رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
استدعت وزارة الخارجية الأردنية القائم بالأعمال الأسترالي في عمّان جون فيكس بعد قرار أستراليا التوقف عن وصف القدس الشرقية بـ"المحتلة".. وأثار هذا القرار جدلًا حاميًا في المجلس بعد ما أصدر النائب العام جورج برانديس بيانًا أوضح فيه موقف كانبيرا إزاء مشروعية التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في المدينة المقدسة.
استدعاء القائم بالأعمال الأسترالي جاء بسبب الانزعاج من القرار الذي يخالف موقف المجتمع الدولي ويناقض كافة القرارات الدولية والتي تعتبر القدس الشرقية جزءا أساسيًا من كامل الأراضي الفلسطينية التي احتلت في يونيو- حزيران 1967، بموجب القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
أنا شخصيًا لست مستغربًا من الخطوة الأسترالية هذه، ولا أعتبرها تحولًا مهمًا في الدبلوماسية والسياسة الخارجية الأسترالية.. ولدي من الأسباب ما يكفي.
فثمة حقائق تبدو غائبة عن ذهن القارئ والباحث العربي فيما يتعلق بالدور الأساسي والمركزي الذي لعبته أستراليا في الشرق الأوسط وتحديدًا في القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، طيلة مراحله التاريخية المصيرية كلها، منذ أوائل قيام أستراليا الحديث.. إذ كان لها دور فاعل في جميع الحروب الاستعمارية التي خيضت ضد العالمين العربي والإسلامي ودور أساسي في إنشاء دولة إسرائيل في قلب العالم العربي، والانحياز لها، علاوة على العلاقات التجاريّة الواسعة معها.
وما لا يعرفه الكثيرون وهو الدور الذي قامت به أستراليا في خلق الكيان الاستعماري في فلسطين منذ أربعينيات القرن الماضي، فتحركت بزخم ونشاط في هيئة الأمم المتحدة لضمان تصويت الجمعية العامة إلى جانب قرار تقسيم فلسطين وأيدت قرار التقسيم ضد مطالب الشعب الفلسطيني وأمانيه وطموحاته.
وكانت أستراليا أول بلد يصوت بــ "نعم" على قرار تقسيم فلسطين رقم 181، وأدت دورًا فعالًا من أجل قبول عضوية إسرائيل في هيئة الأمم المتحدة التي ترأس جمعيتها العامة وقتها وزير خارجية أستراليا أيفات.. كما كانت الأخيرة أول دولة في العالم تعترف بإسرائيل بشكل "كامل وشرعي de-jure"" وذلك بعد ساعات من قيامها في الوقت الذي لم تكن حتى الولايات المتحدة قد اعترفت بها سوى اعتراف "واقعي (de-facto).. كما تجدر الإشارة إلى أن إسرائيل كانت أول دولة في الشرق الأوسط تقيم معها أستراليا علاقات دبلوماسية.
وقد كانت أستراليا ضمن الدول القليلة التي أيدت العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.. وشاركت أستراليا عام 1979 بواسطة 300 عنصر من قواتها مدعومة بقوة جوية في مراقبة صحراء سيناء بطلب من الولايات المتحدة وتحت إشرافها.. رحبت أستراليا باتفاقية أوسلو عام.. 1993 وبعد اجتياح الرئيس العراقي صدام حسين للكويت أيدت أستراليا قرار هيئة الأمم المتحدة فرض المقاطعة ضد العراق وأرسلت عام 1990 وحدات من أسطولها البحري إلى المياه الإقليمية العراقية لتكون جزءا من القوات الأمريكية والبريطانية لفرض الحصار على العراق.. واشتركت أستراليا بحرب الخليج ضد العراق عام 1991 وشاركت بحماسة في حرب الخليج الثانية 2003 ضد العراق وكانت القوات الأسترالية أكبر ثالث قوة بعد الولايات المتحدة وبريطانيا.
