرامية. تتشل الأيادي، اللى بتقتل ولادي).
* تلك أبجدية ومفردات الثقافة الجديدة، وهى ثقافة يتجلي فيها بعد الشجاعة والسخرية من القاتل والذي أظهرته الأحداث، وقد كان في تقدير البعض مستكنا وغائبا في وجدان المصريين، بينما كان معدوما لا وجود له في تقدير آخرين، هذا البعد لن يًمِكِّن طاغية أو مستبدا من النوم ولو لليلة واحدة بلا منغصات أو أرق.
*أنا هنا لا أتحدث عن الحشود وروعتها وضخامة عددها وإنما أتحدث عن حجم الجسارة الجديدة والجرأة غير المعهودة، والثقافة التى أخذت امتدادها داخل الوجدان المصري، فأضحي يعشق الإقدام على المخاطر، ويزهو بالمنية، ويرى الموت في سبيل الحق الذى أمن به سبقا وارتقاء لمن نالوه قبل غيرهم.
*مدلول الثقافة الجديدة والذى أظهر الجسارة والتحدي والإصرار على تحقيق الأهداف ومواجهة الرصاص بصدور عارية، ورؤوس عالية، هو عكس ما كان سائدا عن الشعب، وما كان يوصف به من قبل كشعب خنوع يقبل الدنية ويمضغ المظالم ويقتات على الاستبداد والقهر في الصباح والمساء، ويسلي نفسه بأغاني عبد الحليم وعبد الوهاب وأم كلثوم وأفلام الشحرورة والسندريلا ومباريات الكأس ودوري كرة القدم.
*الدراسات التي تناولت هذا الشعب من ناحية تكوينه الوجداني وأبعاده الحضارية لم تكن كافية، ولم تكن دقيقة في التعرف علي مكوناته، وربما اكتفت بما هو ظاهر في سلوكه دون أن تتعمق الباطن المستكن داخل وجدان هذا الشعب، وأنه في لحظة إرادة واحدة يثورعلي ضعفه فيصبح قويا، ويتمرد على كل أنواع الخوف لديه فينفضها عن نفسه وينطلق في الميادين وكأنه إعصار هادر.
*مع فارق التوقيت لا أكاد أنام إلا لحظات قليلة من كثرة ما تشدني وتبهرني مواقف ذلك الشعب، فمع كل يوم أو ليلة يتدفق عطاؤه المبهر، ومع كل يوم أو ليلة يظهر لك بُعْد جديد لم تكن تعرفه عنه من قبل وأنت الذي تربيت في أرضه وبين حقوله، وعلي ضفاف نيله وترعته، وتحت أشجار نخيله وكافوره وصفصافه.
*وبصرف النظر عن موقفك السياسي وقناعاتك، ومع مَنْ أنت أو ضد مَنْ، فليست تلك هي موضع العجب ولا هي التى تشد كل انتباهك وتشد كل أعصابك، وتحظى بكل طاقة التركيز لديك، وإنما قدرة هذا الشعب علي امتصاص التحدي وحجم جسارته التى تصل في التقدير إلي حد يتخطى حتى كل حسابات التهور، وذلك هو السر الذي يبحث عنه ويهتم به كل باحث مشغول بأثر الدوافع في التغلب علي أعقد المشكلات وأعتاها، بل وصنع المستحيل أحيانا.
*ظهور هذا النوع من الأبعاد المخفية الكامنة في بعض الشعوب والأمم لا يظهر مع رتابة الحياة، ولا في أوقات الرخاء وإنما يظهر في التحديات الكبرى التى تواجه الشعوب، ويستشعر الوطن لحظتها أن هويته مهددة، والهوية هي الملاذ الأمن الذي يلجأ إليه الفرد والمجتمع عند الشدائد الكبرى، فإذا شعر شعب بتهديد لتلك الهوية هب ثائرا لا يلوي على شئ مهما كانت النتائج والآثار.
*الشعب المصري استشعر تلك اللحظة أمام تحديات واجهت كرامته وحاولت أن تذل كبرياءه بعد حرب يونيو **١٩٦٧** فتحمل مرارة الأيام، وتحامل على جراحه حتى جاءت لحظة الحركة الحاسمة فقفز إلى أعلى متجاوزا كل حدود التقدير، وتخطى كل دروب الخطر ومنحنياته، وقرر أن يدخل إلى قلب اللهيب ولا يحترق فحطم خط بارليف وعبر الموانع المائية، وقرر الدخول إلى العدو في عمق تحصيناته ودشمه ومواقعه الحصينة.
