رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نشأ والد الصحابي حذيفة بن اليمان في مكة، وكان اسمه حُسيل بن جابر العبسي، عاش بين أهل مكة كواحدٍ منهم، له ما لهم وعليه ما عليهم، وظل في عيشته هذه مطمئنا آمنا، لا يكدر هناءها، ولا يعكر صفاءها شيء من شرور الأهواء، ولا صروف الأيام، حتى قُدّر لحسيل بن جابر، أن يصيب في مكة دما، جعله طِلبة للثأر الذي لا يرضى بشيء سوى سفك دمه، ولم تكن له منعة في قومه تكفيه وتذود عنه، فلم يجد حُسيل من بعدُ بدا من أن يترك مكة فارا بحياته إلى يثرب.
هناك في يثرب استقر بحسيل المقام، وحالف بني عبد الأشهل من قبيلة الأوس اليمانية، القبيلة التي نزحت من قديم من اليمن، فسمي لذلك حسيل باليمان، حتى لم يعد يعرف إلا بهذا الاسم الجديد، ثم تزوج منهم، وولدت له زوجه ابنه حذيفة، الذي أصبح له في الإسلام شأن أيُّ شأنٍ، سنعلمه فيما يأتي.
شب حذيفة في يثرب، وطن أبيه الذي اختاره بديلا عن وطنه الأصلي، شب هنالك مع القوم الذين شاء القدر لهم أن يكونوا أنصاراً لرسول الله، عليه الصلاة والسلام، وأن تكون مدينتهم موطناً لدعوة الإسلام الذي شاع نوره وأضاء ما حوله، وكان للأنصار أوسهم وخزرجهم حظٌ عظيم من نوره، وفعل جليل لنصرته، في تلك المدينة سمع اليمان وابنه حذيفة، وابن آخر له اسمه صفوان، عن الإسلام، وعلموا الكثير عن دعوة ورسالة النبي الكريم محمد، عليه الصلاة والسلام، ممن دخلوا دين الله من قومهم، وقد كانوا كثيرا، فعزموا على المجيء إلى رسول الله لمبايعته، والدخول في الإسلام، وقد صح عزمهم فقدموا على الرسول الكريم، وأسلموا لله رب العالمين.
حين رأى رسول الله حذيفة، تخايل فيه علامات النجابة والفطانة، وتوسم فيه خيرا كثيرا، فأحب إكرامه فقال له:(إن شئت كنت من المهاجرين، وإن شئت كنت من الأنصار، فاختر لنفسك ما تحب)، ولأن حذيفة كان قد ولد وتربى مع الأنصار في المدينة، اختار أن يكون من الأنصار. لم تنقطع صلة اليمان بموطنه الأول مكة، دار مهده وصباه وشبابه، فكان يزورها من حين إلى آخر، بعد أن ابتعد عنها سنينَ طويلة، وفي إحدى زياراته صحبه ابنه حذيفة إلى مكة، وذلك بعد إسلامهما، وبعد هجرة الرسول إلى المدينة، فحدث أن أمسك بهما المشركون الذين كانوا متهيئين للخروج إلى قتال المسلمين قبل معركة يوم بدر، وأسروهما واشترطوا عليهما مقابل أن يطلقوهما ألا يقاتلا مع المسلمين، وأخذوا عليهم العهد بذلك، فأعطوهم العهد وانطلقا في سبيلهما حتى بلغا مشارف المدينة ولقيا الرسول فأخبراه خبرهما مع قريش، فقال لهما:(نستعين الله عليهم، ونفي بعدهم)، وبذلك لم يشهد حذيفة ولا أبوه اليمان، يوم بدر العظيم، وتلك هي أخلاق المسلمين المؤمنين، وما يمتازون به من خِلال، التي من أبرزها الصدق والوفاء بالعهد، ولو مع الأعداء، ومع من يكرهون، وما ذلك إلا من تقوى الله عز شأنه، التقوى التي حلت في قلوبهم، فجعلتها قلوبا بصيرة لا تعمى عن الحق، بل تُقر به، قلوبا بيضاءَ مملوءة بمعاني الخير والبر، بحيث تعرف المعروف، وتنكر المنكر.