إن أستراليا لم تتعامل مع القضية الفلسطينية كونها قضية سياسية وإنما كقضية إنسانية تتعلق بتحسين أوضاع اللاجئين الفلسطينيين من دون الإشارة إلى حقهم بالعودة. وحتى أواسط سبعينيات القرن الماضي لم يطرأ أي تغيير على سياسة أستراليا التي تبنت موقفا "محايدا" من حرب 1973 بينما تبنت الحكومة الأسترالية موقفا متصلبا من منظمة التحرير الفلسطينية، وكانت سياسة أستراليا قبل اتفاقية أوسلو عام 1993 ومنذ عام 1983 تعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وفي إقامة دولته المستقلة "إن أراد ذلك"، لكنها تراجعت بعد اتفاقية أوسلو وأصبحت بعد وصول حزب الأحرار إلى الحكم تقول "إن الشكل النهائي للكيان الفلسطيني، بما في ذلك، احتمال الدولة المستقلة، يعتمد على المحادثات النهائية بين الأطراف المعنية مباشرة"، وهذا يتلاءم مع الرؤية والطرح الإسرائيلي الذي يضع تقرير المصير للشعب الفلسطيني وقياد دولته المستقلة في يد إسرائيل وجعله مجرد احتمال قابل للتفاوض.. هذه السياسة لقيت ترحيبا وتقديرا من جانب الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، ونُقل عن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرئيل شارون قوله خلال اجتماعه إلى وزير الخارجية الأسترالي داونر في 27/1/2004: "إن أستراليا هي من أكثر الدول صداقة مع إسرائيل".. أما زعيم المعارضة الأسترالية مالكولم تورنبول فقال: "إن إحدى العلامات المميزة لحكومة رئيس الوزراء الأسترالي السابق جون هاوارد خلال الأعوام الأحد عشر ونصف العام التي مضت هو تأييدها الثابت كالصخر لإسرائيل وهو ما قامت بإثباته من خلال الأفعال وليس الأقوال".
وبناء على هذه المعطيات، فإنه لا يوجد سبب مقنع لاتخاذ أستراليا مثل هذه المواقف المنحازة إلى جانب إسرائيل. ويبدو أن ثمة عاملين يقفان وراء التحيّز في السياسية الأسترالية، الأول داخلي يتمثل بنشاط اللوبي الذي خلقته إسرائيل وتقوم مع رجال الأعمال اليهود الملتزمين بإسرائيل بدعمه بسخاء ماديا ومعنويا ويمارس ضغطا داخليا من أجل أن تتبنى أستراليا سياسية موالية ومنحازة لتل أبيب. والعامل الثاني يكمن بما توليه إسرائيل من اهتمام لسياسة أستراليا ومواقفها تجاه الشرق الأوسط وقضاياه.. وتبدو في المقابل عدم مبالاة عربية تجاه المواقف السياسية الأسترالية وعدم ممارسة ضغط عليها والتقاعس عن دعم قيام لوبي عربي.
لمن أراد أن يستزيد عن العلاقات الأسترالية مع العرب وإسرائيل، فعليه بالرجوع لكتاب مهم بعنوان "أستراليا والعرب" للمؤلف الدكتور علي القزق، الذي صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في فبراير 2012 وهو كتاب يعطي برأيي تحليلاً سياسياً نقدياً للسياسة التي اتبعتها أستراليا تجاه القضايا العربية واقتراحات وتوصيات لكيفية التعامل مع السياسات الأسترالية، ويدعو الدبلوماسية العربية لأخذ دورها في التأثير على تلك السياسة بسبب ما يمثله العرب من ثقل اقتصادي وسكاني هناك.
عن «الطابع الشيطاني» للذكاء الاصطناعي
يتحوّل النقاش حول الذكاء الاصطناعي تدريجياً من إطار تقني واقتصادي إلى فضاء أوسع تتداخل فيه الأسئلة الأخلاقية والوجودية... اقرأ المزيد
240
| 10 سبتمبر 2026
الكابوس السيبراني.. من يتحكم؟
ارتبط الخوف من الآلة طويلاً وتاريخياً بقوتها: آلةٌ أسرع، أدق، وأكثر قدرة على السيطرة. لكن التحول الأعمق -... اقرأ المزيد
222
| 04 سبتمبر 2026
عندما تصبح الذاكرة الرقمية تهديداً للخصوصية !
