رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. إيمان رمزي بدران

مساحة إعلانية

مقالات

246

د. إيمان رمزي بدران

الطرحة البيضاء فوق ركام غزة

13 يونيو 2025 , 03:54ص

بين الأنقاض.. لا تزال ترتدي الأبيض.. في قلب غزة، حيث يتقاطع الحب مع الحرب، وحيث يصبح الفرح مرادفًا للعناد، تخرج العرائس من بين ركام البيوت لا لتنتحب، بل لتكمل طقوس العرس، ولتُثبت أن الأبيض ما زال ممكنًا رغم كل السواد. في مشهد سريالي، ظهرت فتاة عشرينية ترتدي فستان زفافها وسط شارع مدمر، خلفها بيت بلا نوافذ، وأمامها كاميرا توثق مشهدًا لا تملك له الكلمات تفسيرًا: كيف يمكن لفستان زفاف أن يكون صرخة حياة وسط موت متكرر؟

لم تعد حفلات الزفاف في غزة مجرد طقوس اجتماعية، بل تحولت إلى فعل مقاومة. أن تقيم حفلاً بسيطًا في بيت فقد نصفه، أو في قاعة متواضعة نُفض عنها الغبار بعد قصف، هو بحد ذاته انتصار رمزي. الكثير من العرسان أجّلوا زفافهم مرارًا، لا بسبب الكلفة أو الظروف، بل بسبب الاجتياحات المتكررة والقصف المفاجئ. لكنهم يعودون في لحظة قرار، ليقيموا حفلاً، حتى لو بدون ضجيج، مؤمنين أن الحياة يجب أن تستمر، وأن الزواج ليس رفاهية، بل فعل استمرار.

في مشهد آخر، تحكي أم العروس –وهي أرملة شهيد– عن تجهيز ابنتها وسط الخوف من أن يُقصف البيت قبل يوم الزفاف. تقول: «أعددنا كل شيء كما لو أننا نعيش في دولة مستقرة، رغم أننا نعرف أن طائرات الاحتلال لا تحترم زفافًا ولا جنازة». هذه الأم لم تكن فقط تحضر لحفل، بل كانت تدرب ابنتها على الاستمرار في الحياة وسط الألم، كما فعلت هي من قبل.

في غزة، حيث لا توجد عربات فارهة ولا قاعات خمس نجوم في أوقات الحرب، تُنقل العرائس في عربات «كارو» التي تجرها الخيول، تمر من الأزقة الضيقة، وحولها أطفال يلوحون بأيديهم، وكأنها ملكة في موكب فرح شعبي. في الضفة، وعلى الرغم من اختلاف ظروف الحصار، لا يختلف المعنى: العرس هو صيغة أخرى للتمسك بالحياة، ومواجهة الوجع بالحب.

*النساء في هذه الحكايات لا يطلبن الشفقة، ولا يسردن حكاياتهن كنوع من الانكسار، بل يقدمن أنفسهن كصاحبات قرار. فالعروس التي تختار ألا تؤجل زفافها رغم تدمير بيت أهلها، والمعلمة التي تزف ابنتها في بيت صديقتها لأن بيتها لم يعد يصلح، والفتاة التي تصمم فستان زفافها بنفسها لأن المشغل قُصف، كلهن يروين بصوتهن أن الأنثى الفلسطينية ليست هامشًا، بل هي في صلب الحكاية.

*كثير من الأعراس أقيمت بعد الحرب مباشرة، لا لأن الظروف أصبحت مناسبة، بل لأن القلوب لم تعد تتحمل مزيدًا من الانتظار. فبعض العرائس لبسن الأبيض وهن يفتقدن والدًا شهيدًا، أو أخًا مفقودًا، أو بيتًا لم يعد قائمًا. هؤلاء لم يؤجلن الحب، بل قررن أن الحب بحد ذاته هو شكل من أشكال المقاومة.

*»تزوجتُ بعد العدوان بأسبوعين» تقول شيرين، وهي شابة من غزة فقدت خطيبها الأول في قصف، ثم تزوجت من ابن عمها الذي أصر أن يقيم لها عرسًا رغم دمار البيت. «لبست فستانًا أبيض استعرتُه من جارتي، وأقمنا حفلة صغيرة فوق سطح العمارة التي لم تُقصف بعد». تقولها وتبتسم وكأنها تروي حكاية انتصار، لا مجرد مناسبة اجتماعية.

*في الضفة، تروي دعاء، من رام الله، أنها أصرت على إقامة حفل زفافها رغم إصابة أخيها في مواجهات مع الاحتلال. «قلتُ لأمي: لا نريد أن نؤجل، نحن نعيش كل يوم وكأنه آخر يوم، فلنحتفل بما تبقى من أمل».

*بعيدًا عن الرومانسية، يرى بعض الشباب أن قرار الزواج في زمن الحرب هو قرار عقلاني أيضًا. يقول محمود، من رفح: «الزواج بالنسبة لي ليس فقط حبًا، بل هو بناء خلية صامدة، بيت جديد نحاول أن نحميه ولو كان من خيمة، نحن نُراكم الحياة رغم كل شيء».

*تغني النسوة في حفلات الزفاف أغاني تراثية ممزوجة بدموع خفية. من بين الزغاريد، قد تسمع دعاءً للشهداء، أو وصية للابنة بأن تكون قوية مثل أمها. وتكتب الشاعرات نصوصًا عن الزفاف كأنشودة حياة تُغنّى على إيقاع الطائرات.

* تحاول بعض الجمعيات النسوية أيضًا أن تدعم حفلات الزفاف الجماعية أو البسيطة، عبر توفير فساتين مستعملة، أو تزيين القاعات المتاحة. ليس الهدف فقط الدعم الاقتصادي، بل التأكيد على أن الفرح حق جماعي لا يجب أن يُؤجل.

الختام: الأبيض لا يُقصف: في ختام الحكاية، لا يمكن إلا أن نقف احترامًا أمام العرائس اللواتي لا ينتظرن أن تهدأ الحرب ليعشن، بل يصنعن الحياة تحت النار. إن فستان الزفاف في غزة ليس مجرد ثوب، بل هو راية بيضاء تُرفع لا للاستسلام، بل للإصرار على العيش، وعلى الحب، وعلى الاستمرار في الحلم، رغم كل شيء.

* المرأة الفلسطينية، في زفافها، لا ترتدي الأبيض فقط لأنها عروس، بل لأنها مؤمنة أن النور لا بد أن ينتصر يومًا على كل هذا الظلام.

مساحة إعلانية