*الحديث عن النابلم والقنابل الفراغية والفسفور المخصب غابت صوره المرعبة من ذاكرة ووجدان أبناء ذلك الشعب، ولم يبق أمامه إلا الإصرار على العبور وتحدى كل أنواع الموت على الضفة الأخرى.
*السبب المباشر في هذا التفاعل الذي تم في داخل الشعب المصري هو إحساسه بأن كرامته أهينت وبأن حريته مخططفة، وبأن مستقبله يتعرض للضياع.
*في تقديري كباحث متواضع أن اللحظة تتكرر الآن في رابعة العدوية، وفي ميدان النهضة وفي كل ميادين مصر، وأن الشعب يستشعر أن ثورته تسرق، وأن حريته تسلب، وأن هويته في محنة وجود أوموت، ومن ثم تمصرنت القضية، أي أنها أصبحت قضية مصر كلها، قضية وطن يتعرض لمحنة في هويته، ولم تعد قضية إخوان مسلمين، ومن ثم فإن ذاكرة المصريين استعادت وعيها بعد أن نجحت في خطفها لبعض الوقت مصانع الكذب الإعلامي ودوائر هندسة الرأي العام في أجهزة الأمن بمستوياتها المختلفة، واستطاعت أن تصور إجماعا جماهيريا رافضا للإخوان عن طريق خداع الكاميرات واستعمال حيل هوليود، غير أن لحظات الزهايمر في الوعي الجمعي لم تطل، وبدأت الذاكرة السياسية في الشعب الأصيل تستعيد ذاتها وتتعلم أنه لا يجوز أن تلدغ من جحر العسكر مرتين، فراحت مع الوجدان المصري يستدعيان رصيدهما من عمق التاريخ، ومن أعماق النفس البشرية ويستحضران تجارب سابقة تراكمت خلال عشرات السنين، لم يجن الشعب منها غير المرار والعلقم، فقرر الاعتصام السلمي وأن لا يصطدم بجيشه الوطنى وإن أريقت دماء زكية، وأن يعود جيشه إلى مهمته الأساسية مكرما ومعززا ومحمولا فوق الرؤوس، كما قرر أن يرفض العودة إلى الاستبداد، وأن يواجه هذا التحدي ولو بصدور عارية.
*أمام لصوص الوطن السابقين والذين أرادوا العودة من جديد لحكم مصر على أن يقود الجيش المعركة نيابة عنهم ظهرت الجسارة الجديدة، ليست فقط في التحدي بالتظاهر السلمي والاعتصامات البيضاء، وإنما بسلاح آخر هو قوة الكلمة وشرف المقال وقدسية الحرف المضيء الذي يشير صارخا إلى اللص ويحذر الغافلين من حيل صبيان نشال الوطن، وأعوان البلطجة الإعلامية والثقافية الذين يروجون الإفك عبر مصانع الكذب في فضائيات العم سام، وإن كان المتحدثون فيها بلسان عربي يفضحهم لحن القول، وتكشفهم لكنة تنبئك عن أسرارهم، وما يتلقونه من جدول الإشاعات الخاصة بكل يوم جديد.
*الجسارة الجديدة وجهاد الثقافة والقلم لها، في التوثيق الأصيل رجال ورواد كأمثال اللؤلؤ المكنون، لا يتحولون ولا يتغيرون، ولا تباع ضمائرهم ولا ذممهم بملئ الأرض ذهبا ولا يرهبهم مثلها حرابا وعذابا.
* تلك الطليعة الثقافية الجادة والشريفة يقودها جنود من كتائب الحق الوطنية التى لم تتحول الثقافة في مبادئهم إلى سوق وتاجر وسمسار، وهم يمثلون نماذج لمخزون الأمة ورصيدها الفكري الشريف والشامخ الذي لا تدينه رغبة ولا تقصيه رهبة، وهؤلاء هم رموز لإضافات وإضاءات حضارية قادمة يحملها رحم الأمة، وظهر بعضها في الأحداث الأخيرة، وبصوت مسموع كشف أباطيل الزور والبهتان، وستولد البقية عما قريب لتكون سياجا للوطن من اللصوص، وحصنا للوعي من التزييف، وحاميا للحرية من كل أشكال الاغتيالات الانقلابية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4479
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4203
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
2127
| 07 مايو 2026