في عام 2011، بدأ عرض المسلسل البريطاني "بلاك ميرور" (Black Mirror)، الذي اشتهر بتقديم قصص مستقلة تستشرف التأثيرات... اقرأ المزيد
255
| 19 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
• متخصص بالسياسة السيبرانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8712
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2742
| 30 أكتوبر 2026
قد يبدو مستغرباً أن تشتري قطر، وهي من أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال ومصدريه في العالم، الغاز من الولايات المتحدة بعقود تمتد لعقود. فهل تحتاج دولة تمتلك احتياطيات هائلة إلى الغاز المستورد؟ أم أن الصفقة تعكس تحولاً أعمق في طريقة إدارة تجارة الطاقة؟ في تقديري، لا تكمن أهمية هذه الخطوة في الشراء نفسه، بل فيما قد تضيفه إلى قدرة قطر للطاقة على الوصول إلى الأسواق والوفاء بالتزاماتها. ففي صناعة الغاز، لا تكفي وفرة الاحتياطيات وحدها؛ إذ تكتسب مرونة التوريد وإدارة المخاطر أهمية متزايدة إلى جانب الإنتاج. ففي 22 أكتوبر 2026، أعلنت قطر للطاقة توقيع اتفاقيتين طويلتي الأجل مع شركة شينيير إنرجي الأمريكية لشراء ما يصل إلى أربعة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً، بدءاً من عام 2031 وحتى نهاية عام 2054. وتتوزع الكميات بالتساوي بين منشأة سابين باس في ولاية لويزيانا ومنشأة كوربوس كريستي في ولاية تكساس، بواقع مليوني طن سنوياً من كل منهما. غير أن مليون طن من كميات سابين باس مشروط باتخاذ قرار استثماري نهائي بشأن توسعة المنشأة، ولذلك لا ينبغي التعامل مع كامل الكمية المعلنة باعتبارها مضمونة دون تحفظ. ويرتبط سعر الشراء بمؤشر هنري هب الأمريكي، مضافاً إليه رسم ثابت لم تُعلن قيمته. أما التسليم فيتم على ظهر السفينة في الموانئ الأمريكية، وفق نظام (FOB). وهذا يمنح قطر للطاقة دوراً مباشراً في ترتيب نقل الشحنات، وقد يتيح مرونة في توجيهها إلى الأسواق، في حدود ما تسمح به العقود. وتشير طبيعة الاتفاقيتين إلى أن الغاز المشترى ليس بالضرورة موجهاً للاستهلاك المحلي، بل يمكن أن يدخل ضمن محفظة قطر للطاقة التجارية، ويعاد تسويقه إلى عملائها في آسيا وأوروبا وغيرها. وبذلك تجمع الشركة بين إنتاج الغاز من مواردها المحلية وإدارة إمدادات تحصل عليها من منتجين آخرين.وهنا يبرز سؤال اقتصادي مهم: هل يمكن أن يكون شراء الغاز من الخارج أكثر جدوى من الاعتماد على التوسع في الإنتاج المحلي وحده؟قد يبدو الإنتاج المحلي الخيار الطبيعي لدولة تمتلك احتياطيات ضخمة وخبرة واسعة في هذه الصناعة. غير أن المقارنة ليست بهذه البساطة؛ فزيادة الإنتاج تتطلب استثمارات كبيرة في تطوير الحقول ومنشآت التسييل والبنية التحتية، بينما تتيح عقود الشراء الحصول على إمدادات إضافية دون تحمل التكلفة الرأسمالية الكاملة لإنشاء طاقة إنتاجية مماثلة. ولا يعني ذلك أن الشراء أقل تكلفة أو أكثر ربحية بالضرورة، فلكل خيار التزاماته ومخاطره. لكن الجمع بين الإنتاج والشراء قد يمنح الشركة مرونة أكبر في توظيف رأس المال وتوزيع المخاطر والاستفادة من الفرص التجارية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء الاضطرابات التي شهدتها المنطقة، والتي أظهرت أن امتلاك الغاز لا يضمن دائماً القدرة على تصديره. فقد تتأثر