ظل حذيفة بعد يوم بدر الذي لم يكتب له أن يشهده، متشوقا متطلعا إلى يوم آخرَ يُري فيه الله من نفسه تضحية وفداءً من أجل دينه الذي آمن به، وليعوض أيضا ما فاته مع إخوانه المسلمين، من عظيم الأجر الذي ظفروا به فكانوا من الفائزين، كان ذلك منه حتى بلَّغه الله يوم أحد، فخرج فيه مجاهدا في سبيل الله، جاهد في ذلك اليوم ولم يكن في حسبانه ما كان ينتظره فيه من شدة وبلاء على نفسه خاصة، وعلى المسلمين عامة، بعد أن دارت الدائرة عليهم بمخالفة من خالف أوامر رسول الله، أما ما وقع على حذيفة خاصة من بلاء وشدة وكرب، فهو أن بعض المسلمين قتلوا خطأ من غير علم أباه اليمان حين لم يعرفوه، إذ لم تكن له علامة ولا شارَة مبيِّنة في زيّه، ولم يكونوا يستطيعون تمييزه من وجهه، فقد كان متلثما في معمعة الوغى، ناهيك بمُثار النَّقْع الذي غطى الوجوه، واعتلى الرؤوس، فأضعف نظر الأبصار، فما عاين حذيفة ذلك المصاب الجلل، إلا والسيوف والرماح تنوش أباه، وتَعْتوره، فصاح صيحة هائلة، ارتجت لها الأبدان في ساحة الهيجاء قائلا: أبي، أبي، ويحكم إنه أبي. ولكنّ السيفَ كان قد سبق العَذَل، فأخذ الجزع والحزن من نفس حذيفة مأخذا عظيما، يصعب احتماله، ولا يمكن تصوره.
أما من قتلوا أباه فقد اعتراهم الفزع، وتملكتهم الحيرة، وسُقطوا في أيديهم، ولم يزيدوا على قولهم: والله ما عرفناه. ثم قال لهم حذيفة بصوت متهدج تكاد تخنقه العبرات: (يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين)، ثم استمر حذيفة يقاتل حتى وضعت المعركة أوزارها، وانتهى القتال بما انتهى عليه من مصاب وبلاء.
لما علم رسول الله، بخبر قتل اليمانِ أبي حذيفة خطأ، أمر بالدية تُسلم لولده، فأخذها حذيفة وتصدق بها على المسلمين، وهو على ظنٍ حسن بأن أباه قتل شهيدا، وأنه بفضل الله وكرمه معدودٌ في الشهداء، وبصنيع حذيفة هذا ارتفع قدره، وكبر شأنه بعين رسول الله، وعرف قوة إيمانه، وكرم معدنه.
جاء يوم الخندق، اليوم الذي جمعت فيه قريش أحزابها من العرب لغزو المدينة والقضاء على المسلمين، حتى صاروا جيشا لَجِبا، فيه نحو عشرة آلاف مقاتل، ومَضَوْا إلى ما أرادوا، فحاصروا المدينة المنورة، نحو شهر بعد أن فوجئوا بالخندق أمامهم محفورا، يصدهم عن الاقتحام والهجوم، وفي تلك الظروف الشديدة، والأحوال العصيبة، التي بلغت ذروتها على المسلمين نتيجة الحصار، والاستعداد للمواجهة المحتملة في أي حين إن استطاع ذلك الجيش الكبير اجتياز الخندق، واختراق حصون المدينة، أصاب المسلمين ما أصابهم من نصب وجوع وخوف وقلق، علاوة على البرد القارس، الذي لفَّ الأجواء ببرودته الشديدة، فكان ابتلاءً عظيما، زُلزلوا به زلزالا عنيفا.