منشآت الإنتاج أو التسييل، أو تتعطل الممرات البحرية، بما ينعكس على انتظام الإمدادات. ومن هنا، فإن تنويع مصادر الغاز قد يوفر بدائل إضافية تعزز قدرة الشركة على التعامل مع الظروف غير المتوقعة. ومع ذلك، فإن الاتفاقيتين لا تمثلان حلاً فورياً لأي نقص حالي، لأن الإمدادات لن تبدأ قبل عام 2031. ولهذا تبدو قراءتهما ضمن تخطيط طويل الأمد أكثر اتساقاً مع طبيعتهما ومدتهما، دون الجزم بأن الاضطرابات الأخيرة كانت السبب المباشر وراء توقيعهما. ومن الناحية التجارية، قد تستفيد قطر للطاقة من اختلاف أسعار الغاز بين الأسواق. فالشراء وفق مؤشر هنري هب الأمريكي، ثم البيع في أسواق ترتبط بمؤشرات سعرية أخرى، قد يوفر فرصاً لتحقيق عوائد مجزية، متى غطت أسعار البيع تكاليف الشراء والنقل والتمويل والمخاطر. غير أن تحديد الربحية الفعلية يتطلب معرفة تفاصيل مالية وتعاقدية لم يُعلن عنها. وتبرز هنا ميزة اقتصادية أخرى للاتفاقيتين، تتمثل في الجمع بين فرص تحقيق العوائد التجارية ومرونة إدارة الإمدادات. فتنوع مصادر الغاز يمنح قطر للطاقة خيارات أوسع في توجيه الشحنات إلى الأسواق المختلفة، والاستفادة من فرص الأسعار والطلب، مع تعزيز قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وبذلك لا تقتصر القيمة المحتملة للصفقة على العائد المباشر من بيع الغاز، بل تمتد إلى تحسين كفاءة المحفظة التجارية وتعزيز القدرة التنافسية للشركة على المدى الطويل. ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن استثمارات قطر للطاقة في الولايات المتحدة، ومنها مشروع غولدن باس للغاز الطبيعي المسال في ولاية تكساس. فالجمع بين الاستثمار في مشاريع الإنتاج والتسييل وشراء الغاز من منتجين آخرين يعزز حضور الشركة في أسواق الطاقة العالمية، ويوسع الخيارات المتاحة أمامها. وفي رأيي، فإن هذه هي الدلالة الأهم للصفقة. فقد بنت قطر مكانتها العالمية على تطوير حقل الشمال والاستثمار في منشآت التسييل والتصدير، لكنها قد تكون اليوم بصدد إضافة بعد جديد إلى نموذج أعمالها، يقوم على إدارة محفظة عالمية من إمدادات الغاز، بدلاً من الاعتماد على تسويق إنتاجها المحلي وحده. غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب إدارة دقيقة للأسعار والنقل والالتزامات التعاقدية، لأن تنويع المصادر لا يضمن تلقائياً ارتفاع الأرباح أو انخفاض المخاطر. فالقيمة الحقيقية للتنويع تتحقق عندما يسهم في تحسين كفاءة العمليات والعائد الاقتصادي، ويمنح الشركة قدرة أكبر على التعامل مع تغيرات السوق. إن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس بعدد ملايين الأطنان التي تشتريها الشركة، بل بقدرتها على تحويل تلك الكميات إلى قيمة اقتصادية حقيقية، من خلال تحقيق عوائد مناسبة، وتعزيز موثوقية الإمدادات، وتقليل التعرض للمخاطر الجغرافية والتجارية. ولعل المفارقة الأهم أن قطر قد تشتري الغاز الأمريكي، لا لأنها تفتقر إلى الغاز، بل لأنها تسعى إلى تطوير قدرتها على إدارة تجارته عالمياً. فامتلاك الغاز يمنحها قوة الإنتاج، أما تنويع مصادره وحسن إدارة تدفقاته فيمنحانها مرونة أكبر في المنافسة والاستمرار. وفي صناعة تتغير فيها الأسواق والمخاطر بسرعة، قد تصبح القدرة على إدارة الغاز بقدر أهمية القدرة على إنتاجه.
1485
| 25 أكتوبر 2026