عند كل ذلك رأى رسول الله أن يرسل رجلا إلى معسكر العدو، ليجسّ له خبرهم، فبينما هو جالس مع أصحابه الكرام في ليلة ليلاءَ باردة، إذ قال:(ألا رجلٌ يأتيني بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة)، سكت جميع الصحابة، ولم يجبه منهم أحد، فكرر رسول الله قوله ذاك، فلم يجبه أحد، فأعاد الرسول قوله ثانية، فلم ينطق أحد بكلمة واحدة، وذلك من شدة ما كان بهم من بأساء وضراء، فوق ما تحتمل طاقتهم، وطاقة البشر عامة، ثم قال رسول الله:(قم يا حذيفة، فأتنا بخبر القوم، ولا تَذْعَرهم)، فلم يجد حذيفة بدا من أن يقوم إذ دعاه الرسول باسمه، فقام متحاملا على نفسه، من فرط ما به من جهد وإعياء، ومضى في طريقه حذرا حتى أتى معسكر الأعداء، وتسلل إليه حتى صار جالسا مع بعض الأجناد، ولم يشعروا به إذ كانت الرياح القوية قد أخمدت نيرانهم، فباتوا في ظلام دامس، حينئذ أحس قائد جيش المشركين أبو سفيان بالخطر في ذلك الظلام الذي لا يكاد يعرف فيه الرجل من بجواره، وخشي من أن يتسلل في جنودهم أحد من المسلمين، فقام على شَرَفٍ محذرا الجيش بصوت جهير سمعه حذيفة:(يا معشر قريش، لينظرْ كلٌّ منكم جليسه، ولْيأخذْ بيده، وليعرف اسمه)، هنالك سارع حذيفة بسرعة بديهته، وفطنته الذكية، إلى أخذ يد الرجل الذي بجواره، وقال له: من أنت؟ فقال: فلان بن فلان. وبذلك أمن على نفسه بينهم.
وفي تلك الليلة رأى أبو سفيان ما حلّ بالجيش، ونظر فيه فإذا بالخيل والإبل قد هلكت، والريح ما انفكت عنهم مشتدّةً أياما، بحيث لا تقوم لهم نار، ولا تطمئن قِدْرٌ، ولا يستمسك لهم بناء، فقال لهم: إني مرتحل، فارحلوا، وراح يهيئ للمسير.
ما إن سمع حذيفة ذلك من أبي سفيان، ورأى حالتهم تلك، حتى انسل هاربا، ورجع إلى رسول الله فرحا مستبشرا، بنجاحه في مهمته، وفرحا أيضا بما يحمل من خبر رحيل الأعداء، فسُر النبي بالخبر، وحمد الله أن كفاهم القتال، كما سُرّ بحذيفة الذي أدى مهمته على أتم وجه، وألبسه عباءة كانت عليه يصلي بها، ونام بها حذيفة في تلك الليلة، نوما هادئا هانئا، نومَ قرير العين، وما زال نائما حتى أصبح، فقال له رسول الله ممازحا: (قم يا نَوْمان).
حَبْر الأمة وتَرجمان القرآن عبد الله بن عباس
قبل الهجرة النبوية بنحو ثلاث سنين، جاء العباس بن عبد المطلب، يسعى إلى رسول الله، عليه الصلاة والسلام،... اقرأ المزيد
22738
| 03 يوليو 2016
الزاهد الصادق.. أبو ذر الغِفاري
قرعت الأنباء أُذني أبي ذر الغفاري، بظهور رجل بمكة، يزعم أنه نبي، ويدعو إلى عبادة الله وحدَه، وعدم... اقرأ المزيد
7052
| 02 يوليو 2016
امرأة من طراز فريد قصة «أم سُليم»
لو كان النساء كأم سليم بنت ملحان الأنصارية، لفضلت النساء على الرجال، إي وربي إن هذا لحق، سنعلم... اقرأ المزيد
50217
| 01 يوليو 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
43530
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7140
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5400
| 13 سبتمبر 2026